23 April 2018   The Ghost of Herut: Einstein on Israel, 70 Years Ago - By: Ramzy Baroud

21 April 2018   Uri Avnery: The Great Day! - By: Uri Avnery


19 April 2018   Sisi’s Socioeconomic Agenda And Human Rights - By: Alon Ben-Meir



13 April 2018   Uri Avnery: Eyeless in Gaza - By: Uri Avnery



11 April 2018   The March Continues - By: Hani al-Masri


6 April 2018   Uri Avnery: A Song is Born - By: Uri Avnery















5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)

14 اّذار 2018

خمس عشرة سنة على الغياب.. سامي الكعبي: مواجهة النكبات بمرارة الخيبات..!

بقلم: بسام الكعبي
طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

رافقتُ عمتي المسنة خضرة (أم نادر الكعبي) أواخر شتاء 1972 لزيارة نجلها الأسير سامي في معتقل بئر السبع، وتمتعتُ بالغياب عن دروس مملة لمعلمي الصف الثاني إعدادي بمدرسة مخيم بلاطة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين. كنتُ أتفحصُ من مقعدي وسط الصف موقع بئر السبع في منتصف مثلث خارطة وطن محتل مثبتة على جدار صفي المدرسي، واعتقدتُ أن مدينة بئر السبع الجنوبية على مرمى حجر وفق خارطة تلامس حواسي معظم النهار.

منذ ساعات الصباح الأولى صعدتُ مع عمتي إلى حافلة متهالكة وفرها الصليب الأحمر لذوي الأسرى؛ راحتْ عجلاتها تدوي طوال ساعات على طرق واسعة وسط البلاد أخذت تضيق بالتدريج في مسارها نحو الجنوب، حتى توقّفتْ تحت شمس عمودية على طريق ترابية أمام بوابة ضخمة وأسوار إسمنتية سميكة وعالية جداً..هنا سجن بئر السبع: أسوار تبتلع مساحات واسعة من الكثبان الرملية وتخطفها بعيداً عن حركة الناس، فيما الأسلاك الشائكة تحيط بالجهات الأربع للقلعة الصماء، وتزيد من قسوة المشهد؛ فيتكشف حجم جدار موحش ومنزو في منطقة جرداء نائية، وكثبان رملية رمادية على امتداد البصر. هل هذه صحراء النقب التي تشكل نصف مساحة فلسطين؟ رمال صفراء بأودية وتلال تبتلع 14 ألف كيلو متر مربع من مساحة وطن محتل يستلقي بين بحر ونهر. صحراء جافة على امتداد البصر، يصر الصامدون من أبنائها المشردين في تجمعات "غير معترف" بها على التمسك بها بأظافرهم، ونبض عروقهم، وإيمانهم بمقدرتهم على مواجهة خطط تستهدف التهويد والترحيل والتشريد والهدم؛ ضمن سلسلة إجراءات عدوانية لم تتوقف طوال سبعين عاماً، وقد نالتْ من انتشار بيوتهم فوق الرمال، وقيّدت حركة رعي المواشي حتى حاصرتهم في مناطق سكنية محددة بذرائع واهية، ولا زال الاحتلال ينفذ خطط التطهير العرقي واحدة تلو الأخرى..!

كانت الصحراء تلفح بصري وتدهشني عندما تطل من كتب مدرسية  تحتجز الجغرافيا ويتحرر على تضاريسها التاريخ..! كيف أتلمسُ قسوة مساحات واسعة جافة لم أعرفها مطلقاً، وقد طارتْ فجأة الآن من الورق إلى عالم حواسي على أطراف بئر السبع؛ لتقذف بسؤال متفجر بوجه فتى يافع لا يعثر على أجوبة لأسئلة مفتوحة دون نهاية: لماذا كل هذا العزل القاسي للأسرى بين جدران سجن منفي في قلب منفى بأقصى جنوب يكاد يغادر قارة آسيا ويلامس شمال إفريقيا؟ هل يمتلك الرجال هنا خلف الأسوار الاسمنتية قوة فولاذية لمواجهة السجّان وجنود الاحتلال؟ لعل المحتجزين خلف الجدران العالية صنف آخر من قامات مرتفعة واستثنائية؟

بلكنة خواجا غريبة سمعتها لأول مرة في حياتي من مكبرات صوت فرضت حظراً للتجول على المخيم بعد الاحتلال مباشرة، نادى ضابط السجن على إسم الأسير سامي من ورقة في  يده. تبعتُ خطوات عمتي، واجتزتُ معها برفقة آخرين بوابة الحديد الضخمة. انتظرتُ مع ذوي الأسرى في غرفة ضيقة على يمين المدخل الرئيس، وبدتْ أمامي ساحة واسعة توزع عليها مجموعة من غرف صغيرة متجاورة كشفت المراحل الأولى في بناء سجن صحراوي، وبدا واضحاً أن المعتقل الجديد يعج بورشة قهر وإسمنت..!

أطل سامي من خلف شبك الزيارة، وصَرختْ عمتي عندما شاهدتْ الكدمات الزرقاء حول عينيه، وظلال الرمادي يعتدي على وجه هادئ بملامح وسيمة، وتساءلتْ بغضب ومرارة عن سبب الإصابة؟ أذكرُ تماماً ابتسامة ساخرة تفجرت من عينيه قبل أن تنطق شفتيه: "لا تقلقي، كلها يومين وبتخف أورام  وجهي". لم يفارقني صدى صوته المتداخل مع حزمة أصوات محكمة، بوتيرة واحدة متواصلة، لايقاعات الشغف بين الأسرى وذويهم، وظل جوابه يتردد طويلا في ذاكرتي، يسابق عينين لامعتين منتصرتين، لعل الجواب يبدد حيرة السؤال، ويجنب عمتي الدهشة، ويخلصها من عارض الصدمة: "قرر رفاقي الأسرى رفض العمل في بناء السجن، وأخذوا بتجميع السكر قبل تذويبه بالشاي، وتجفيفه، وعندما توفر لدينا كمية جيدة أذقنا بحلاوتها ماتورات خلاطات الباطون اليدوية، فتعطلت المحركات عن العمل، وتعطلتْ أعصاب إدارة السجن عندما ذاقت طعم السكر في خلاطات الباطون، فأقدمتْ على حجزنا وضربنا بقسوة: حطمتْ عظامنا لكنها لم تكسرْ إرادتنا".

قبل انتهاء الزيارة، تبادل الأسرى للحظات أمكنتهم بغرض إلقاء السلام على ذوي رفاقهم، وأذكرُ أن قامة مرتفعة ألقتْ التحية عليّ وعمتي، تحية أطلتْ من كف الأسير حسين أبو حاشية من مخيم بلاطة وغابت القامة العالية طويلا في الزنازين المعتمة قبل أن تتحرر. نال المقاتل أبو حاشية حريته بعد ثلاثة عشر عاماً على زيارتي الأولى لمعتقل بئر السبع؛ وذلك ضمن صفقة تبادل الأسرى التي عقدتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة بزعامة أحمد جبريل، ونفذت بنود صفقة الجليل ظهيرة  20 أيار 1985 بتحرر مئات الأسرى والأسيرات مقابل أسيرين من جنود الاحتلال.

انتهتْ الزيارة سريعاً، وعادتْ الحافلة المتهالكة تزحف نحو الشمال. تأملتُ بصمت من شباك الباص امتداد الصحراء القاحلة، ولم تعد منذ تلك اللحظة مجرد إسم على خريطة فلسطين! عند ساعات العصر غطستُ في نوم عميق قبل النهوض في المساء على صوت عمتي تطلب مني الاستعداد للنزول وسط مدينة نابلس شمال الضفة الفلسطينية المحتلة. وصلتُ المخيم متعباً، لكن ابتسامة ساخرة صلبة للأسير بددت التعب، وظلتْ تطاردني دون  العثور على أجوبة تشي بسرّ قوته، وتماسكه، وصبره، وحكمته في تحمل كل هذه النكبات التي يواجهها بإرادة صلبة لم تلن يوماً.. تُرى كيف نحت سامي الكعبي مسيرة حياته؟ وكيف ركض بشجاعة خلف أحلامه وخياراته؟

اغتيال نهر..
قبل أن يلقي نهر العوجا بنفسه من فوق شلالات بلدة جريشة ليحتضن يافا على الشاطئ، يجتاز قرية السوالمة حيث ولد سامي محمود سليمان الكعبي منتصف حزيران 1944 في حوض نهر شهد الصراعات البشرية مبكراً. اكتسب النهر أول أسمائه من المدينة الرومانية القديمة أنيتا باتريس التي بناها الحاكم هيرودوس (73- 4 ق. م) وتعني باللاتينية رأس العين، رغم أن ياقوت الحموي (1178- 1225م) حاول تدوير زوايا الإسم وتحريفه عندما أطلق عليه "أبو فطروس" كما ورد في كتابه (معجم البلدان). اكتسب النهر إسم العوجا بسبب تعرجاته الكثيرة عبر جريانه 27 كم في أراض سهلية بدءاً من منابعه برأس العين (تُمركز ينابيع رأس العين الكثيرة مياه أودية قانا، دير بلوط والزاوية التي تنحدر من جبال نابلس) حتى مصبه على مسافة 6 كم شمال مدينة يافا، رغم أن المسافة الهوائية من المنبع إلى المصب لا تتجاوز 14 كم. استبدل الاحتلال الإسرائيلي بعد نكبة 1948 إسم النهر ليصبح "اليركون" استناداً إلى مفردة "يروك"  التي تعني بالعبرية الأخضر، فيما يعني "اليركون"  المياه الخضراء. أقام الاحتلال مشروعاً على النهر سنة 1952 استهدف ضخ مياهه إلى مستوطنات صحراء النقب لتشجيع الاستيطان فيها استجابة لمشروع بن غوريون الاستيطاني بغرض الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية. طوال عشر سنوات واصل الاحتلال بالتدريج عملية تجفيف النهر (220 مليون متر مكعب سنوياً) حتى تم تدميره أواسط السبعينات بتحويل المجرى إلى مكب للقمامة، وأخذت المياه الراكدة لونها الأخضر ورائحتها الكيماوية الكريهة..!

