حتى أفقر الفقراء لديهم بيت يسترهم، سقف يحميهم من البرد والحر، لكن في حالة عائلة منير سليمان من قرية عوريف، غاب البيت تماما، وحل محل السقف السماء على رحابتها، ومكان الغرف خيمتان وعدة أشجار زيتون.
منذ ثمانية شهور وعائلة سليمان المكونة من ثمانية أفراد، تعيش في العراء بعد أن عجز الأب عن دفع أجرة المنزل الذي كان يسكنه، والتي لا تتجاوز قيمة إيجاره 200 شيكل.
الفقر والاستيطان، كلاهما سنّ سكينه في لحم العائلة، الفقر الذي وضع بصمته على كل شيء بدءاً من مظهر الأطفال الستة وملابسهم، وليس انتهاء بما يقتاتون عليه من خضار أقل من توصف به أنها "لا تصلح للاستهلاك البشري"، فالأب منذ عام تقريبا شحّ مصدر رزقه، ولم يعد عمله في تصليح "ماتورات" الماكينات الزراعية يعود عليه سوى ببضع شواكل لا تكفي ثمن "ربطة خبز" وهي أقل من حاجة العائلة اليومية.
أما الاستيطان فحدث ولا حرج، فالأب الذي وضع كل مدخراته و"تحويشة العمر" ثمن أرض بدأ يبني عليها بيتا لا تتجاوز مساحته الـ (80) متراً، يُفجع كل مرة بهجوم المستوطنين وتدمير ما بناه.
ثلاث مرات هجم مستوطنو "يتسهار" على البيت الذي يقع في طرف البلد الشرقي أي في طريقهم التي اعتادوا على العربدة وترويع أهل القرية فيها، كان آخر هذه الاعتداءات في نيسان الماضي.
مثل كل مرة، تماماً، قام المستوطنون وهم في طريقهم لاحراق أشجار زيتون البلدة، بهدم جدران البيت وأعمدته، ليبدأ سليمان في كل مرة عمله من نقطة الصفر.
يقول الأب "اليوم لا أملك المال لأعيل أطفالي وأطعامهم أو لأعيد بناء ما هدمه المستوطنون من بيتي، مرتان وأنا أعيد بناء الجدارن والأعمدة وأستعد لسقف البيت ليأتوا ويهدموا كل شيء بلمح البصر".
أما الأم والأطفال فمظهرهم يخبر عن حالهم، أكبرهم الطفلة ياسمين عشر سنوات كانت تحاول تبديل ملابسها خلف شجرة زيتون تبعثرت على أغصانها ملابس قذرة، عبثاً حاولت مدارة جسدها خجلاً وهي تبدل بعض ملابسها.
أما "راني" توأم ياسمين، الذي بدا العبوس على وجهه، فهو حائر حيث لا يستطيع الذهاب الى المدرسة بعد أن أنذرته المعلمة بعدم القدوم إلا ومعه الرسوم.
والامر لا يختلف مع شقيقته "سلسبيل" البالغة ست سنوات، التي ظلت تذهب نحو شهر كامل الى المدرسة دون مريول أو حقيبة كتب، لكن عطف إحدى الجارات أنقذها وشقيقتها الكبرى من الحرج بين تلاميذ الصف الاول، حيث تبرعت لهم بالمراييل والحقائب.
الطفل الأصغر "هادي" أربع سنوات كان بالكاد يلبس ما يستر جسمه وهو يلعب متنقلاً بين الخيمة الصغيرة المهترئة التي أعدها والداه وبين الخيمة الكبيرة التي تبرعت بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي عندما زارت العائلة قبل ثلاثة أسابيع.
وللطفل "سلام" أربع سنوات نصيبه من المعاناة، حيث يعاني من فيروس في عينيه، لم يشف منه بسبب تواجده الدائم بين الأتربة والغبار، وفي زاوية الخيمة الصغيرة تكومت بعض علب الدواء التي حصل عليها الأب مجانا من طبيب عيون رفض أخذ المال مقابل العلاج والدواء بعد ان اطلع على وضع العائلة.
أما أصغر الأطفال "محمد" الذي لم يكمل شهره الخامس بعد، فوسط فوضى الفقر والحاجة، له قصته الصغيرة أيضا، حيث لم تستلم عائلته شهادة ميلاده إلا قبل أيام فقط، حيث كان المستشفى الذي ولد فيه يحتجز شهادة ميلاده وهوية أمه لأن العائلة لا تملك دفع رسوم الولادة فيها.
الأم التي انشغلت بتوضيب بعض الملابس وأغراض المطبخ تحت شجرة زيتون، بدأت تسرد معاناتها وخوفها من فصل الشتاء المقبل، وتقول "طوال ثمانية أشهر ونحن ننتظر الفرج، لكن لا أحد يهتم بنا، والشتاء على الأبواب ماذا سنفعل حينها؟!".
تقوم الأم بطلب الماء من الجيران، لتعد الطعام أو تغسل الملابس، بينما قامت بوضع ستارة على إحدى أشجار الزيتون لتكون مكاناً للاستحمام!!.
ينشغل الأب بإخراج أكثر من كتاب رسمي من جيوبه، جميعها مختومة وموقعة من المجلس المحلي لعوريف، بعضها موجه إلى لجان الزكاة، والآخر إلى محافظ نابلس، وكتاب ثالث إلى الشؤون، ويردد الرجل بيأس "لم يساعدني أحد، ولا يوجد لديّ واسطة لكي يسمعني المسؤولون".
ويستدرك قائلاً "الجهة الوحيدة التي ساعدتني هي الصليب الأحمر حيث قدمت لي خيمة، ومواد غذائية وفراشاً، لكن هذه المواد لن تكفي عائلتي أكثر من أسبوع".
وعند التوجه إلى مجلس محلي عوريف والؤال عن سبب ما آلت هذه العائلة الى العراء؟ أجاب رئيس المجلس فوزي شحادة "لم يلجأ لنا سليمان بخصوص مشكلته مع المؤجر وإلا لكنا تدخلنا لحل الموضوع".
ويقول "أنا أتعاطف مع هذه العائلة، وهي تسكن عوريف منذ سبع سنوات، ومنذ خمس سنوات والأب يحاول أن يبني البيت، أذكر أنه كلما كان يجمع من عمله في تصليح "ماتورات الماكينات الزراعية" مئة شيكل كان يشتري بنصفها طوباً للبناء".
وحول سبل مساعدته حاليا قال "المجلس لا يملك المال لإعطائه للعائلة للعيش أو لإكمال بناء بيتهم، وكل ما يستطيعه المجلس هو تزويد رب العائلة بكتب موقعة ومختومة من المجلس موجهة لمحافظ نابلس، ولجنة الزكاة، ووزارة الشؤون الاجتماعية تثبت أن العائلة بحاجة ماسة للمساعدة، وأن بيتها قيد الإنشاء تعرض للتدمير ثلاث مرات على أيدي المستوطنين".
وقال "نحن متعاطفون معه، لكن للأسف لا نملك شيئاً لمساعدته"، مؤكداً "أن فكرة فتح باب التبرعات على مستوى القرية للعائلة ليس من اختصاص المجلس".