سحاب الدخان بغطي السماء... الأرض تلونت بالأسود... أما الشجر فلم يبقى منه سوى فروع أـكلتها النيران وحولتها لهياكل من الفحم... والهواء لم يعد صالحاً للتنفس.... أم الساحات فقد احتلها المحتلون وحظروا على الناس الحركة وذلك لحماية عصابات منفلتة من مستوطنتي "برخا"، و"يتسهار" المقامتان على أراضي القرية.
في صباح يوم الاثنين الموافق 26 تموز كانت قرية بورين على موعد جديد مع موجة من الهمجية التي لا تمت للحضارة بصلة. فقد داهمت مجموعات من المستوطنين بيوت القرية بالحجارة والسلاح، وذلك على خلفية تفكيك بركس للمستوطنين من قبل جيش الاحتلال، وذلك في إطار ما يسمى زوراً "تجميد الاستيطان". حيث أنه وبعد أن قام جيش الاحتلال بتفكيك مبنى بعيد عن مباني المستوطنة، التي لم يتوقف البناء فيها حتى اللحظة، قامت مجموعات من المستوطنين بمهاجمة بيوت بورين. في المرحلة الأولى من العدوان تم هدم جدران مبنى قيد الإنشاء، فيما تم الاعتداء على أصحاب البيت ومواطن آخر كان يعمل في البيت المستهدف. وفي حضرة جيش الاحتلال تم هدم أجزاء من البيت.
كالعادة تعامل جيش الاحتلال مع المستوطنين بلطف وهدوء، وتمكن من التوصل إلى تفاهم معهم للإبتعاد عن المكان، ولكن كالعادة لم يتم الخروج من المكان، بل انتقل المستوطنون جهة الغرب، حيث أشعلوا النيران في حقول الزيتون والجقول المزروعة بأنواع الأشجار المختلفة. وبعد أن أتت النيران على أجزاء كبيرة من حقول ومزارع المواطنين تحرك جيش الاحتلال، وحاول حماية المستوطنين من غضب المواطنين، الذين تحركوا للدفاع عن ممتلكاتهم، هذا في وقت كان المستوطنون مسلحون بأنواع الأسلحة، وأما الجيش فقد أطلق الرصاص باتجاه المواطنين.
بورين تحولت في ساعات النهار لساحة حرب، حيث وصل القرية عشرات الجنود، الذين لاحقوا المواطنين، وتعاملوا بلطف مع المستوطنين، حيث ساهم هذا الأسلوب بتمكين المستوطنين من إحراق مساحات كبيرة من أراضي المواطنين، حيث لم تسلم الأراضي الواقعة في محيط مستوطنة "براخا" من الحرائق، ويمكن القول أن نسبة الأراضي التي أحرقت زادت على 80% من المساحة المحيطة بمستوطنة "براخا". ولم تتوقف الحرائق في أراضي بورين، بل وصلت أراضي كفر قليل، فقد كان المستوطنون يحرقون المزروعات أمام أعين جنود الاحتلال المرابطين على حاجز حوارة.
بعد انتصاف النهار انهتى المستوطنون من إحراق أراضي المواطنين في محيط "براخا"، في حين تولى جيش الاحتلال وحرس الحدود مسؤولية طرد السكان من أراضيهم. وفي هذا الوقت بالذات، اعتدى جنود الاحتلال على عدد من المتطوعين، الذين تواجدوا في المكان، وذلك بعد أن رفض المستوطنون مغادرة المكان. حيث اعتقل الجنود وأفراد حرس الحدود ثلاثة متطوعين، وقاموا بجرهم وسحلهم على الأرض، وتوجيه الشتائم لهم.
البعض اعتقد أن الأمر انتهى عند هذا الحد، حيث غادر الأهالي إلى بيوتهم مرهقين، فيما غادر الصحفيون المكان بعد يوم شاق من العمل. ولم يكد الأهالي الوصول إلى منازلهم حتى هاجمت مجموعة من المستوطنين أراضي القرية من الجهة المقابلة، حيث انتشرالمستوطنون في الشارع المؤدي لمستوطنة "يتسهار"، وبعد وقت قصير بدأت هذه المجموعات من المستوطنين إشعال النيران في الأراضي المحيطة بالمنطقة. حيث أحرق المستوطنون مساحات إضافية، هذا في حين تأخر الاحتلال بإرسال قوات الجيش والشرطة للموقع، الأمر الذي مكن المستوطنين من تنفيذ المزيد من الجرائم.
أهالي القرية حزموا أمرهم، وانتشروا بسرعة صوب النيران على أمل وقفها، ومنع انتشارها، عندها وصل جيش الاحتلال، ومنع الأهالي من الوصول للأراضي التي اندلعت فيها النيران. وقد أتت النيران على مساحات من أراضي المواطنين..!!
وأكد أحد المواطنين القاطنين في الجهة الشمالية من القرية، بأن ألسنة النيران ارتفعت في سماء لقرية، ولهيبها كان يشاهد من مسافة بعيدة جداً. في هذه الأثناء دفع جيش الاحتلال المستوطنين باتجاه مستوطنة "يتسهار"، وسمح للدفاع المدني بإخماد النيران، ولكن تعدد المواقع التي اشتعلت فيها النيران كان عائقاً أمام فرق الدفاع المدني، التي لم تتوقف عن العمل طوال ساعات النهار.
السؤال هل انتهى الأمر إلى هذا الحد؟ الجواب بالنفي، فقد اتجه المستوطنون شرقاً باتجاه أراضي أهالي حوارة، والأراضي الجنوبية الشرقية لقرية بورين، حيث عادوا وأشعلوا النار من جديد، هذا فيما لم يتمكن أحد من أهالي القرية من الوصول للحريق.
أهالي بورين يدفعون ثمناً باهظاً في كل مرة يقوم به الاحتلال بإجراء ضد المستوطنين، فعليهم في كل عام أن يقدموا من أشجارهم حطباً لنيران تشتعل في قلوب الناس، قبل أن تشتعل في الأشجار والحقول. والسؤال الذي يطرحه كل مواطن في القرى المحيطة ببؤر التطرف في المستوطنات، إلى متى يستمر هذا الحال؟!