ولد سامي في حوض نهر العوجا الذي سجل أعلى كثافة سكانية فلسطينية قبل النكبة، وشهد قيام مستعمرة (بتاح تكفا) باعتبارها من أوائل المستوطنات في فلسطين، وقد أخذ المشروع الاستيطاني بالتوسع التدريجي على حساب الأراضي الفلسطينية باسناد الانتداب البريطاني؛ حتى باتت أعلى كثافة سكانية للمستوطنين بعد سبعين سنة على النكبة تتمركز في منطقة تل أبيب الكبرى على  حوض نهر العوجا وسط فلسطين المحتلة.

امتلكت عائلة سامي أرضاً زراعية بمساحة جيدة؛ وفر منتوجها السنوي دخلا يلبي احتياجات الأسرة الممتدة بين الأجداد والأعمام. كان ترتيبه الرابع في أسرته الصغيرة بعد أشقائه نادر، محمد، سليمان، وأخته الصغرى والوحيدة إنصاف وأصغر الأشقاء إسماعيل.

عصفتْ نكبة 1948 بالأسرة الصغيرة، واضطرتْ إلى الهجرة القسرية تحت تهديد السلاح العنصري نحو تلال الضفة الغربية. فرتْ العائلة بعكس اتجاه نهر العوجا، واتجهتْ إلى الشرق وتركتْ النهر يركض في السهل الرمادي، ويسقط كل ثانية من فوق شلالات جريشة دون أن ينكسر متمسكاً بأمل العودة. أقامتْ العائلة مؤقتاً في قرية دير غسانة، شرقي يافا وغربي رام الله، قبل أن تفقد معيلها الحاج محمود الكعبي عقب النكبة مباشرة.

واصل الأيتام مع والدتهم وأعمامهم وأخوالهم وخالاتهم رحلة الشقاء إلى أن حط بهم الرحال في مخيم بلاطة شرقي نابلس مطلع الخمسينيات عقب قيام الأمم المتحدة مطلع تشرين ثاني 1948 بتأسيس هيئة اغاثة وتقديم المعونة للاجئين، قبل أن تصدر الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 302 في 8 كانون أول 1949، وتم بموجبه تأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) على أن تجدد ولاياتها، وفق القرار، كل ثلاث سنوات حتى ايجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، ويبدو أن وكالة الغوث في طريقها للتغييب القسري بعد سبعين عاماً على النكبة؛ بغرض تغييب حل عادل للقضية الفلسطينية وتبديد حق عودة اللاجئين! وأعلنت وكالة الغوث عن تأسيس بلاطة، حيث أقامت الأرملة (أم نادر) مع أطفالها، إلى جانب ستين مخيماً في الضفة وغزة والأردن وسوريا ولبنان، "لاستيعاب" جموع اللاجئين المهجرين قسراً من وطنهم المحتل.

عندما استقرتْ الأرملة مع أولادها بجوار أشقائها في إحدى خيام بلاطة،  فقدتْ (أم نادر) كريمتها الصغيرة إنصاف في الثالثة من عمرها وكذلك رضيعها إسماعيل؛ نتيجة مرض حصبة إنتشر بين الأطفال، وحصد للأسف الكثير من الأبرياء. دفنتْ الأرملة صغيريّها إنصاف وإسماعيل في مقبرة عسكر البلد شرقي مدينة نابلس، وتماسكتْ لمواجهة حزمة كوارث منتظرة تختبئ، دون علمها، في جوف سنوات جمر مقبلة عصفتْ بحياة لاجئة تعرضت لتحالفات معقدة من القهر المركب.

اضطر الشقيقان الأوسطان محمد وسليمان مغادرة مقاعد المدرسة قسرياً، برغم تفوقهما البارز، سلما صاغرين كتب التعليم وغادرا المدرسة الابتدائية مجبرين إلى سوق العمل؛ لتغطية مصاريف العائلة المعدمة، وبدأ اليافعان عملا كمعاوني سائق في شركة باصات نابلسية شهيرة بأجرة لم تتجاوز عشرة قروش يومياً لكل منهما..! فيما واصل الشقيق الأكبر نادر تعليمه قبل أن يلتحق بوظيفة في ميناء العقبة الأردني، حيث أقام طوال حياته.

بعد تسع سنوات على التهجير القسري تعرضتْ العائلة  لنكبة جديدة؛ بوفاة الفتى الوسيم محمد غرقاً في نهر الأردن أثناء عمله معاون سائق في شركة الباصات: صباح 29 نيسان 1959 انطلقتْ 39 حافلة تقل أقباطاً مصريين من القدس باتجاه مغطس نهر الأردن على مسافة تسعة كيلو مترات شمال البحر الميت، وذلك لتأدية طقوس دينية مسيحية تتزامن مع إنتهاء الصيام، والجمعة العظيمة، وسبت النور، وأحد الشعانين وعيد الفصح أو القيامة، وتتزامن هذه المناسبات الدينية نهايات نيسان من كل عام. ارتبط جزء من موسم الحج المسيحي في فلسطين بطقوس تعميد اليسوع  الناصري عليه السلام على يد يوحنا المعمدان في المغطس قرب أريحا. وصلتْ الحافلات من مدن الضفة إلى فنادق القدس لنقل حجاج مصر داخل الأراضي المقدسة في إطار موسم الحج، وانطلقتْ شرقاً نحو المغطس. تطوع الفتى محمد لتعبئة زجاجة مياه لإحدى مسنات مصر من ماء المغطس المقدس، وفي لحظة لامستْ فيها قدمه غصن شجرة امتدت فوق الماء؛ تكسّر الغصن الهش تحت قدميه، وسقط الفتى في مياه جارية لنهر تحول إلى مصيدة موت..! وسقطتْ عمتي في صليب أحزان أبدية على رحيل نهر قلبها، ومغطس حياتها، وانتظرته طويلاً لعل نجلها محمد يعود يوماً من صليب غيابه الأبدي..!

متمرد مغامر..
غادر سامي المدرسة مبكراً وعمل في مصنع للزجاج أفتتح على مدخل المخيم، وقد أتقن ببراعة مهنة نفخ الزجاج المصهور في أفران بدرجة حرارة مرتفعة جداً، فيما تعاطف سائقو الباصات مع شقيقه سليمان عقب غرق شقيقهما محمد، وشجعوه على السياقه، ودربوه حتى حصل على رخصة باص عمومي، واشتغل عدة سنوات سائقاً للحافلات على خط نابلس الكويت قبل حرب حزيران 1967، فيما نال الشقيق الأكبر نادر وظيفة حكومية في ميناء العقبة جنوب الأردن؛ براتب يكاد يغطي مصاريفه الشخصية وإقامته البعيدة.

تمرد الفتى سامي مبكراً على قسوة واقعه، وقد بدا مغامراً منذ سنوات مراهقته، فسافر يافعاً إلى دمشق وبيروت وبغداد والعقبة بحثاً عن فرص عمل أفضل. وأذكرُ في طفولتي أنه كان يغيب طويلا ويعود لنا بهدايا ساحرة، مشترطاً على الطلبة الصغار الاهتمام بالقراءة والمواظبة على الدروس، وكان يراجعها أحياناً معنا في ساحة صغيرة مكشوفة ومشتركة لمنزليّنا المتجاورين المتلاصقين.

