حرب على لقمة العيش، رجال ونساء لم يفقدوا أعناقهم في الإنقسام بين "فتح" و"حماس"، لكنهم فقدوا أرزاقهم، وجرى إقصائهم عن وظائفهم على خلفية الإنتماء السياسي.
الإقصاء الوظيفي أو الفصل التعسفي بدأ بالظهور علنا منذ سيطرة حماس على قطاع غزة منتصف عام 2007، حيث جرى إقصاء الآلاف عن وظائفهم في الضفة والقطاع، الأسباب بالتأكيد لا تعود للكفاءة أو التحصيل العلمي بل للإنتماء السياسي وتوصية الأجهزة الأمنية المعتمدة عند "فتح" و"حماس".
خبراء حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية باتوا يحذورن من "أن المنبوذون وظيفيا سيتحولون الى قنابل إجتماعية موقوته، تزيد من الإحتقان الإجتماعي لمن وجدوا أنفسهم في الزاوية".
حركة "حماس" مارست الإقصاء الوظيفي بعد سيطرتها على قطاع غزة مباشرة، ووصل الأمر الى ذروته أثناء الإضراب الذي دعت إليه نقابة المعلمين والمهن الطبية، حيث تم إقصاء أكثر من 6500 موظف دفعة واحدة، جراء إلتزامهم بالإضراب فقامت "حماس" بإستبدالهم بموظفين بعقود شهرية.
أما في الضفة الغربية فوتيرة الإقصاء الوظيفي أقل، وتأخذ شكلا آخر، فبينما يندر إقصاء الموظفين العاملين منذ سنوات في القطاع العام، قامت السلطة بتمرير الإقصاء الوظيفي على خلفية الإنتماء السياسي تحت يافطة المسح الأمني أو مسح السلامة العامة الذي تقوم به الأجهزة الامنية، كان هذا الإجراء بمثابة "مصيدة" لجميع المرشحين الجدد للوظائف العمومية حيث يجري فرزهم على أساس الإنتماء السياسي.
معطيات الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان"ديوان المظالم" تشير الى تلقيها (427) شكوى فصل تعسفي في الضفة الغربية على مدار عامين 2008 والأشهر الماضية من عام 2009.
أما حركة "حماس" على لسان أمين سر المجلس التشريعي الدكتور محمود الرمحي، فتفيد "أن عدد الذين تم إقصائهم عن وظائفهم في الضفة الغربية منذ أحداث غزة 2007 وحتى شهر آب 2009 فبلغ (850) موظفا".
لكن مدير مكتب الإعلام الحكومي الدكتور غسان الخطيب نفى بشكل قاطع "قيام السلطة الوطنية بسياسة إقصاء وظيفي على إعتبارات سياسية وفئوية، مؤكدا "أن الدليل على ذلك وجود آلاف الموظفين في مختلف مؤسسات السلطة يمثلون مختلف الأطياف السياسية بما فيها حركة حماس".
"تشييك" أمني..
المعلم طلحة العبد (25 عاما) كان يراجع مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان برام الله، لرفع قضية ضد وزارة التربية والتعليم، وكان يحمل ملفا فيه عشرات الأوراق التي تثبت عمله لمدة عام ونصف في جهاز التربية والتعليم.
بدا العبد مصدوما وحزينا، وقال بغضب "لقد تم تعييني زمن حكومة الدكتور سلام فيّاض، لكنهم طردوني".
ويلوح يائسا بكتاب فصله قائلا: "لقد تعرضت لوشاية عند أحد الأجهزة الامنية تسببت بفصلي"، ويقول: "عُرض علي بشكل غير مباشر ان أعمل معهم أي الأجهزة الأمنية مندوبا مقابل بقائي في عملي وعندما رفضت أوصوا بطردي".
وينص كتاب الفصل من العمل الذي يحمله المئات مثل العبد على التالي "نظرا لعدم موافقة الجهات المختصة على تعيينك/ تنسيبك، يرجى تسليم ما بعهدتك والتوقف عن العمل".
