قبل سنتين من الآن، كان مساعد شرطة محمد العمري يتسمر في مكانه إذا مر مسلح أمامه في أحد شوارع نابلس، المدينة التي عصف فيها الفلتان، دون أن يكون قادرا على فعل شيء، أو حتى دون أن ينبس بكلمة واحدة.
لكن هذا الشاب (28عاما)، المدفوع بقوة هيبة القانون سيحرك ساكنا، لو خرجت أمامه الآن 'ذبابة' عن خط سيرها الصحيح وتجاوزت القانون المعمول به.
ويقول بكل ثقة بينما كان يجلس بين أربعة من الضباط أعلى منه رتبة في مركز شرطة رئيس في المدينة إنه 'يطبق القانون الآن وحسب'.
اختفت المظاهر المسلحة من نابلس كبرى المدن الفلسطينية، وكذلك اختفت المركبات غير القانونية، فقد وضعت المجموعات غير المنضبطة أسلحتها جانبا منذ أعلنت السلطة الوطنية نيتها محاربة مظاهر الفلتان التي عصفت بالمجتمع الفلسطيني حتى أنهكته.
والعمري مثل غيره من أفراد الشرطة يحس الآن بأنه يتجلل بتلك الهيبة التي من المفترض أن يتمتع بها الأفراد المكلفون بتنفيذ القانون.
كانت الأراضي الفلسطينية حتى نهاية عام 2007 مراحا رحبا للجماعات المسلحة التي أخذت تطبق قانونا خاصا بها، وكان عمل جهاز الشرطة آنذاك محدودا، وفي بعض الحالات معدوما.
قتل في أتون تلك الفوضى فلسطينيون، وكادت مكونات الاقتصاد في بلد مثل نابلس أن تنهار وأصيبت مبادئ حقوق الفرد من أطراف عديدة، وأصبحت مهمة حمايته صعبة.
'في زمن الفلتان مرت علينا حوادث كثيرة لم نقدر أن نعمل شيء لمجابهتها. اليوم لا يستطيع سائق لا يحمل رخصة سياقة الخروج إلى الشارع'. قال الشرطي العمري الذي كان يتحدث بكل ثقة عن كونه شرطيا ينفذ القانون بحذافيره.
أكثر حالات الأسى للعمري كانت عندما كانت تتعرض أحيانا بعض المقرات الشرطية للهجوم من قبل خارجين على القانون.
لكن هناك ثمة سؤال يمكن أن يطرح الآن بعد نحو سنتين من استعادة الشرطة الفلسطينية لهيبتها التي تآكلت خلال سنوات الفلتان: إلي أي مدى يلتزم جهاز الشرطة بتطبيق القوانين الخاصة بحقوق الإنسان؟
ثمة جهات رسمية وأخرى رقابية ومستقلة أظهرت إجابات متقاربة على هذا السؤال رغم ملاحظات أبدتها في هذا السياق.
وقال الناطق الرسمي باسم الأجهزة الأمنية الفلسطينية اللواء عدنان الضميري، لـ'وفا' إن جهاز الشرطة يعمل في إطار القانون.
'لأنه جزء من الضابطة العدلية فإنه ملتصق بالقانون التصاق كبير، لذلك هو يعمل مع مؤسسات حقوق الإنسان من أجل تدريب أفراده وضباطه'. أضاف الضميري الذي أكد غير مرة أن أبواب مراكز الشرطة مفتوحة على مصراعيها لكل باحث وقانوني ورجل إعلام.
لكن رغم الشهادات الكبيرة التي أدلت بها مؤسسات محلية ودولية حيال احترام جهاز الشرطة لمدونات قواعد السلوك في باب حقوق الإنسان، إلا أن هناك ثمة ملاحظات فردية على تصرفات رجال الشرطة.
وقال مسؤول كبير في الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان وهي إحدى الجهات الرقابية على عمل الأجهزة الأمنية، إن جهاز الشرطة يقوم بعمله بشكل جيد، وإن هناك نقله نوعية في عمله من حيث السلوك واللباس والتعامل.
وقال مدير برنامج الضفة الغربية في الهيئة موسى أبو دهيم إنه منذ سنتين أصبحت الشرطة المدنية ' تلتزم بشكل تام في تنفيذ القوانين والالتزام بتطبيقها رغم كل الصعوبات التي تواجهها.
ولا يخفي الرجل أنه في المرحلة السابقة كان هناك 'تأخير في هذا الاتجاه'.
وقال: 'الآن هناك بعض التجاوزات الفردية التي يتم معالجتها من قبل جهاز الشرطة'.
وحسب الهيئة المستقلة فإن هناك عدد من الشكاوى ترد ضد أفراد جهاز الشرطة المدنية.
وقال أبو دهيم 'نخاطب الجهاز بخصوص هذه الشكاوى وغالبيتها يتم علاجها في الشرطة'.
وهناك عدد قد يقترب من 350 محكمة ولجنة تأديبية لخروقات ارتكبها أفراد في جهاز الشرطة كما يقول الضميري الذي يؤكد أن هناك عملية مراقبة ومتابعة دائمة في هذا السياق، عبر مستويات مختلف من المحاسبة التي تتضمن محاكم ولجان تأديبية تتراوح قراراتها بين حسم الراتب وتنزيل الرتبة وحتى الطرد من سلك الشرطة.