عاد فجأة من إحدى رحلاته في بيروت عشية حرب حزيران 1967، وطلب من فتيان الحارة ارتداء فانيلا وشورت رياضي وحذاء خفيف. وضعنا في طابور وطلب منا الركض باتجاه معسكر حوارة جنوبي المخيم على مسافة خمسة كيلو مترات. كنتُ في العاشرة من عمري عندما انطلقتُ تحت تعليماته أركضُ مع رفاقي، وأرددُ أناشيده الحماسية دون إدراك لأبعادها. وصلنا المعسكر منهكين، واستقبلنا عسكري أردني وفر لنا ماء للشرب واستراحة قصيرة؛ قبل العودة ركضاً نحو المخيم في أول تدريب جدي لفتيان الحارة. لم يمر سوى ثلاثة أسابيع على تدريبنا تحت إمرة المتمرد سامي؛ حتى شاهدنا معسكر حوارة  يحترق بفعل ضربات الطيران الإسرائيلي، وشاهدتُ من سطح بيتنا سحابة دخان سوداء هائلة فوق المعسكر، وسمعتُ لأول مرة في حياتي من سامي أن قنبلة "نابالم" أحرقتْ المعسكر، وردد بحماس: بدأتْ الحرب ولا بد من مواجهة إسرائيل..!

أية مواجهة يمكن أن يقف فيها النظام الأردني نداً لكيان مغتصب يشكل رأس حربة للهيمنة الاستعمارية في الشرق..! شكل الأمير عبد الله بن حسين بن علي الإمارة شرقي نهر الأردن سنة 1921 في سياق التسويات الإقليمية الكبرى للمنطقة، ثم ضم الضفة الغربية بعد نكبة 1948 في مؤتمر أريحا عقب اتفاقيات رودوس 1949 مع المحتل الإسرائيلي، وأعلن المملكة الأردنية الهاشمية، وفرض الجنسية الأردنية على أهالي الضفة الغربية، وواصلتْ المملكة الفقيرة دورها كمؤسسة جباية لا تمتلك شروط المواجهة العسكرية المرتقبة مع كيان إسرائيلي صاعد ومدعوم دولياً بالنووي وكل الأسلحة الفتاكة! كيان مغتصب يمتلك قواعد إدارة شؤون المستوطنين سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. كيف سيقاتل سامي الكعبي ورفاقه من الفلسطينيين والأردنيين والمصريين والسوريين واللبنانيين وكل شباب العرب، هذا الكيان المدجج بأسلحة الغرب؛ دون شروط محكمة لمقاومة حقيقية وفاعلة، تمتلك إرادة المحاسبة من أجل الانتصار على الأرض؟!

اختفى الشاب المتمرد شهرين، قبل أن يصل الخبر أواخر شتاء 1967: سامي معتقل في سجن (كفار يونا) الذي أقيم على أراضي خربة بيت ليد غربي طولكرم، ومحتجز في أقبية الاحتلال الإسرائيلي منذ 8 آب 1967. اعتقل أثناء اجتيازه نهر الأردن، واعتبر "متسللا" ويعمل لصالح المقاومة الفلسطينية، واتهم بعلاقته مع قوات التحرير الشعبية التي نشطتْ في قطاع غزة عقب الاحتلال، وقد قرر ضباط من جيش التحرير الفلسطيني البقاء في غزة بهدف تنظيم المقاومة من خلال ذراع عسكري أطلق عليه إسم "قوات التحرير الشعبية". اتهم الأسير أيضاً بزيارة عكا وحيفا وإقامة شبكة من الاتصالات مع شباب فلسطين في الجليل. أصدرت محكمة اللد العسكرية بحقه حكماً بالسجن الفعلي ثماني سنوات، مترافقاً مع قرار بإبعاده عن الوطن المحتل.

تنقل في سجون كفار يونا، عسقلان، الرملة، بئر السبع ونابلس القديم، وقرأ في أدبيات المقاومة الفلسطينية والعربية، وبالتدريج إهتم بأفكار مؤسس الإخوان المسلمين في مصر حسن البنا، وتأثر منذ اعتقاله بأدبيات سيّد قطب، واستقطبته رؤية الدكتور محمد قطب، شقيق سيّد، وقد عرضها في كتابه (جاهلية القرن العشرين) في وقت لم يكن جمر العلمانية، والرؤية اليسارية القومية، قد انتشر بعد بين الأسرى في سجون الاحتلال، كما اشتعل بينهم أواسط السبعينات طوال عقدين، وانطفأ بالتدريج لأسباب ذاتية وموضوعية؛ يطول البحث عنها للوقوف على أسرار تراجع قوى اليسار في الساحة الفلسطينية والعالمية، واتساع رقعة القوى الظلامية والسلفية والطائفية في الساحة العربية..!

اتجه سامي إلى الصلاة والعبادة، لكنه حافظ على انتمائه في صفوف الحركة الوطنية وتمسك بها، ولم ينفصل عنها أو يبتعد عن أطرها الكفاحية، والأهم من كل ذلك أنه لم يعادي الاتجاه القومي اليساري بذريعة "تجاوز" الالتزام بقواعد الشريعة وتطبيق الفرض الديني؛ معتبراً أن الحساب مسؤولية حصرية للخالق في السماء وليس لأية سلطة دينية في الأرض.. وبات العقلاني المعتدل والمتنوّر يُعرف في السجون الإسرائيلية بالشيخ سامي.

فجر الرابع من نيسان 1974 أقدمت سلطات الاحتلال على تنفيذ قرار إبعاده إلى الأردن..! احتجزته السلطات الأردنية ثلاثة أشهر في معتقلاتها، حتى وافقت المخابرات على كفالة قدمها شقيقه نادر ضمنت الإفراج عنه تحت مسؤولية الاستدعاء إذا تطلب الأمر. لم ينتظر طويلا في عمان، وقرر مغادرة الأردن إلى العاصمة العراقية بغداد.

افتتح مع بعض الشركاء مصنعاً للزجاج في حي جميلة الصناعية بضواحي بغداد، ووظف خبرته في المهنة لبناء المصنع، وفتح المجال لبعض زملاء العمل السابقين للالتحاق بمصنعه، ولمَع في مهنته، واعتمد على نجاحه بتمويل احتياجاته الشخصية بعيداً عن رواتب الفصائل الفلسطينية ومكافآت التنظيمات، لكنه ظل على تواصل مع رفاق السجون الذين تسلموا مواقع سياسية، واتجهوا نحو جبهة التحرير العربية، الذراع الفلسطيني لحزب البعث الحاكم في العراق. وناصر هذا الاتجاه العروبي الاشتراكي دون أن ينخرط فعلياً في صفوفه أو يمنحه كثيراً من وقته.

وظف الرفيق سامي هذه العلاقة لتوفير مقاعد دراسية في الجامعات العراقية للفقراء من طلبة المخيمات، وبفضله حصلتُ على مقعدي في كلية آداب جامعة بغداد أواخر سنة 1975، وبفضله أيضاً حصل عدد من الزملاء في مدرسة المخيم على مقاعد دراسية في الجامعات بدون شروط سياسية أو حزبية، بل شجعهم على الدراسة الأكاديمية المجردة بعيداً عن الاستقطابات الطلابية القائمة في الساحة العراقية، وأسهم موضوعياً في تفوق بعضهم ونجاحهم الأكاديمي.

قبضة السلطة..
أنهيتُ الثانوية العامة بمعدل جيد وغادرتُ صيفاً إلى العاصمة الأردنية لاستكمال ختم الأوراق وتجهيزها للجان قبول الجامعات. كل شيء بلا "قيمة" دون مهر سلطوي بطبعات متعددة وتراتبية بائسة! وشمس عمان الحارقة نالتْ مني أثناء تنقلي من جبل إلى تل، ومن واد إلى آخر بحثاً عن مؤسسة حكومية هنا وأخرى هناك، لأحصل على "قيمة بركاتها" بتوقيع أوراق مقابل أوراق! سلطات دولة مشرقية بارعة تاريخياً في القهر والمقايضة والجباية ولا تمنحك فرصة اعتراض أو حتى سؤال عن سر أختام موزعة على مكاتب حكومية تنتشر في سبعة جبال..!

مرضتُ بضربة شمس كادتْ أن تكون قاتلة، لولا اهتمام عمتي الخمسينية ربيحة (أم باسل البرغوثي) المقيمة في جبل اللويبدة بظرفي الصحي الطارئ، وإلا تبخر عمري في لحظة قهر أمام مؤسسات موزعة بعناية في كل جبال عمان، وطار بين إدارة مكاتب تحترف توجيه التعليمات وتمرير الأوامر! جهزتُ أوراقي اللازمة وأرسلتها إلى الأسير المحرر في بغداد، وعدتُ مهزوماً مطحوناً إلى مخيم ممزق وفقير واجه كل أشكال الاستغلال والعنف منذ ربع قرن في حينه! ولا زال يواصل "رحلة" التمزق القسرية،  والعض على جراحه العميقة منذ سبعين سنة..!

حثني والدي على التسجيل في كلية النجاح، قبل أن تصبح جامعة، وعدم انتظار قبول الجامعات العراقية، وافقتُ على اقتراحه، ودوامتُ شهرين ونصف في قسم اللغة الانجليزية؛ قبل قراءة إسمي بين دفعات طلبة مقبولين في جامعة بغداد منشوراً على صفحات جريدة محلية.