"الجهات المختصة" تشير حسب تفسير الحقوقيين والمحامين والمفصولين عن عملهم الى جهازي الأمن الوقائي والمخابرات، حيث يتولون المسح الامني لجميع المتقدمين للوظائف العامة.
ويقول مسؤول كبير في احد الوزارات الحيوية رفض الكشف عن اسمه "بعد إنقلاب حماس في غزة، أوعز مجلس الوزارء الى ديوان الموظفين بإشتراط التشييك الأمني على كل من يتقدم لوظيفة حكومية".
ويقول الخطيب "إذا كان هناك لجنة امنية فهذا يعود لأن السلطة لها إعتبارات أمنية أثناء عملية التوظيف مثل أي حكومة في العالم، والمسح الأمني ليس إجراءا جديدا وإنما كان موجود دائما".
ويرد الرمحي على ذلك قائلا: "المتعارف عليه فلسطينيا أن الهدف من المسح الامني هو غربلة العملاء والمتعاونين مع إسرائيل، لكن منذ أحداث غزة 2007 أصبح الهدف هو غربلة أنصار حماس وإقصائهم عن الوظائف بسبب توجههم السياسي".
ويؤكد الخطيب: "إذا كان هناك من يقوم بالإقصاء السياسي تحت يافطة المسح الامني، فإن ذلك مرفوض و ضد سياسة السلطة، ويمكن للمتضرر اللجوء للقضاء لإنصافه وذلك بعد أن يثبت أنه تعرض لإقصاء وظيفي بناء على إنتماءه السياسي".
وحاليا تتجاوز القضايا المنظورة في محكمة العدل العليا برام الله أكثر من (350) قضية فصل تعسفي أو إقصاء وظيفي ضد وزارات السلطة الوطنية، حيث لم يتم البت في أي منها حتى اليوم.
بينما عزف المفصولون في قطاع غزة عن الذهاب الى المحاكم لأسباب تعود الى أن غالبيتهم إلتزمت بإضراب أخذ أوامره من رام الله وبالتالي حسب حماس "الموظف هو المستنكف عن العمل"، أما الذين لم يضربوا من الأساس وتم فصلهم فلسان حالهم يقول: "إذا كان غريمك القاضي تشكي لمين".
التوظيف بقرار من الأجهزة الأمنية..
يعتبر محامي مركز القدس بسام كراجة أن تدخل الأجهزة الامنية في قرار التوظيف غير قانوني مؤكدا "أن القانون الأساسي وقوانين جهازي الامن الوقائي والمخابرات لا تمنحهما صلاحية التدخل في شؤون التوظيف".
وقال: "إعتبار مجلس الوزراء في إحد إجتماعاته عام 2007 الإعتماد على المسح الامني في قرار التعيين، يعتبر إستحداثا على القانون غير وارد سواء في القانون الأساسي أو قانون الخدمة المدنية".
ويرد الخطيب على ذلك "هذا أمر يؤخذ بعين الإعتبار ولا يشترط وضعه بالقانون بل يكون ضمن اللوائح والأنظمة المعمول بها، وهذا موجود في أي بلد في العالم".
ويقول عصام العاروري مدير مركز القدس "وجود سطوة من قبل الأجهزة الأمنية على قرارت التعيين سيخلق مجتمعا بوليسيا، سيتحول المنبوذون وظيفيا فيه الى قنابل إجتماعية موقوتة، وهذا الإحتقان الإجتماعي خطير على المجتمع ومفهوم المواطنة والوضع السياسي بشكل عام".
تناقض الأجهزة الأمنية..
لكن ماذا يحدث عندما لا يتفق الجهازان "الأمن الوقائي والمخابرات" على توصية واحدة بحق الشخص، بكل بساطة يفصل من العمل، وأحيانا يُعاد تعديل التوصية من الرفض الى الإيجاب بعد تدخل "أهل الخير" لكن ريثما يحدث ذلك سيكون الشخص فُصل من عمله ومن الإستحالة ان يسترجع فرصته ثانية.
