ما زال الصراع العربي الإسرائيلي يثير العديد من علامات الإستفهام والتساؤلات والتي تتلخص في التساؤل: لماذا لم تتمكن أطراف النزاع وخاصة الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي من الوصول الى إتفاقية تفاوضية نهائية رغم السنوات الطويلة من المفاوضات والعديد من المبادرات وتوفر إطار للمرجعية الدولية للحل؟!
لعل الإجابة السريعة لهذا السؤال على الرغم من التحول في الإدارة الأمريكية وتولي الرئيس أوباما الرئاسة الأمريكية وجديته حتى الآن في تسوية هذا الصراع منذ الأيام الأولى لإدارته على خلاف سابقيه، وعلى الرغم من الإدراك المتزايد بضرورة حل الصراع وذلك قبل التحول في موازين القوى في المنطقة، وهو أن الصراع وعلى مدار عقوده الطويلة قد أوجد ورسخ بذور عدم الحل أكثر من الحل ذاته: المخاوف المتبادلة، الإنقسامات الثقافية العميقة، الذكريات التاريخية، الخسائر المادية والبشرية بسبب الحروب المتعددة وحالة العنف الدائمة، والكراهية المتبادلة، وتنامي الإتجاهات المتشددة التي تطالب بإنكار الآخر كلية.. فهناك في إسرائيل من يتمسكون بـ"إسرائيل الكبرى" وهم كثر، وعدم قبول أن للفلسطينيين حقوقا تاريخية في بلادهم، وفي الجانب الفلسطينى هناك من يطالب بزوال إسرائيل بالكامل، وإن كان الإتجاه العام هو القبول بتسوية عادلة تقيم الدولة الفلسطينية الكاملة والمستقلة. .
وتقييم الفشل يحتاج لتحليل البيئة السياسية والعسكرية وموازين القوة على المستويين الإقليمي والدولي وقبل ذلك تحليل التصورات السياسية الداخلية في كل طرف، وخصوصا الجانب الإسرائيلي الذي يحتل الأرض ويرفض حتى فكرة الدولة الفلسطينية بشكل واضح ومحدد، وما تصريحات نتنياهو ووزير خارجيته لبيرمان سوى كشف عن عمق الفجوة وعدم الإستعداد والنضج السياسي للنخبة الحاكمة في إسرائيل للقبول بتسوية تستند في مضامينها العامة إلى قرارات الشرعية الدولية. وكيفية قراءة الدروس المستخلصة للحروب بينها من منظورهما، وكذلك توقعات القادة من جراء إستخدام القوة واللجوء الى الخيار العسكري، والضغوطات السياسية الداخلية والبيئة التفاوضية والعملية التساومية التي يمارسها الوسطاء.
وبإستقراء الخبرة التفاوضية الطويلة يمكن ملاحظة أن الفرقاء والوسطاء المتفاوضين قد إنتهجوا إستراتيجيتين: الأولى بالتركيز على مجموعة من المقترحات الشاملة والهادفة لحل كل المسائل الرئيسية وتحديد أجندة تفاوضية محددة بهدف حل المسائل المتنازعة وبناء إجراءات ثقة ومحاولة خلق قوة دفع قد تسمح بتحقيق تقدم في القضايا الأكثر تعقيدا.. والإستراتيجية الثانيه إستراتيجية الصفقة الشاملة لمجموعة من القضايا التي قد تسمح بتقديم تنازلات.. والإعتماد هنا على إستراتيجية المساومة وخلق أجندات ثنائية بين الدول العربية وإسرائيل.
لا أحد يختلف على ضرورة إحلال السلام محل الحرب لكن لا أحد يتفق مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس عندما يتحدث عن السلام الناقص، لأنه لا ينهي النزاع، وعلى أهمية المفاوضات كوسيلة لحل النزاع، لكن الأمر الذي تختلف حوله مواقف الأطراف التفاوضية هو مقدار المكاسب التي يسعى كل طرف الى تحقيقها عبر تسوية الصراع والثمن المدفوع، وهنا تسود نظرية المباراة الصفرية، ففي الوقت الذي يقدر المفاوض الفلسطيني أن ما قد تحصل عليه إسرائيل أكبر بكثير مما قد يحصل عليه، فإن ذلك يعتبر بلا شك خسارة للجانب الفلسطيني، وهكذا وبدلا من تطبيق نظرية الألعاب الصفرية بالزائد نجد المفاوضات تتحول الى لعبة المنتصر والمهزوم كما في إستراتيجية الشطرنج. ولعل هذا هو السبب الرئيسي في فشل عملية المفاوضات الطويلة بين الطرفين، وعلى وجه الخصوص فشل قمة "كامب ديفيد" التي جمعت الرئيس بيل كلينتون والرئيس عرفات ورئيس وزراء إسرائيل باراك.. وعلى الولايات المتحدة اليوم أن تتفادى السلبيات السابقة، فبدلا من أن تشكل عامل التوازن الذي يقرب بين المكسب والخسارة حتى تصل الأمور الى نقطة توازن تكون مقبولة، نجدها تعمل على تثبيت الفارق بين المكسب والخسارة لصالح إسرائيل وذلك بإنحيازها وتبنيها للموقف الإسرائيلي فيما يتعلق بحسم القضايا الرئيسية. وفي هذا السياق رفض الجانب الفلسطيني الضغوطات التي مورست وتمارس عليه بشأن أستئناف المفاوضات طالما أن إسرائيل لم توقف الإستيطان الذي يفرغ المفاوضات من مضامينها السياسية، ويجعلها أداة لفرض الأمر الواقع، وهذا ما دفع الرئيس عباس لعدم ترشح نفسه.. والقرار له علاقة مباشرة بالمفاوضات، فهو قد وصل إلى قناعة بانسداد الخيار التفاوضي. ولذلك من الخطأ الإعتقاد أن الفلسطينيين لم يكونوا مرنين في مواقفهم التفاوضية وأنهم قد أضاعوا فرصة منهم للحل. أو الإعتقاد أنهم لم يقدموا التنازلات الكفيلة بتحقيق التسوية المطلوبة متناسية أن إسرائيل هي التي تمارس الإحتلال وتحتل الأرض الفلسطينية وتملك الكثير لتقديمه كإجراءات بناء ثقة أو كتسوية للقضايا الرئيسة وفي مقدمة ذلك قضية الأسرى.. فلو أن إسرائيل حقيقة تريد السلام لأبدت مرونة في هذه المسألة أو مسألة الحصار المفروض على كل الشعب الفلسطيني.. وكان المفترض أن إسرائيل وبحكم إحتلالها للأرض الفلسطينية وضمها للقدس ومصادرتها للأرض ومسؤوليتها عن قضية اللاجئين الفلسطينيين أن تبادر للحل، ولذلك إذا كان الفلسطينيون يملكون أسس الحل، فإن إسرائيل تملك أسس السلام الشامل..