غادرتُ المخيم بكل ثروة والدي التي لم تتجاوز المائتي دينار أردني..! وسلمها لي عن طيب خاطر قائلا: لعلك تنجو يا ولدي من محنة عامل مهمش بلا حقوق لا يمتلك سوى كرامته..! ربما تنجو من بلاد لا كرامة فيها للعمال والفقراء ومسحوقي المخيمات! لعلك تعثر على درجة جامعية متواضعة توفر لك معيشة أقل بؤساً من حياة عمال في بلاد يحكمها منذ عقود تحالف الأثرياء؟ من أين يراكم عامل لاجئ "ثروة" وهو يعيش نمطاً من استغلال شريحة "وطنية" لا تلتزم بحقوق وتتجاهل القيمة الأخلاقية علاقات العمل..! بل "تبدع" في المواعظ والطقوس، وتنأى بها عن التطبيق الفعلي، وتحتفظ بها للزينة المجردة فقط! شريحة زحفتْ بأموالها لإقامة سياج مصانعها وورشها بعد النكبة حول مخيم معدم؛ يوفر أيدي عاملة رخيصة بلا حد أدنى للأجور، وبلا نقابات حقيقية تدافع عن حقوقهم بمواجهة المستَغِل..! شريحة تعتقد أن الفقر والثراء قدر الفرد وهبة السماء..! وتروج لثقافة الشفقة مقترنة بالحلال والحرام، بعيداً عن منظومة الحقوق الأخلاقية العادلة التي تحكم العامل وصاحب العمل في مجتمع محدود الدخل يقتطع صاحب المشروع معظمه..!

لمستُ شخصياً عمق درجة استغلال صاحب المصنع لجهد والدي العامل، وشطب حقوقه رغم براعته المهنية، وطول مسيرة شغله التي تجاوزت الثلاثين عاماً، وقد غادر مهنته دون حقوق بذريعة أنه "ترك" الشغل طوعاً..! ولولا وفاء الأبناء والبنات لحاصرت الحاجة كرامته وشيخوخته..! للحقيقة المجردة، تتعرض كرامات آلاف المسنين والمسنات من اللاجئين واللاجئات في الوطن والشتات إلى سلسلة من الانتهاكات..! لماذا لا توفر المؤسسة الوطنية رواتب متواضعة منتظمة للمسنين؛ بمعزل عن كشوفات شؤون اجتماعية تستبدل الحقوق بالتسول؟

صحراء الأنبار..
عثرتُ في عمان على كراجات بغداد، وانتظرتُ قليلا قبل أن يشغل السائق محرك سيارته بأربعة ركاب، وانطلق بنا نحو الشرق بأجرة لا تتجاوز خمسة دنانير أردنية للمسافر الواحد يدفعها حال وصول بغداد. جلس بجواري في المقعد الخلفي شاب عرّف عن نفسه: بسام سعد من نابلس حاصل على قبول في الإخراج المسرحي من أكاديمية الفنون الجميلة في جامعة بغداد. تبادلتُ معه الحديث واستعدنا فوراً أبطال مسرحية (بياع الصبر) التي شارك فيها سعد، وكتب نصها محمد كمال جبر، ولعب دور البطولة فيها على الخشبة حسن درويش الملقب (أبو العكرة) الذي كان موهوباً في المسرحية بقدر موهبته الكروية، وقاد فريق مركز شباب بلاطة في كرة القدم مطلع السبعينات لقمة الفرق الرياضية في الضفة الغربية. درويش وجبر من أبناء المخيم وقد لمعَ محمد كمال في مجال تعليم الرياضيات والكتابة الأدبية، فيما برز "أبو العكرة" بالمسرح وكرة القدم. كنتُ حضرتُ (بياع الصبر) التي عرضت على خشبة مسرح مكتبة بلدية نابلس ونالت اهتماماً واسعاً في أوساط الطلبة تحديداً، وناقشتُ وقائعها مع رفيق الرحلة سعد؛ الذي أصبح بعد تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة مخرجاً ناجحاً قدم مجموعة أعمال جيدة للدراما العربية.

لم تقطع السيارة سوى مسافة قصيرة متجاوزة مدينة الزرقاء، شرقي الأردن، حتى عثرتُ على صحراء عملاقة واسعة على امتداد النظر..! وباتت رحلة حافلة الصليب الأحمر باتجاه بئر السبع مزحة صغيرة بجوار صحراء كبرى لا نهاية لها. عشر ساعات من السفر دون توقف عبر شارع ضيق مستقيم، باستثناء اقتطاع وقت قصير للتزود بالوقود والتوقف بنقطتي عبور على الحدود الأردنية والعراقية للتفتيش والتحقيق وختم جوازات السفر.

الصحراء التي قفزت مرة أخرى من الخارطة الكبرى للوطن العربي، كانت تفرض حضورها بطرح أسئلة صعبة لا نهاية لها على ذهن شاب يافع حاصرته المناهج الأردنية الفقيرة، عديمة النفع، وربما المبرمجة بعناية: ما عمر هذه الصحراء التي تبلع أرض العرب؟ كيف مرّ العرب منها في غزواتهم وحروبهم الطاحنة واجتازوها للقتال على حوض البحر المتوسط؟ كيف نجحتْ الجرداء القاحلة بإقامة حضارة رهيبة زحفتْ في بقاع الأرض وقوضت امبراطوريتين أسطوريتين: البيزنطية والفارسية؟ هل منحتهم الصحراء كل هذه القدرة على استقطاب الخيال ونسج الأساطير؟ هل وفر الوقود الجديد لفتوحات البيداء طاقة هائلة لاستمرار الغزوات في الشرق والغرب لضمان صعود امبراطورية جديدة هيمنت بقوة في العالم القديم؟

لا أعرفُ كم مرة سهوتُ في عتمة سيارة تقاتل مصابيحها بشراسة حلكة ليل مريع؛ أشاهد سواده بهذه القسوة لأول مرة في حياتي..! لا مخرج لهذا النفق المظلم، ولا نهاية لهذا الكابوس الممتد من عمان إلى بغداد.. هل نجتاز النفق المعتم ونلامس فجر بغداد، متى ينتهي هذا الشارع الأسود الذي لا ينتهي؟

عند الفجر لاحتْ الأضواء خافتة من بعيد، قبل أن تتوقفت السيارة فترة استراحة قصيرة في مدينة الرمادي بعد أن اجتازت ساعات طويلة في ليلها المريع من نقطة "الرطبة" على الحدود العراقية. دققتُ في باعة الفجر ووجباتهم المعروضة على عربات بسيطة، وتأملتُ حركة العمال وتنقلاتهم وأصواتهم ونداءات خطوط النقل. انفرجتْ أسارير السائق الصامت، وأخبرنا أن  بغداد أضحت قريبة المنال، وباتت عاصمة الرشيد في متناول مقود سائق السيارة.

بغداد تعني باللغة الآرامية (هبة الله) وباللغة السومرية (أجنحة الصقر) وأطلق عليها الخليفة السفاح أبو جعفر المنصور (دار السلام) في مفارقة عجيبة..! وسميّتْ بمدينة الخلفاء، والمدينة المدورة لأنها أقيمتْ على شكل دائرة، وبالصيادة لأنها تأسر القلوب وتحتجزها وتصيدها، وحُظيتْ بأسماء الزوراء والفيحاء والفردوس.

نالتْ عاصمة الخلافة العباسية (750- 1519م) مجداً عظيماً في تاريخها المشرق والعريق طوال سبعة قرون قبل تدمير بغداد على يد هولاكو سنة 1258م، وزج الخليفة العباسي المستعصم بالله في السجن قبل قتله وفرار المستنصر أحد أبناء أشقائه إلى مصر، وأقام بالتحالف مع المماليك الخلافة العباسية في القاهرة، وتوارث الخلفاء الخلافة الإسمية حتى موتها رسمياً أواسط القرن السادس عشر.

اعتمد العباسيون بغداد عاصمة للخلافة الإسلامية بدلا من دمشق عقب هزيمة الخلافة الأموية (662- 750م) في بلاد الشام. أسس الدولة الأموية (ثاني خلافة إسلامية) معاوية بن أبي سفيان الذي كان والياً على الشام في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد بلغتْ ذروة الامبراطورية الأموية في عهد الخليفة الأموي العاشر هشام بن عبد الملك، عندما امتدتْ من أطراف الصين شرقاً إلى جنوب فرنسا غرباً، واجتاحتْ جيوشها شمال افريقيا والأندلس وبلاد السند؛ قبل أن تسقط معظم الامبراطورية، باستثناء الأندلس، بقبضة السفاح أبو جعفر المنصور الذي دمر دمشق لتزدهر بغداد..!