ويقول رئيس إتحاد نقابات المهن الطبية أسامة النجار "يحدث أحيانا تناقض بين الجهازين الأمنيين، أحدهما يرفض والأخر يقبل، ولحل هذه المشكلة هناك لجنة في مجلس رئاسة الوزراء مشكلة منذ شهور تحت عنوان "اللجنة الامنية" مهمتها الفصل بحال وجود تعارض بين الجهازين".
وقال: "عندما تم إقصاء (63) موظفا في قطاع التعليم في الضفة الغربية، قمنا بالإجتماع مع الاجهزة الامنية، ولم يبق منهم مفصولا سوى (35 موظفا) هؤلاء رفضتهم الأجهزة الامنية بشكل مطلق، إضافة الى (20 موظفا) أخر من قطاع الصحة بسبب قيامهم بأنشطة لحماس داخل مؤسساتهم".
لكن الوكيل المساعد في وزارة التربية والتعليم جهاد زكارنة "ينفي بشكل قاطع ان تكون وزارة التربية والتعليم قد فصلت أي موظف معين لديها حسب الاصول، لافتا الى أن "من تم فصلهم هم من غير المثبتين أي الخاضعين لفترة التجربة ومدتها عام واحد حسب قانون الخدمة المدنية".
ويؤكد: "في كل الأحوال لا يوجد أي علاقة ما بين وزارة التربية والتعليم والأجهزة الامنية، و نقوم بمخاطبة الموظف بناء على كتاب يردنا من الديوان العام للموظفين".
ويعلق المحامي عبد الكريم فرّاح من الخليل الذي يتولى مكتبه الدفاع عن مئة موظف مفصول تعسفيا: "هناك من تم فصلهم من وزارة التربية والتعليم بعد أن امضوا عامين"، مضيفا "إن كتاب فصلهم لا يتذرع بأسباب مهنية خاصة بأدائهم بالوزارة لكن الموضوع من الأول للأخير بيد الأجهزة الأمنية على خلفية إنتمائاتهم السياسية".
غزة فصل بالآلاف وتحميس للمؤسسات..
عمليات "تحميس" واسعة شهدتها ولا زالت المؤسسات العامة والاهلية في قطاع غزة، على سبيل المثال جميع مدراء المدارس والأذنة على حد سواء محسوبون على حماس، وحتى عندما عاد نحو (2000) من المدراء والمعلمين لاحقا بعد الإضراب جرى نقلهم تعسفيا من أماكنهم وتمت معاملتهم "بإهانة وإذلال" كما يؤكد الوكيل المساعد في وزارة التربية والتعليم زكارنة.
أما بالنسبة للمستشفيات فجميع مدراء مستشفيات غزة الـ ( 17) الكبيرة والصغيرة والمدراء ورؤساء الأقسام حمساويين، بعد إقصاء وظيفي للمئات من العاملين.
ما كان يحتاج الى مماحكات ومسح أمني طويل النفس أصابته "حماس" بضربة واحدة ليست من فعلها، بل بفعل الإضراب.
تتذرع "حماس" بأنها لم تقم بإقصاء آلاف الموظفين، وإنما هم من إختاروا الإضراب، وخوفا من تجميد الحياة في غزة لجأت الى تشغيل بديل عنهم، لكن ومع ذلك هناك من طردتهم وأصرت على الإستئثار بمؤسسات كاملة، مثل ما فعلت على سبيل المثال بجمع الشفاء الطبي أكبر مجمع طبي في الأراضي الفلسطينية، حيث "طيّرت" المسؤولين هناك سواء الذين أضربوا والذين لم يضربوا تمسكا بوظائفهم.
يقول الطبيب جمعة السقا الذي عمل مديرا للعلاقات العامة ونائبا لمدير مستشفى الشفاء على مدار (21 عاما) "لم أقم بالإضراب، فأرسل لي وزير الصحة ورقة صغيرة تأمرني بإخلاء المكتب، وعندما لم أمتثل أرسل القوة التنفيذ لتخرجني بالقوة، وبعدها أعتقلوني من بيتي في الواحدة صباحا، وتكرر إعتقالي خمس مرات".
