أخبروه وهو يدخل غرفة العمليات أن إزالة الزائدة الدودية من العمليات اليسيرة فأقبل عليها مستبشرا علّها تخلصه من أوجاعه وآلامه، ليخرج بعد أسابيع من المشفى بجهاز إخراج معطل يضطر معه إلى إخراج فضلاته من خلال فتحة في البطن، بالإضافة إلى جلطة في رجله اليسرى أورثته عجزا بنسبة اثنين وأربعين بالمئة حسب وزارة الصحة الفلسطينية.
هكذا يلخص محمد فلاح يوسف سلمان ابن الخمسة والعشرين عاما من قرية بروقين قضاء سلفيت، مجمل قصته الحافلة بكل مؤلم ومحزن ومحيّر. فقد كان ضحية خطأ طبي كلفه عافيته وشبابه والكثير من المال، والأهم من كل هذا؛ كلفه الكثير من أحلامه .
يروي محمد حكايته مع المرض والأخطاء الطبية بنبرة محايدة اكتسبها من كثرة تكرار قصته على مسامع كل من يأمل محمد أن يساعدوه في تحصيل حقه، إلا أن العبرات تخون صاحبها حين يتحدث عن حقه الذي ضاع وأحلامه المتلاشية، وبداية القصة كانت كما يروي محمد : شعرت بآلام كبيرة في بطني ولم أعرف السبب فتوجهت في تاريخ 11-12-2003 إلى مستشفى حكومي في نابلس، وبعد الفحوصات تقرر إجراء عملية استئصال للزائدة الدودية، وبعد العملية طلب الأطباء مني التوجه إلى أقرب مركز صحي لتنظيف الجرح بشكل دوري... وتوجهت في اليوم الرابع من العملية إلى مركز صحي في سلفيت بسبب أوجاع شديدة لا تفارقني، وهناك منعني الأطباء من الخروج بسبب حالتي الخطرة ولأن الجرح كان غريبا كما يقولون.
ويواصل محمد الحديث عن ذلك اليوم الفارق في حياته : في الليل أصابتني حالة من الذهول والصدمة حين بدأت الأوساخ وسوائل ذات رائحة كريهة تخرج من فتحة الجرح في بطني، وحين اطّلع الطبيب على حالتي جهزني لإجراء عملية طارئة على الفور، بعد العملية بقيت لثلاثة أيام في العناية المكثفة غائبا عن الوعي، وحين استيقظت أخبرني الطبيب أنه قام باستئصال جزء من الأمعاء الغليظة والدقيقة لأنها كانت متعفنة ، وكذلك قام بتحويل مجرى الإخراج ليتم من خلال فتحة في البطن، وحين استفسرت عن كل هذه التطورات قال لي الطبيب صراحة أن الأطباء الذين أجروا العملية الأولى قاموا بتشطيب أمعائي بالمشارط الطبية بالإضافة إلى وجود خيوط مستخدمة في العملية لا تصلح من ناحية طبية في عمليات كالتي أجريتها.
لم تتوقف معاناة محمد عند هذا الحد فقد سافر لتلقي العلاج على نفقته الخاصة في السعودية وتنقل بين مستشفيات عدة في فلسطين إلا إن النتيجة واحدة فالخطأ الطبي حصل ولا يستطيع الأطباء إلا محاولة التعامل مع آثاره الجانبية، وأمام حالة كهذه بدأ محمد في البحث عن الطريقة التي ينتصر بها لنفسه ممن أوقعوه في شراك العجز والألم.
توجه محمد لوزارة الصحة كخطوة أولى وهناك أقرت الوزارة في عبر كتاب صادر عن وكيلها الدكتور منذر الشريف موجه للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان بأن اللجنة المشكلة برئاسة مدير المستشفيات توصلت إلى أن هناك أخطاء طبية ارتكبت بحق محمد، وتلا ذلك تقرير صادر عن الوزارة قال إن محمد يعاني عجزا بنسبة 42% ، إلا أن كل هذه التقارير لم تحقق لمحمد شيئا، فالمشكلة الأهم لديه هي أن الأطباء الذين اعترفوا له صراحة بأنه ضحية خطأ طبي يرفضون الشهادة في المحكمة لصالحه.
فمحمد وجد في القضاء ملاذه الوحيد لتحصيل حقه الضائع ، لكن محمد يروي قصته مع القضاء بقوله : خمس سنوات والقضية تؤجل وأنا على باب القضاء وأتحمل التكاليف دون أي نتيجة، وليس في يدي أي وسيلة سوى البقاء مصرا على حقي ومتابعا للقضية في المحكمة، فأنا مقتنع بأن صاحب الحق سيناله. ويعاني محمد بشدة من تعقيد الإجراءات القانونية وتغيّب الشهود وهو ما أطال مدة المحاكمة ، ناهيك عن رفض الأطباء الشهادة ضد زملائهم.
حسب قانون العقوبات الأردني وهو المتبع في حالة كحالة محمد صنفت على أنها تقع في باب " الإيذاء غير المقصود " فإن أقصى عقوبة يمكن للقاضي إنزالها بحق الطبيب المخطئ لن تتجاوز الحبس مدة سنة أو الغرامة بخمسين دينار على الأكثر. إلا أن إثبات القضاء لخطأ الطبيب سيفتح الباب أمام محمد لرفع دعوى حقوقية تمنحه تعويضا ماديا قد يشكل عزاءً لمحمد ، فهو أنفق منذ العملية الأولى ما يقارب مئة وأربعين ألف شيكل بالإضافة إلا فقدانه عمله في جهاز الشرطة، وتصنيفه كعاجز وبالتالي حرمانه من العديد من الوظائف والمهن.
منذ خمس سنوات ومحمد يحاول جاهدا استرجاع حق وإثبات الظلم الحاصل بحقه، وما زال يؤمن بأن الالتجاء إلى القضاء سيمنحه ولو على الأقل حقا اعتباريا هو في حاجته ، بغض النظر عن الحق المادي. ولسان حاله يقول : ها أنا لجأت إلى القضاء وأؤمن أن الحق لا يؤخذ باليد ، وأتمنى أن أظل على هذه القناعة.