وسط بغداد، توقّفتْ المركبة صبيحة 8 كانون أول 1975، بعد 720 سنة على غزو المغولي هولاكو للفيحاء وقبل 25 سنة على غزو الأميركي جورج بوش لدار السلام..! أطفأ السائق محرك السيارة في الكراجات الواقعة بأطراف ساحة الرصافي، وبدا من بعيد تمثال الشاعر العراقي الشهير معروف الرصافي يطل من سقف السماء. أشار السائق إلى التمثال المرتفع للشاعر لربط إسم الرصافي بالساحة الشهيرة التي تتوسط شارع الرشيد العريق، وأرشدني إلى فندق مجاور للكراجات مستجيباً لطلبي في البحث عن عنوان مؤقت. من مكتب استعلامات فندق متواضع تبخر إسمه من ذاكرتي، هاتفتُ إبن عمتي سامي الذي لم يتأخر في الوصول إلى العنوان، ولم يمنحني فرصة التأمل بشارع تجاري مزدحم بأعداد هائلة من المتسوقين لم أشهد حجمها خلال دراستي الثانوية في نابلس أو حتى لدى زيارة عمان، واتضح لاحقاً مدى تغيّر المعايير بشأن المسافة والمساحة والاكتظاظ عند المقارنة بين مدينة وأخرى؛ وانقلبتْ الحسابات عندما توفرتْ الفرص لزيارة مدن وعواصم عربية وأجنبية. صافحته بحرارة، ولاحظتُ أن الأسير المحرر لم يتغيّر كثيراً منذ غاب عن بصري عقب آخر زيارة له في سجن بئر السبع خلال شتاء 1972.

أقمتُ فترة قصيرة في غرفة مخصصة لعمال مصنع الزجاج وغالبيتهم من فقراء أبناء الشعب المصري العريق، وكنتُ أعودُ من قسم الصحافة في كلية آداب بغداد إلى الغرفة الملتهبة بالنار والمحاصرة بالدخان، قبل الانتهاء من دهان وتجهيز شقة سكنية استأجرها في حي جميلة الصناعية بجوار المصنع، وأقمتُ فيها مع والدته (عمتي) التي حضرتْ من بلاطة للإقامة مع أصغر أنجالها المنفيّ في بغداد، وقد بدأ مسيرة نجاحه المهني في تثبيت أركان مصنع الزجاج العربي التقليدي وتوريد منتجاته إلى المحافظات العراقية وبخاصة الجنوب.

سافرتُ برفقة سامي أواخر ربيع 1976 إلى مدينة البصرة بغرض تعاقده مع مجموعة من التجار لتوريد منتجات مصنعه الحديث. جلَسَ بجوار سائق السيارة العمومية، وحَجَز المقاعد الخلفية الثلاثة لي ولإبن عمي أسعد الذي ترك عمله في مصنع الزجاج بمدخل مخيم بلاطة، وسافر إلى بغداد بعد أن تمكن سامي من استقطابه للعمل في مصنعه براتب جيد عادل خبرته الطويلة في تطويع الزجاج. عاد أسعد من بغداد قبل أن يفقد والدته الشهيدة سهيلة الكعبي (57 سنة) ظهيرة الجمعة في الحادي عشر من كانون أول 1987 بعد يومين على إندلاع الانتفاضة الأولى في مخيم جباليا بقطاع غزة، وسجلها التاريخ أول شهيدة للانتفاضة الأولى، ثم فَقَد شقيقه حاتم الكعبي (26 سنة) الذي تحرر من سجون الاحتلال، وبات حاتم يعرف بلقبه (أبو جورج) قبل أن يرتقي شهيداً بمواجهة مسلحة مع دورية إسرائيلية ظهيرة الرابع من آذار 1994 في مدخل مخيم بلاطة وبجوار مصنع الزجاج.

في الطريق الطويلة التي يبتلعها بحر النخيل نحو البصرة، إستدّل السائق العراقي الستيني بسهولة على اللهجة الفلسطينية، وكشف للركاب الثلاثة سره الفلسطيني: أقام في قلقيلية، شمال غرب الضفة الغربية، وتزوج من إمرأة فلسطينية، وأنجب منها، لكن الاعتداء الإسرائيلي الذي استهدف المدينة سنة 1956 هدم بيته، وأضاف زوجته وأبنائه الصغار إلى قائمة شهداء فلسطين.

إستعاد السائق العراقي بعينين حزينتين وصوت مخنوق وقلب فلسطيني قصة استشهاد زوجته وأبنائه الصغار، وتدمير بيته البسيط على أطراف بيارة تعبق بفاكهة الجوافة، وقد إضطر للعودة إلى بلاد الرافدين بعد أن دفن قلبه تحت ثرى مدينة تحرص على منح يافا نكهة الجوافة وقوافل الشهداء حتى تنتصر وتتحرر من قبضة الغزاة.

في معركة قلقيلية استشهد عباس الكعبي، إبن عم سامي، أثناء دفاعه الباسل عن المدينة: رفض التراجع قيّد أنملة رغم انعدام الذخيرة، وضعف العتاد، وتواضع إمكانيات الجيش الأردني في مواجهة ترسانة الاحتلال، وتلقى الشهيد كل رصاص العدو في صدره، ورحل واقفاً على أرض مدينة الشهيد القائد الفذ أبي علي إياد الذي قال جملته الشهيرة خلال معارك أيلول 1970 في الأردن: "نموت واقفين ولن نركع"، وكأن شهيد أيلول يخاطب روح عباس الطاهرة، ويساند والده الشيخ الجليل أبو دعاس الكعبي عندما طلب أن يبقى جثمان نجله الثاني عباس خارج حدود المخيم، حتى الانتهاء من حفل زفاف الشاب فؤاد سوالمة، أحد الأنسباء والجيران، رافضاً الافصاح عن نبأ استشهاد نجله حتى آخر لحظة من أفراح العرس. خاطب الشيخ الجليل الحضور بالانتقال إلى عرس آخر لدفن فلذة كبده مطلقاً كلمة عض فيها على جرحه النازف: ساهلة يا جماعة. وقد باتت مفردة ساهلة مقترنة بالحكيم أبو دعاس؛ التي أطلقها للتخفيف من وطأة المصيبة القاتلة على المرء. لا زالت مفردة (ساهلة) تتردد على الألسن حتى اليوم؛ مقترنة بجملة إضافية: على رأي الشيخ أبو دعاس، دون أن تعلم الأجيال اليافعة شيئاً عن قائل متماسك دفن نجله بصلابة نادرة  فداء للوطن ومدينة قلقيلية التي ظلت شامخة بقامة عالية رغم جريمة المعتدي.

مساء العاشر من تشرين أول 1956 تعرضت قلقيلية للتدمير بصواريخ عشر طائرات حربية إسرائيلية، وقذائف الدبابات والمدفعية الثقيلة لكتائب الجيش المعتدي، واستشهد في الاعتداء 70 فرداً من المقاتلين والرجال والنساء والأطفال، ودمر الاحتلال مسجداً، وسجناً، وخزاناً للمياه وأربعين بيتاً، وواجه جيش الاحتلال مقاومة باسلة أوقعت قتلى وجرحى وتدمير آليات في صفوف المعتدين.

سَجّل الشهيد عباس أسمه بأحرف من نور في تاريخ المقاومة الفلسطينية، كما سجلها من بعده إبن شقيقه، وحفيد الشيخ أبو دعاس، الشهيد الشاب هاني محمد الكعبي (22 سنة) طالب الأدب الفرنسي في جامعة النجاح بمدينة نابلس، وقد سار على خطى عمه عباس رافضاً الاستسلام: استشهد المقاتل الفذ فجر الثامن عشر من نيسان 2008 بعد مطاردة طويلة لأجهزة الاحتلال، وخمس محاولات اغتيال، وهدم منزله وتشريد والده ووالدته وأشقائه وشقيقاته. رصدته قوة من جيش الاحتلال، وحاصرته بين جدران منزل في مخيم بلاطة بجوار المسجد القديم. رفض الاستسلام، وقاوم الغزاة ببسالة حتى الطلقة الأخيرة، واستشهد تحت ركام المنزل جراء قصفه بقذائف الأنيرجا المحرمة دولياً، وإلتحق هاني بعمه الشهيد عباس، وسَجّل إسمه بأحرف من نور في سِجل الخالدين.

تقدم سامي شتاء 1976 لخطبة إبنة عمه عطاف عبد الكريم المقيمة مع شقيقها لطفي في الكويت منذ أواسط الستينات، وقد وصلتْ الإمارة النفطية يافعة برفقة والدتها الأرملة لزيارة شقيقها عشية حرب حزيران1967، ولم تتمكن من العودة إلى الضفة الغربية عقب سقوطها بقبضة الاحتلال الإسرائيلي.

توفي والدها عبد الكريم سنة 1964 وغادرت الصبية الصغيرة عطاف بلاطة بعد ثلاث سنوات على رحيله، في حين ظل شقيقها البكر مشرف يقيم مع عائلته في المخيم بجوار أسرة الأخت الكبرى سميحة، فيما أقام الشقيق الثالث شريف في ألمانيا منذ سنة 1963، رغم إبعاده عن برلين الغربية لفترة قصيرة أواسط الستينات بذريعة تأييد الناصرية، والتظاهر مع أبناء جيله من الشبان العرب تضامناً مع المشروع القومي العروبي للرئيس المصري جمال عبد الناصر، ولا زال حتى اليوم يقيم في برلين.