إنتهى مسلسل معاناة الطبيب السقا بفصله ومنعه من دخول مستشفى الشفاء حتى ولو على "نقالة" كما ذكرت القوى التنفيذية.
المؤسسات الأهلية لم تشذ أيضا عن القاعدة، أستولت حماس على عشرات الجمعيات ومنها جميعات ومؤسسات كبيرة ولها وزنها في القطاع مثل جمعية أصدقاء المريض الخيرية، وغيّرت الهيئات الإدارية قسرا، اما تلك التي لم تغيرها قسرا فقد دفعت بحشود من أنصارها للإنتساب لعضوية الهيئة العمومية لهذه الجمعيات وعبر الإنتخابات الـ" متكتكة" غيرت تركيبتها لصالحها.
الضفة مسح أمني هادئ وتبييض للمؤسسات..
"تحميس" المؤسسات في القطاع، يقابله تبييض لها في الضفة الغربية تقوم به السلطة على مستويات، والى جانب المسح الامني الذي يضمن عدم تغلغل الحمساويين في الوظائف الحكومية، تقوم الأجهزة الامنية بالضغط على بعض المؤسسات الخاصة التي إستوعبت المفصولين من القطاع الحكومي، وتجبرها على فصلهم من القطاع الخاص أيضا.
ويقول الرمحي "المسح الأمني حاليا لا يقتصر على المؤسسات الحكومية كما يّقال بل أصبح يطلب من مؤسسات خاصة وأهلية، وتمنح على أساسه تجديد الرخص لسائقي التكسي العمومي والحرف والمهن"، ويثمن موقف شركتي الإتصالات وجوال اللتين "رفضتا الإنصياع للسلطة وتطبيق المسح الامني على الموظفين".
وفي حديث لأحد الموظفين في شمال الضفة الذي رفض ذكر اسمه "أكد أنه ه بعد طرده من الحكومة بسبب المسح الامني، ذهب للقطاع الخاص وبعد أقل من أسبوع تم فصله ثانية بسبب تدخل الأجهزة الامنية الذين هددوا بإغلاق المؤسسة".
أما الذين تم طردهم من المؤسسات الأهلية التابعة لحركة "حماس" فمن المستحيل أن يتم قبولهم في القطاع الحكومي، وإن حدث ذلك فهو بمثابة "سهو" تسارع الاجهزة الأمنية الى إصلاحه بأقصى سرعة، مثل ما حدث مع إحدى المعلمات التي كانت تعمل في مدرسة تابعة لجمعية حمساوية، وتقول: "داومت أسبوعا في وزارة التربية والتعليم كنت أظن أنهم نسوني وسأحظى بفرصة عمل، لكن سرعان ما جاء قرار الفصل بسبب المسح الأمني الذي أشار الى عملي السابق معلمة في مدرسة لها علاقة بحماس".
أما على صعيد الجمعيات الأهلية التابعة لـ"حماس" فحدث ولا حرج، حيث سيطرت السلطة على الجمعيات العريقة والقوية فيها وقامت بتعيين هيئة إدارية جديدة فيها، بينما قامت بإغلاق الجمعيات الصغيرة.
الامر لم يتوقف عند الجمعيات الأهلية فقط بلة تعداه الى مجالس الحكم المحلي، فقبل يومين قامت السلطة بحل مجلس بلدي نحالين وسلمته الى كتلة فتح التي كانت قد خسرت الإنتخابات البلدية لصالح حماس، إلى جانب حل مجلس بلدي قلقيلية منذ فترة.
ويعلق الرمحي "ما يجري هو محاولة إجتثاث أي شيئ يمت بصلة لحركة حماس، هذا ليس بسبب الإنقسام بشكل مباشر وإنما يعود لإلتزامات السلطة الوطنية تجاه خارطة الطريق".
وقال: "ندرس إمكانية التوجه للمحاكم بشأن المجالس البلدية والقروية لكن ربما تحل هذه القضايا عبر الحوار أكثر من المحاكم التي تماطل في إصدار قراراتها وحين تصدرها يتم التنصل من تنفيذها".