هذا هو المنطق الذي ساد لقاءات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية الطويلة وعلى مستوياتها المتعددة، وهذه إستراتيجية فاشلة لتسوية صراع تاريخي بحجم الصراع العربي الإسرائيلي.
ومن الأخطاء التي وقعت فيها خبرة المفاوضات السابقة إنتهاج إستراتيجية الحلول الوسط وهذا ما عادت إليه الولايات المتحدة، وما يفسر لنا التعثر في، أو عدم القدرة على، استئناف المفاوضات، فهذه الإستراتيجية قد تصلح في المراحل التفاوضية المرحلية أو الأولية التي تسبق مفاوضات القمم أو مفاوضات التسوية النهائية. حيث يكون الهدف من إستراتيجية الحلول الوسط تقريب وجهات النظر المتباعدة، وخلق إجراءات الثقة وصولا الى نقاط إتفاق مشتركة تقرب الطرفين من إتخاذ قرارات حاسمة عند التوصل الى التسوية النهائية. ومرة ثانية على الولايات المتحدة بإعتبارها الراعية الرئيسة وصاحبة دعوة حل الدولتين أن تنتهج إستراتيجيات تفاوضية جديدة تنطلق من معطيات ومنطلقات تختلف عن إستراتيجية الحلول الوسط. والخطوة الأولى هنا التي على إسرائيل إدراكها أن من الضرورى إيجاد تسوية نهائية حاسمة للقضايا الرئيسة التي جعلت من الصراع صراعا تاريخيا غير قابل للحل، ووقف الإستطان لأنه يشكل المحك والإختبار الحقيقي لإمكانية نجاح العملية التفاوضية وصولا لقيام الدولة الفلسطينية.
إذن المكسب الحقيقي الذي سيعود على إسرائيل من هذا الحل هو وضع نهاية تاريخية لهذا الصراع مما سيحولها الى دولة كاملة وعادية في محيطها العربي. وهذا الثمن لا يوازيه تمسكها ببعض الأرض.. ومن المغالطات التي إرتكبتها إسرائيل هو أنه في الوقت الذي سعت فيه الى تسوية أو حسم للصراع، أعفت نفسها من إستحقاقات التسوية النهائية.. فما زالت إسرائيل ترفض أي إقتراب من القضايا الرئيسة لمعرفتها أن ذلك يعنى حتمية تطبيق القرارات الدولية بشأنها، ولذلك تفضل إسرائيل إستراتيجيات الحلول الوسط التي تعفيها من إستراتيجيات التسوية النهائية..
وأخيرا، إذا أرادت الولايات المتحدة نجاحا عليها أن تراجع كل الإستراتيجيات السابقة وأن تتفادى كل السلبيات التي حالت دون التسوية النهائية، وعلى الأمريكيين أن يدركوا ان الخطوة الأولى للنجاح لدى إسرائيل بإلتزامها وإقراراها أن التسوية النهائية تتطلب قرارات حاسمة جوهرية وليس مجرد خطوات جزئية لا معنى لها، وخصوصا في موضوع الإستيطان والإبتعاد قدر الامكان عن سياسة التحيز والمحاباة، إذ ينبغي أن يكون للسلام وليس لسياسات دولة تؤمن بالقوة وتبتعد عن السلام، ولذلك اذا كانت تحرص الولايات المتحدة على الحفاظ على بقاء إسرائيل فيكون ذلك بالسلام المتوازن والمعقول، وليس السلام الناقص بلغة بيرس، والإبتعاد عن إستراتيجية المنتصر والمهزوم، فالصراع العربي الإسرائيلي لن تحكمه هذه المعايير مهما تفوقت إسرائيل عسكريا ومها بلغت درجة التحالف مع الولايات المتحدة، ستظل إسرائيل غير مقبولة وغير آمنة دون تسوية نهائية..!!