تقيم الشقيقة الوسطى لطفية مع أسرتها في الأردن منذ السبعينات، فيما أقامت الأخت الكبرى لبيبة مع زوجها في الكويت منذ 1954. أثناء مغادرته الكويت في طريقه إلى عمان عبر بغداد عقب حرب الخليج الثانية؛ وقف لطفي حزيناً بجوار والدته وزوجته وأفراد أسرته، للمرة الأخيرة، على قبر شقيقته الراحلة لبيبة (أم المنذر البرغوثي)، قبّل لآخر مرة شاهدة القبر، وقرأ الفاتحة على روحها الطاهرة، وقد كان حريصاً على زيارة قبرها بانتظام منذ رحيلها أواخر آب 1987.

غادر لطفي الكويت قسراً مع  آلاف الفلسطينيين في سياق  تهجير جديد استهدف جالية أقامت في الإمارة عقوداً، وساهمتْ في التعليم والصحة والتجارة والهندسة وتطوير وإعمار البلاد؛ وبدأتْ حملة التهجير على ضوء قيام الرئيس العراقي صدام حسين باجتياح الكويت في الثاني من آب 1990 ومساندة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لموقف رئيس العراق، واتسعتْ رقعة الحملة عقب قيام قوات التحالف الغربي بزعامة الولايات المتحدة بإخراج القوات العراقية واستعادة الكويت أواخر شباط 1991.

تزوج سامي من إبنة عمه عطاف أواسط تموز 1976، وغادرتُ شقته السكنية، وأقمتُ مع زملائي الطلبة، وانفصلتُ عن نقاشاته السياسية والفكرية التي كان يحاول محاصرتي بها دون جدوى. كنتُ أرغبُ أن يقدم لي خارطة العراق السياسية والاجتماعية والتاريخية وتشكيلة البلاد، والهويات الدينية والمذهبية، ويترك لي حرية اختيار أفكاري ورؤيتي التي أخذت منحى طبقياً في تفسير الظواهر وتحليلها؛ بتأثير واضح من أستاذ مادة الفلسفة في مدرسة الجاحظ الثانوية عبد اللطيف عقل؛ الذي امتلك براعة في بناء الفكرة الجديدة وهدم الفكرة المحافظة القديمة. اختلفتُ مع ابن عمتي حول التجربة الناصرية، البعث، فقر الشيعة وإقامتهم في أحياء مهملة واستغلالهم.. اختلفتُ معه في الرؤى والفلسفة، لكن لم أختلف معه على نقائه، وطيبته، وصدق انتمائه لفلسطين التي أحبها، وللعراق الذي عشقه ومنحه باقي عمره وجهده.

بلاد الجمر والنخيل..
يمتد العراق على مساحة قدرها 438 ألف كيلومتر مربع، ويتدفق بأراضيه نهري دجلة والفرات، ويقطع الأول 1400 كيلو متر في أرض العراق مخترقاً بغداد، فيما يقطع  الثاني 1160 كيلو متراً، ويلتقي النهران في مدينة القرنة على بُعد 375 كيلو متراً جنوب العاصمة. يتوحد دجلة والفرات تحت إسم شط العرب الذي تجري مياهه  190 كيلو متر قبل أن يصب النهر في الخليج العربي عند أطراف مدينة الفاو مخترقاً مدينة البصرة. تشكل بين النهرين العملاقين حضارة أسطورية ضربت في عمق التاريخ منذ السومرية والبابلية والكلدانية والآشورية.

تعتبر بلاد الرافدين أبرز موطن لشجرة النخيل في العالم، وبلغ عدد أشجار النخيل 30 مليون شجرة سنة 1980 معظمها على ضفاف شط العرب والاقليم الشرقي للعراق، وتنتج نحو 900 ألف طن من أجود التمور العالمية وتصدر إلى 30 دولة في بقاع الأرض. تراجع النخيل في العقد الأخير إلى 18 مليون شجرة بسبب الحروب، الحصار، هجرة المزارعين والاهمال وتدني المردود الاقتصادي للانتاج.

عاش العراق النفطي أوضاعاً اقتصادية مريحة بسبب وفرة ثرواته المختلفة، وقد وفر المناخ الاقتصادي السياسي المريح في حقبة السبعينات فرصاً كبيرة للعمل استقطبت بكثافة الأيدي العاملة المصرية، ووفر تسامحاً اجتماعياً دينياً بين المواطنين متعددي الأعراق والقوميات والديانات والطوائف والمذاهب، وظهر مستوى التسامح الديني بقيام المواطنين على اختلاف دياناتهم وطوائفهم بتأدية الشعائر والطقوس المختلفة بمعزل عن تدخل أجهزة الدولة، ونالتْ طوائف ومذاهب ديانات العراق الجمهوري من إسلامية، مسيحية، يهودية، مندائية، بهائية وايزيدية حرية في تأدية طقوس العبادات، وشهدت بلاد الرافدين كل ذلك قبل انهيار لوحة الفسيفساء العراقي عقب الاحتلال الاميركي مباشرة، وبدء حقبة المواجهة مع الغزاة، واقتتال المليشيات الطائفية والقومية والعرقية، وصعود دولة الخلافة الإسلامية "داعش"؛ مستهدفة تدمير صيغة التعايش والمواطنة في العراق الجمهوري القومي العلماني، الذي بات مهدداً بالتقسيم وفق خارطة جديدة مرتقبة للهويات القومية، الدينية، الطائفية، العرقية والإثنية! باسناد أعداء العراق.

وفر العراق تأميناً صحياً مجانياً لكل مواطنيه (12 مليون نسمة سنة 1977 وقد تضاعف العدد ثلاث مرات خلال أربعين سنة) وبالطبع أخذ  التأمين الصحي المجاني بالانهيار التدريجي خلال حصار بدأ سنة 1991 وانتهى بالاحتلال سنة 2003. أمّن العراق تعليماً مجانياً لكل طلبة الجامعات قاطبة، وقدم منحاً مالية شهرية لمؤيدي السلطة وأنصار البعث الحاكم، وكان يكفي أواسط السبعينات مبلغ مائتي دينار أردني طوال العام الدراسي ليعيش الطلبة المستقلون عن حزب السلطة الحاكم حياتهم العادية دون منحة حكومية. ظل التعليم الجامعي مجانياً لطلبة العراق والعرب رغم الحصار المشدد طوال أحد عشر عاماً وقد ترك آثاراً بالغة على موارده، لكن النظام لم يتراجع عن مجانية التعليم رغم الكلفة العالية التي تثقل خزينة الدولة.

كنتُ أتلقى المبلغ السنوي بقيمة مائتي دينار أردني من والدي العامل، وكان يكفي لتغطية مصاريف عادية لطالب يعيش حياة متوسطة، فقد كان الدينار الأردني بمستوى نظيره العراقي بسعر ثلاثة دولارات أميركية في حينه؛ قبل انهيار أسواق العراق وسعر صرف الدينار في حقبة الحصار الكولونيالي الغربي والنظام الرسمي العربي.

كانت الأسواق العراقية عامرة في حقبة السبعينات، وتوفر سلعاً  زهيدة الثمن للغالبية العظمى من أبناء الرافدين الذين يعيشون في جمهورية ترفع لواء الوحدة والحرية والاشتراكية.  للحقيقة المرة، لم يكن العراق اشتراكياً وفق شعاراته التي تبرق في كل زاوية، وبدا التركيب الطبقي واضحاً في التفاوت الكبير بين أحياء ثرية وأخرى معدمة في العاصمة وضواحيها، وتجلى التفاوت أمام بصري في ساحة كلية آداب جامعة بغداد بين طلبة أثرياء ومعدمين رغم الزي الطلابي موحد الالوان (قميص أبيض وبنطال رمادي وجاكيت كحلي) الملزمين جميعاً بارتدائه لدى دخول بوابات الجامعة تحت رقابة الحرس المدني، وتعليمات وزارة التعليم العالي التي فرضت لون الملابس على طلاب وطالبات الجامعات منذ مطلع السبعينات.

يُسجل للعراق الجمهوري أنه وفر تعليماً جامعياً مجانياً، ولولا فلسفة القيادة العراقية وقناعتها الحقيقية بمجانية التعليم الجامعي وتجنيبه شر التداول التجاري والتوظيف المباشر للثراء النخبوي الأكاديمي؛ لما تمكن ملايين الطلبة الفقراء في العراق والأقطار العربية، وبخاصة طلبة فلسطين، من تلقي تعليمهم الجامعي، وقد أعلن العراق الجمهوري عن تأميم جامعة المستنصرية الضخمة التي أقيمت بأموال القطاع الخاص وبغرض تجاري استثماري في بغداد.

يصعب غض النظر عن نظام سياسي "وفر" قبضة حديدية بموازاة توفيره التعليم الجامعي المجاني، وأقام نظاماً مركزياً تحت سلطة "السيد النائب" صدام حسين: كمّم الأفواه بالتدريج، واستحوذ على أجهزة "البعث" منذ الاستيلاء على الحكم أواسط تموز 1968.