وتخضع الشرطة إلى أربعة مستويات رقابية داخلية فلسطينية إضافة إلى رقابة المنظمات الدولية مثل الصليب الأحمر.
ويخضع رجال الشرطة لدورات تدريبية مختلفة حول موضوع حقوق الإنسان، مثلما خضع العمري الذي يضطر بشكل يومي للاحتكاك مع المارة الذي يبدون له بأمزجة مختلفة.
لكن هذا الشاب الذي يظهر في مركز شرطة نابلس بكامل زيه الشرطي الكامل، لم يقرأ مدونة لقواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون التي اعتمدت ونشرت بموجب قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1979.
وقال "أنا اعرف مضمون وروح هذه المدونة. نحن نحترم حقوق الإنسان ونطبق القانون على الجميع. لا يوجد س، أو، ص، أو ع".
كان العمري تلقى هو وزملاء له دورة في حقوق الإنسان.
وهو عندما يحرر مخالفة لمخالف للقانون في أحد شوارع نابلس، يقول إنه يضع القانون نصب عينيه، لذلك طوال سنين عمله لم يذهب إلى المحكمة بخصوص أي مخالفة حررت وشابها بعض الشك.
وأحيانا يمكن سماع شكاوى عشوائية ضد أفراد رجال الشرطة خاصة من قبل سائقي مركبات العمومي، ويمكن سماع بعض الشكاوى بسبب سوء تصرف بعض رجال الشرطة مع المواطن العادي.
هذا العام أنشأت الشرطة الفلسطينية دائرة أطلقت عليها دائرة المظالم وحقوق الإنسان، بدأ العمل بها قبل شهرين، وهي دائرة استحدثت لاستقبال شكاوى المواطنين التي لا يذهبون بها إلى المحكمة.
وقال الرائد ردينة بني عودة مدير الدائرة "نحن نبنى جهاز شرطة عصري. القانون الفلسطيني الأساسي كفل للمواطن حقوقه في علاقته مع جهاز الشرطة في أي مرحلة من مراحل التعامل معه".
ومنذ تم العمل في الدائرة آب الماضي استقبلت شكاوى عديدة مختلفة من المواطنين ضد أفراد الشرطة. وقال الرائد بني عودة إنه تم متابعة الشكاوى ورفع التوصيات اللازمة بخصوصها.
ولكن ما الذي جعل جهاز الشرطة الفلسطينية يقفز إلى هذا الحد من المهنية خلال فترة زمنية وشيكة كما وصفته غير مؤسسة؟
وربما يمكن تحليل الأمر، على أن ذلك يكمن في عين التحول في أداء الشرطة بين (سنوات الفلتان وسنوات التأسيس للدولة).
في مركز شرطة نابلس يمكن تلمس التغييرات الكبيرة التي جرت ليس على مستوى التنظيم والترتيب الهيكلي للمكاتب وإنما على ديناميكية الحركة بين ردهات المركز وباحاته.
في غرفة العلاقات العامة يجلس 3 ضباط ذكور وضابط أنثى يتابعون علمهم بكل هدوء، يتلقى الضابط وهو برتبة رائد اتصالات متتالية من قبل ضباط آخرين، ويشير بانضباط شديد إلى الطرف الآخر بإتمام مهمة ما على أكمل وجه، وبين الفينة والأخرى يطلق نصف ابتسامه تنم عن رضا ما.
لكن في هذه الغرفة المطلية بألوان فاتحة التي يجلس فيها موظفو العلاقات العامة، تظهر نماذج إدارية ملزمة للتطبيق وخاضعة للرقابة على تطبيقها تشي بوجوب تطبيقها كما قالت الضابط التي تنكب على جهاز كمبيوتر لمتابعة الملفات الإدارية.
انه مشهد أبعد ما يكون عن العشوائية عندما ينظر إليه زائر من خارج تشكيلات الشرطة.
وقال نائب مدير العلاقات العامة في شرطة نابلس الرائد عاطف كتانة: "هناك ثقة متزايدة من المواطن بالشرطة. نحن نعتمد على المهنية والمنهاج العلمي في العمل'.
وقفزت الشرطة الفلسطينية عن دورها التقليدي الذي يمكن أن ينظر إليها من خلاله على هيئة رجل أمن بلباس أزرق يقود متهم إلى محكمة أو يفض نزاعا أو يخلي شارع مغلق من مركبات مخالفات، إلى دور تركز بشكل كبير في الانخراط الحياة الاجتماعية.
في مختلف أنحاء الضفة الغربية أمكن فقط منذ أسابيع قليلة مشاهدة رجال الشرطة يتسلقون أشجار الزيتون في الحقول لمساعدة الفلاحين في هذا الموسم.
وقال ضباط شرطة في الغرفة ذات الألوان الزاهية في نابلس وقد انفرجت شفتاه عن ابتسامه عريضة "هناك دول منذ عقود قائمة طلبت الاستفادة من بعض تجارب الشرطة الفلسطينية الأخيرة. هذا فخر. هذا إنجاز كبير لنا".