وقع نائب رئيس الجمهورية صدام حسين اتفاقية الجزائر سنة 1975 مع نظام الشاه رضا بهلوي الإيراني، وعلى إثرها طُرد الخميني من مدينة النجف مكان إقامة المعارض الأبرز لنظام الشاه الذي انتقل للإقامة في باريس. عاد من فرنسا بعد أربع سنوات على إبعاده بطائرة خاصة عقب ثورة حطمت نظام طهران، وأعلنت انتصارها مطلع شباط 1979 ولاح في الأفق الاشتباك المرتقب بين بغداد وطهران عقب حملة اتهامات متبادلة وتحريض إعلامي واسع النطاق. وفقاً لاتفاقية الجزائر الموقعة قبل ثورة الخميني أغلق "السيد النائب" مكتب الجبهة الشعبية لتحرير ظفار (سلطنة عُمان) فيما هدأت احتجاجات الأكراد المدعومة إيرانياً في شمال العراق، وتقاسم صدام حسين والشاه النفوذ على شط العرب.

أزاح صدام حسين الرئيس أحمد حسن البكر سنة 1979 ووضعه قيد الإقامة الجبرية حتى رحيله سنة 1982، وأجرى حملة تطهير في صفوف البعث الحاكم، وحظر نشاطات الحزب الشيوعي العراقي، وزج بكوادره في معسكرات اعتقال، وأجبر معظم قادته على الفرار إلى الخارج، وعاد الحزب الشيوعي لنشاطه السري وانحاز إلى جبهة المعارضة بتعدد طبعاتها من اليمين المذهبي المتطرف إلى اليسار العلماني المعتدل.

ساهم العراق بتشكيل جبهة الصمود والتصدي العربية بمواجهة مشروع رئيس النظام المصري أنور السادات، وساند بقوة وحق، جبهة الرفض الفلسطينية (يسار منظمة التحرير) في مواجهة مشروع التسوية مع الكيان المغتصب، لكن مواقف النظام العروبية برفض التطبيع مع الكيان المحتل والتصدي للاعتراف به، لا تبرر ثقل القبضة الحديدية الداخلية، وتدمير قواعد العدالة، وحجب المشاركة الفعلية للمواطنين في الحياة السياسية بتشكيل الأحزاب خارج قوى السلطة، وإقامة برلمان ديمقراطي لضمان بناء مجتمع  مدني شفاف، يخضع للمحاسبة والمساءلة، وينزع نحو تبادل السلطة سلمياً.

دخل النظام العراقي خريف 1980، باستدراج أميركي، في حرب مع الثورة الإسلامية الإيرانية تواصلت ثماني سنوات استنزفت مقدرات العراق وإيران..! ثم اجتاح الكويت فجر 2 آب 1990، وتعرضتْ قطاعات من قواته للتدمير مطلع 1991 بالقذائف الأميركية أثناء الانسحاب من الكويت. تمكنت الولايات المتحدة بتحالف غربي وعربي من فرض حصار طويل على العراق إنتهى بالاحتلال الأميركي للعاصمة بغداد في التاسع من نيسان 2003. ظل الرئيس صدام حسين مطارداً حتى اعتقاله أواخر 2003 وتنفيذ حكم الإعدام به يوم 30 كانون أول 2006 بغطاء أميركي وتعليمات من البيت الأبيض رغم الغضب الذي اجتاح الشارع العربي، وجاء حكم الإعدام الغادر بحق الرئيس العراقي عقب استشهاد نجليه عدي وقصي أواسط تموز 2003 في عملية عسكرية ومطاردة متوحشة لقوات الاحتلال الأميركي.

واجهت المقاومة العراقية منذ اليوم الأول للاحتلال الأميركي قوات الغزو وواصلت مقاومتها، لكن العراق فقدَ  أمنه واستقراره بظهور مليشيات طائفية مسلحة بالكراهية واجهت بعضها، واضطر أبناء الجالية الفلسطينية  للفرار من العراق بسبب اعتداء قوات الاحتلال الأميركي، وبطش المليشيات الطائفية الدموية التي فتكتْ بهم بذريعة تحالف فصائل فلسطينية مع نظام البعث الحاكم، وبحجة أن الجالية المهجرة قسراً من وطنها المحتل تحظى برعاية واهتمام حكومة الرئيس صدام حسين..! أقام معظم الفارين من النار الطائفية السوداء في أربعة مخيمات أقيمت بالتدريج في المناطق العازلة بين الحدود العراقية والسورية والأردنية منذ صيف 2003: الرويشد، الوليد، الهول والتنف.

ظل اللاجئون الفلسطينيون حتى سنة 2010 يعانون أوضاعاً قاسية جداً بحرمانهم من الدخول طوال سبع سنوات إلى الأردن أو سورية أو أي من الدول العربية بذريعة أنهم لا يمتلكون وثائق سفر، حتى تمكنت منظمات الاغاثة الدولية من توفير تأشيرات ضمنت دخولهم إلى العديد من الدول الأجنبية، وبذلت جهداً من أجل نقلهم بالتدريج عبر مطاري عمان وبغداد إلى ثلاثين بلداً للشتات الجديد: تشيلي، البرازيل، ايسلندا، بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة، الدنمارك، هولندا، النرويج، السويد، ايطاليا، الهند وتايلاند، السودان وغيرها.. في مسيرة قهر جديدة مؤلمة ومحزنة بحراب الكولونيالية وأنظمة الاستبداد العربية..!

تراجع خطاب النقد بمواجهة السلطة الشمولية في العراق، وتجنبتْ الغالبية من المواطنين الاعتراض على غياب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وصندوق الانتخابات، وهدر ثروات البلاد في حروب جانبية، ورغم ذلك فإن قسوة أجهزة السلطة في حقبة صدام حسين لا تبيح على الإطلاق تبرير الغزو الأميركي لبلاد الرافدين بذريعة إقامة نظام "ديمقراطي"..! ذلك أن مهمة إطلاق الديمقراطية، وإشاعة الحريات، وعدالة توزيع الثروات، تقع على عاتق شعب جدير بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي: شعب حر يمتلك إرادة مطلقة في انتخاب قيادته السياسية، شعب عريق يستحق أن ينال عدالة اجتماعية في توزيع عائدات الثروات الهائلة للبلاد، شعب أسطوري أكبر من كل زعمائه وأعلى قامة من كل رؤسائه، وقد شهد بصبر صعود وإنهيار الأنظمة السياسية التي حكمته عبر التاريخ، وظل متماسكاً صلباً في مواجهة كل العواصف المدمرة التي طرقت بوابات البلاد، ولم ينكسر تحت أعتى المطارق وأشدها قسوة.

وقود الشتات..
 لم ينكسر سامي الكعبي، وصَمَدَ في هذه الحقبة القاسية من تاريخ العراق المضطرب، والمتناحر، والمهدد بحكم ثروته النفطية الهائلة، حتى أخذ  مصنع الزجاج الذي أقامه الأسير المحرر منتصف السبعينيات يذوي بالتدريج تحت بصره؛ كمؤشر خاص وذاتي على انهيار العراق تحت وطأة تحالف موضوعي لقبضة شمولية داخلية، وتوحش مؤامرة خارجية استهدفت تحطيم بلد مركزي تاريخي في منطقة الخليج العربي، وتفكيكه، ونهب نفطه، والاستيلاء على ثرواته، ومحاولة شطبه إلى الأبد من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وإعادة فرز الهويات الطائفية والمذهبية، وفتح باب التهجير القسري للمواطنين داخل العراق وخارجه، ودفع ما تبقى من لاجئين فلسطينيين للمغادرة.

أواسط كانون أول 2017، وقع الرئيس العراقي فؤاد معصوم على قانون جديد يحمل الرقم 76 لسنة 2017 وأصبح نافذاً عقب نشره في جريدة الوقائع العراقية الرسمية عدد 4466. يتعامل القانون الجديد مع اللاجئين الفلسطينيين باعتبارهم "أجانب"..! ويلغي الحقوق والامتيازات التي وفرها القانون رقم 202 في عهد الرئيس الشهيد صدام حسين الذي عامل اللاجئين الفلسطينيين بمساواة مع المواطنين العراقيين، وضمن لهم رزمة من الحقوق المدنية والاجتماعية: الوظائف الحكومية، التعليم، العلاج، التقاعد، الاعفاء الضريبي، المسكن المجاني، التنقل بوثائق سفر رسمية، واستثنت الرزمة الحقوق السياسية ومنح الجنسية.

هاجرت غالبية النواة الأولى للجالية الفلسطينية أواسط العام 1948 من قرى حيفا: عين غزال، أم الزينات، جبع، إجزم، الطيرة الطنطورة، وغادرت مع القوات العراقية التي انسحبت من المنطقة. تولت وزارة الدفاع العراقية الاشراف على شؤون اللاجئين، وتوفير المأوى، وتوزيع الطعام يومياً في أماكن سكنهم حتى سنة 1950. تم نقل مسؤولية الاشراف إلى وزارة الشؤون الاجتماعية؛ وقد جرى استثناء لاجئي العراق من خدمات الاونروا إثر تعهد بغداد بتوفير كل احتياجات اللاجئين المقيمين على أراضيها مقابل عدم مساهمة الحكومة بتمويل وكالة الغوث. تلقى اللاجئون مساعدات مالية بدلا من المساعدات العينية.

صدر قرار سنة 1973 بمعاملة الفلسطيني على قدر المساواة مع المواطن العراقي في جميع الحقوق المدنية والاجتماعية باستثناء الحقوق السياسية. تحسنت أوضاع اللاجئين طوال عشرين عاماً حتى بدء اشتداد الحصار على العراق. حظرت حكومة بغداد سنة 1993 على غير العراقيين بمزاولة النشاط الصناعي والتجاري، وشمل القرار كل الفلسطينيين المقيمين على أراضي العراق والمبعدين من الكويت. عدلت الحكومة قرارها سنة 2001 معلنة حق الفلسطيني المقيم بشكل دائم بنفس معاملة المواطن العراقي باستثناء حق الجنسية، لكن الغزو الأميركي للعراق سنة 2003 فتح الطريق لقررات طائفية وعنصرية استهدفت الجالية الفلسطينية وأجبرت الغالبية على الرحيل القسري.

 يتعارض القانون الجديد للرئيس فؤاد معصوم مع حقوق اللاجئين التي كفلتها الأعراف والمواثيق الدولية، وينتهك قواعد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان في معاملة اللاجئين. يضع القانون الجديد عراقيل كبيرة في حياة اللاجئين الفلسطينيين، ويدفع عملياً  بأربعة آلاف لاجئ فلسطيني للفرار الإجباري؛ ذلك أنهم المجموعة الأخيرة المتبقية من أربعين ألف لاجئ عاشوا بكرامة في العراق منذ نكبة فلسطين قبل سبعين سنة؛ وقبل أن تسقط بلاد النخيل بقبضة الاحتلال الأميركي، وتشهر المليشيات الدموية سيفها في وجه اللاجئين الضحايا؛ لتشردهم من جديد وتقتل منهم آلاف الأبرياء بدم بارد! وتستولي على منازلهم وعقاراتهم..!

وداعاً يا رفيق..
نهاية صيف 1979 أوصلني ابن عمتي إلى مطار بغداد في طريقي إلى الشارقة (الإمارات العربية المتحدة) وقد ساعدني وزوجته عطاف في الحصول على إقامة عمل في الإمارات. لم يخطر ببالي على الإطلاق أنه سيكون الوداع الأخير، ولن أشاهد سامي بعد ذلك على الإطلاق.

قضيتُ سنة في الشارقة عملتُ فيها محرراً في صحف ومجلات إماراتية، وقررتُ العودة إلى الوطن المحتل. لم أتمكن من مغادرة الضفة الغربية لسنوات طويلة بفعل أمر عسكري للاحتلال الإسرائيلي، في وقت  كان فيه سامي محاصراً مع أبناء الشعب العراقي عقب ثماني سنوات عِجاف من حرب صدام حسين مع إيران، تلاها اجتياح الكويت، وتدمير قوات العراق بالقوة العسكرية وتفكيك جيشه الباسل على طريق تقسيم العراق عبر تحالف عربي ودولي، ثم فرض الحصار على بلاد الرافدين بعد أن ضرب صدام حسين إسرائيل بالصواريخ.

خلال هذه الفترة العصيبة من تاريخ العراق، تراجع مصنع الزجاج الذي امتلكه الأسير المحرر سامي الكعبي وتحطمت تجارته، فيما قررتْ زوجته عطاف الانتقال للعيش في مدينة العقبة جنوب الأردن مع أولادها: يحيى، محمد، سعد، علي وإنصاف، قبل أن يشتد عود اليافعين ويقرر يحيى الهجرة إلى هولندا، ويغادر سعد للاقامة في المملكة العربية السعودية.

أقدم سامي على الزواج من إمرأة عراقية سنة 1987 وأنجب منها نور، سيف وعبد الله وبذل جهداً لجمع شمل العائلتين والحفاظ على أبنائه قبل أن يقرر الانفصال عن زوجته العراقية. ظل يتنقل بين بغداد والعقبة للاطمئنان على أفراد أسرته المشتتة في كلا البلديْن حتى وقع القدر: انقلبتْ شاحنته التجارية التي يعمل عليها سائقاً ظهيرة 24 شباط 2003 شمال العقبة أثناء عودته مرهقاً من عمله، وللأسف لقي حتفه قبل أن يتجاوز الستين من عمره، وشيّع إلى مثواه الأخير في مقبرة العقبة جنوبي الأردن، وقد طوى سنوات مكللة بكفاح صلب من أجل وطنه المحتل، وناضل ببسالة من أجل توفير حياة مستقرة لأفراد أسرته التي تشتتْ بين الأردن والعراق.. لكن الموج كان عالياً جداً، يرتفع فوق بحيرات نفط هائلة تستدرج طمع رأس المال، الصراع والحرب، التجييش والتدمير، "وبراعة" استخدام فقراء الشرق وقوداً لحروب طاحنة تفتك بالوطن العربي..!

إرتقى سامي الكعبي (أبو يحيى) قبل أن يستكمل الغزاة احتلال العراق بشهر ونصف، وقبل سقوط الفيحاء بقبضة المحتل الأميركي، وقبل انفجار قلبه من مشهد غزاة يستبيحون واحة النخيل ويحاصرون نجمة دجلة. رحل قبل أن يكتوي بنار التفجيرات العمياء والقتال الضاري الداخلي في أرض السواد، وتنكيل الميليشيات الطائفية بالجالية الفلسطينية، وقتل أبنائها، وإجبار الضحايا على الرحيل إلى  مخيمات أقيمت طوال سبع سنوات في الصحراء على الحدود بين العراق وسورية والأردن. غادر قبل أن يبصر الهاربين من نار المليشيات الدموية على حدود أقطار عربية مجاورة لا تسمح بعبورهم! غاب قبل أن يكون شاهداً على الجوع والعطش في مخيمات صحراوية أجبرت دولا أجنبية على الاستجابة لنداء الضمير بمنح الهاربين من حتفهم حق اللجوء الإنساني. ودّعَ  قبل الربيع العربي المغدور، وفشل المواطن العربي بوضع حد لنمط الحكم المهيمن والمتنفذ، رحل قبل تداخل عوامل ذاتية بأخرى موضوعية وتكتلها للإسهام بتمزيق العراق، سوريا، اليمن، ليبيا، السودان، الصومال.. وزيادة الشرخ بين الضفة المحتلة وغزة المحاصرة منذ الانقسام وصدام حركتي فتح وحماس، فيما شهدت الأنظمة العربية انقسامات حادة تهدد بتغييرات غير مسبوقة..! غاب فاضطر الأبناء إلى هجرة قسرية في الشتات؛ وزعتهم على المنفى بين مدن عربية وغربية بعيداً عن وطنهم المحتل.

طوبى للقامة العالية التي طاولتْ الشمس ونثرتْ شذى القيّم الإنسانية. سلاماً للأجنحة المغامرة التي لم يستقطبها سوى شغف التحليق المرتفع..! تحية لحكايات متمردة ثرية تبرق دوماً في نقاء سيرة مقاتل، وإكليل غار فوق ضريح رفيق يرقد طاهراً في منفى بعيد؛ لعل لحظة تأمل صادقة في مشوار كفاح قصير تستدعي سيرة كريم معطاء، قدم بسخاء دون زيف أو إدعاء.

* كاتب صحفي فلسطيني- رام الله. - bfeature2000@yahoo.com



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان


25 نيسان 2018   أطوار انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني - بقلم: د. أحمد جميل عزم


25 نيسان 2018   نظريات وأسئلة التحرر..! - بقلم: سري سمور

24 نيسان 2018   التساؤل السطحي عن الخطة..! - بقلم: عمر حلمي الغول

24 نيسان 2018   المجلس الوطني في مهب الخلافات..! - بقلم: معتصم حمادة



24 نيسان 2018   نحو أفضل انعقاد للمجلس الوطني الفلسطيني - بقلم: د. أحمد جميل عزم


24 نيسان 2018   التهافت السياسي عند أهل المعاصي..! - بقلم: عمر حلمي الغول

24 نيسان 2018   جلسة المجلس الوطني: رسالة للمشاركين..! - بقلم: حســـام الدجنــي

24 نيسان 2018   الإجراءات العقابية وصفقة ترامب والمصالحة..! - بقلم: هاني المصري


24 نيسان 2018   قتل البطش اخفاق ام انجاز..؟! - بقلم: خالد معالي








31 اّذار 2017   41 سنة على يوم الأرض: تماسك الفقراء - بقلم: بسام الكعبي





27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي




8 نيسان 2018   حنّون على أسلاك غزّة..! - بقلم: د. المتوكل طه

7 نيسان 2018   في أعالي المعركة..! - بقلم: فراس حج محمد

3 نيسان 2018   فوانيس سليم المضيئة..! - بقلم: عمر حلمي الغول


8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2018- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية