30 July 2020   How Did We Get To This Dire State Of Affairs? - By: Alon Ben-Meir



23 July 2020   Trump The Wannabe Dictator - By: Alon Ben-Meir



16 July 2020   Less Transparency Will Worsen the Pandemic - By: Sam Ben-Meir



















5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)

11 حزيران 2020

البحث عن "الذّاكرة العادلة": أحمد الشٌّقيري وقصّة قرار 242


بقلم: د. نهى خلف
طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

صدر كتاب هامّ عن "دار العروبة" للدِّراسات والنّشر في عمَّان في عام 2019، من تأليف د. سُلطان حطّاب، بعنوان "أحمد الشُّقيري: باعث الكيانيّة الفلسطينيّة المُعاصرة"، وقد تمَّ نشر هذا الكتاب الضَّخم بدعم من الصَّندوق القومي الفلسطينيّ والرئيس الفلسطيني "أبو مازن" الذي أبدى إعجابه الصَّادق بشخصية أحمد الشُّقيري حيثُ ساهم بعملية إنصافه، عِبر هذا الكتاب وعبر تسمية أهم قاعة بإسمهِ، وهي الأكبر في المقاطعة، كما أكَّدَ على عُضويّته المُستمرّة في المجلسَ الوطني الفلسطيني.

إنَّ كتاب د. سُلطان حطّاب (والكتاب من الوزن الثّقيل والحجم الكبيرً) يستحِقُّ فعلاً القراءة، ونأمل أن يتمَّ إِدراجه تحت بند عملية بحثية مُستمِرّة من أجل: "إِعادة قِراءة التَّاريخ الفلسطيني" مع التّركيز الدَّائم على المراحل الرَّمادية والمطموسة من هذا التَّاريخ، حيث بقيت الذَّاكرة الجماعيّة التَاريخيّة الفلسطينيّة خاضِعة في كثير من الأحوال إلى أساطير وإِشاعات مُتداولة بين جيل وجيل، حيث تؤدّي في بعض الأحيان إلى تشويه سيرة ومسيرة بعض الشَّخصيّات السّياسيّة والثّقافية وتصويرها بشكلٍ "كاريكاتوري" بينما يتمُّ إبراز شخصيات أُخرى كأبطال معصومين عن الخطأ. ويبدو لي أنَّ أحمد الشُّقيري إِحدى هذه الشَّخصيات الّتي تَمَّ تصويرها بشكلٍ مخالف للحقيقة، كشخصيّةٍ ضعيفةٍ مُناهِضة لـ"اِلكفاحِ المُسلَّحِ".

وبما إنني قد تأثَّرتُ شخصيّاً بمفهوم "الذاكرة العادلة"، وهو مفهوم محوري صاغه الفليسوف والمُؤرِّخ الفرنسي الرَّاحل "بول ريكور" في كتابه "الذَّاكرة والتَّاريخ والنّسيان" حيثُ ميّزَ بين الذّاكرة والتّاريخ، ورغم اعتباره ان عملية التوصل اليها عملية  صعبة، رأيت من الضروري البحث عنها وبشكلٍ خاصٍّ فيما يَخُصُّ التَّاريخ الفلسطينيّ، رغم العراقيل والمصاعب حيث أنَّ عملية التَّنبيش على كل المعلومات تتطلَّب عمل جماعي ومراكز أبحاث وحُرِّيّة التّعبيرعن الرَّأي ومُثقّفين يمتازون بشجاعةٍ تسمح لهُم بِمعارضة الأفكار والمقولات السَّائدة والشَّائعة، وكما جاء فيما قاله المُفكّر الرَّاحل ادوارد سعيد: "فالمُعارضة نشاطٌ يتضمّن ما وصفه "فوكو" بِأنَّه "التَّبحُر في العلم دون رُوّاده" ويتضمّن فحص وتمحيص المصادر البديلة ونبش واستخراج الوثائق الدّفينة وإحياء الرِّوايات التّاريخيّة المنسيّة أو المهجورة. وهو نشاط يتضمن الإحساس بالتّمرّد والصِّراع وباستغلال قدرة المرء على الكلام إلى أقصى حد فيما يُتاح له من فُرصٍ نادرةٍ، ولفت أنظار الجمهور والتّفوق على الخصم في اللّماحيّة والمُناظرة".

ولذلك نعتبرأنّه من المُهٍمّ إِعادة إِلقاء الضَّوء على بعض المراحل التّاريخيّة المطموسة وبعض  الشَّخصيات التَّاريخيِّة الَّتي وُضِعت في سلَّةِ المُهملات التَّاريخيّة رُغم وطنيّتها ولعبها دوراً مُهِماً في التَّاريخ الفلسطينيّ، ويُمكننا اعتبار أحمد الشُّقيري أحد هذه الشَّخصيات الّتي يشهدُ لها من قِبل الذين عاصروه "إنها  بَنَت الحجرالأساسي لِمُنظّمة التّحرير والمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ في عام 1964"، أي ثلاثة أعوام قبل نكسة عام 1967.

و لذلك نعتبر ان هذا الكتاب هاما لانه من الواجب الأخلاقي أن نتساءل حول حقيقة دور هذه الشّخصية المُهملة رُغمَ كِفاحها الطَّويل من أجل بِناء هذه الكينونة الفلسطينيّة الّتي لا زالت حتّى اليوم السَّقف الوحيد الّذي يحوي كُلَّ الشَّعب الفلسطينيّ؟

يقول البعض أنَّ أحمد الشُّقيري قد ظُلِم، ويقول مؤلّف الكتاب أنَّ "الشُّقيري شخصيّةً مُركّبةً ومُعقّدةً وإن بدت سهلةً ومُباشرة يرى فيها البعض شخصيّةً ذكيّةً وعبقريّةً ومُتنوِّعة المواهب حين يرتجل خطيباً ويقرأ نُصوصه وبياناته ومُذكّراته أو يسمع صوتَهُ المُجلجِل ونبراته العميقة الواضحة ومخارج حروفه الرَّنانة، بينما يراهُ آخرون مُتسرِّعاً أحياناً لدرجةٍ كبيرةٍ ومُندفِعاً وغير مُحتسب لدرجة الهوج.. يخلط الأشياء ولا يتراجع أو يقبل الهزيمة وأنصاف الحلول".

رُغم أنّه ترأّس مُنظّمة التّحرير لفترةٍ قصيرةٍ يشهد زملاءه ورفاقه ومن أهمّهم الّذين ساهموا بمرحلة التّأسيس معه ومن بينهم الدّكتور أنيس الصّايغ الّذي ترأّس مركز الأبحاث في مُنظّمة التّحرير في بيروت والصّحفي المُميّز شفيق الحوت، بأهمّيّة دورهِ والظُّلم الّذي وقع عليه. والالتباس في الذَّاكرة الجماعيّة الفلسطينيّة حول شخصه.

وقد وصف الشُّقيري المرحلة الّتي مَرَّ بها الشَّعب الفلسطينيّ بين عام 1948 وعام 1964 بمرحلة "الغُرف السَّوداء" ويعني بذلك مُؤامرات الدُّول على فلسطين، والّتي للأسف استمرّت حتّى بعد إنشاء مُنظّمة التّحرير الفلسطينيّة.

فقد قال المُفكّر والسّياسي شفيق الحوت: ((كان الله في عون الشُّقيري، فمن ورائه شعبٌ لا يَرحم، يُريده أن يقول لـ"الكيان" كُن فيكون ووفق تأمُّلات، وخيالات لا حدود لها..! ومن أمامه حُكَّام لا يرحمون ولِكلّْ هواه ولِكُلٍّ سياسته، تحالُفاته، ونكاياته..!

وأخيراً مع ذلك، وعلى الرُّغم من كُلِّ ذلك، تمكَّن الشُّقيري من تشكيل "لجنةً تحضيريّةً لتشكيل المجلس الوطني"، تمكَّنت بدورها من اختيار أعضاء المجلس الوطنيّ التّأسيسي وتحديد موعد ومكان اجتماعه في الثَّامن والعشرين من أيَّار 1964، وفي مدينة القدس، كان ذلك الِّلقاء التّاريخي في فندق "أنتركونتينتال" فوق إحدى روابي مدينة التّاريخ الّتي كَلَّ منها التَّاريخ ولم تَكِلُّ هي منه. ولِأوّل مرّة بعد ست عشرة سنة من الشَّتات واليُتم والتَّمزُّق، يلتقي الفلسطينيون مع بعضهم البعض وهُم حيارى بين نشوةِ الِّلقاء وفرحة جمع الشَّمل، أين القلق من هذه القفزة الخطرة وتحمُّل المسؤولية الوطنيّة؟!" ويضيف شفيق الحوت: "انتهينا من الشّرعيّة الفلسطينيّة وبقي أمام المُنظّمة انتزاع شرعيّتها العربيّة (عبر القِمّة العربيّة في الإسكندريّة)، ولم يكن ذلك بالسّهل أو الهيّن، لا سيما وأنَّ السّعودية غابت عن ذلك المؤتمر وحالت دون السَّماح للفلسطينيين عندها بالمُشاركة فيه، كما لم يكن النِّظام السُّوري وقتها مُرتاحاً لهذه المُنظّمة وكان يعتبِرُها (جهازاً) جديداً من أجهزة عبد النَّاصر.

ومن القُدس إلى الإسكندرية إلى فُندق فلسطين بالذّات لطرح كيان فلسطين على الملوك والرُّؤساء العرب الّذين كانوا على موعِدٍ في قِمَّتهم الثَّانية في اليوم الخامس من أيلول1964.
وبين الموقف السُّعودي الّذي لا يريد الكيان ولا الشُّقيري والموقف السُّوري الّذي يُريدُ كياناً بأرضٍ فوقها جيشٌ مُسلَّحٌ، كادت تنفرِطُ القضيّة لتبقى فلسطين فُندُقاً يُطِلُّ على شواطِئ البحر من الإسكندريّة، بدلاً من أن تتحوّل إلى كيانٍ من لحمٍ ودمٍ ومؤسّساتٍ وقياداتٍ وقواعد.))

أمّا الدّكتور أنيس الصَّايغ فقد تحدّث عن الشُّقيري قائلاً:
"الرَّجُل المُفترى عليه، صادق، تآمرت عليه الظُّروف وهو كبيرُ الحجم في أكثر من معنى في حياته الطَّويلة -72سنة- وهو من وضعِ حجرِ الأساس في قيام الكيان الفلسطينيّ، الكبير بكتاباته تأليفاً ونشراً.
أمّا ثقافته، فقد أخذت مَسلكين المُحاماة والصَّحافة، ثُمّ الإعلام في مجال القضيّة وهو صاحب رُؤيا في انطلاق الّلحظة بين الوطنيّة الفلسطينيّة والقوميّة العربيّة، وخطابات الشُّقيري خالية من نغم القطرية وهو مِثال للقوميِّ العربيّ.

لقد حُكِمَ عليه من خِلال عيونِ أعدائه وأقلامهم وأحكامهم، اتهامات ثلاثة وجهها الآخرون له وهي الفرديّة والتَّصلُّب والتَّشدُّد دون أن يتوقفوا عند ظروفها.

حَريٌّ بنا أن نُنصِفَهُ في غيابه وقد ظلمناهُ في حياته، فقد كان الشُّقيري وفيّاً مُنصِفاً قائماً بالواجب، يأخذ بِالحُبِّ، الاحترام، والتّقدير.

لقد تولّى الشُّقيري النِّضال الفلسطينيّ لِمُدّة "50" شهراً (1963-1967) آمن بالوحدة الوطنيّة، أشرك مُمثلّي الشَّعب في إِنشاء المُنظّمة وغذَّاها بالطَّاقات لتكون إِطاراً لجميع القوى.

وتميّز عهده بصفتين: منع الاغتيال والإرهاب الرّسمي الّلذين سادا قبله، ومنع فتح الدّكاكين الإعلاميّة والمُخابراتيّة الماليّة الّذي ساد بعده.

الشُّقيري ضحيّة الإعلام في حزيران1967 واتُهِمَ أنَّه يدعو إلى رمي اليهود في البحر، لقد ادّعوا له صورة البطَّاش الدَّموي العُنصريّ.. ولاءات الشُّقيري الثَّلاث سخِروا منها، ثُمَّ اخترقوها بعد ذلك. والشُّقيري رفض الاستسلام للواقع المُتردي، واختار الهوية الوطنيّة بعيداً عن الصِّراعات، والشُّقيري رجل القانون والسِّياسة."

أمَّا استقالة الشُّقيري في عام 1967  فقد جاءت بعد مؤتمر القِمّة العربي الّذي انعقد في السُّودان بعد النَّكسة في 29/8/1967، ويروي الكاتب هذه الحوادث الهامّة بالتَّفصيل:
"توتّر جوُّ المُؤتمر حين صمّم الشُّقيري –بحزم- أنَّ قضّية فلسطين الكلمة الأولى في تقرير مصيره، ومُنظَّمة التَّحرير وحدها، الّتي تُمثّل الشَّعب الفلسطينيّ وتتحدَّث بلسانه، ولا يملك أحد غير الشَّعب الفلسطينيّ أن يُوافق على أيّ حلّ للقضيّة الفلسطينيّة، وأوضح أنَّ خبرته بإسرائيل تدفعه إلى رفض الرَّأي الَّذي يُنادي بالحاجة إلى العمل السِّياسي، لأنَّه لابُدَّ من ثمنٍ يدفعه العرب، والثَّمن تصفية القضيّة الفلسطينيّة تصفيةً نهائيّةً، وهو لا يعتقد أنَّ الضِّفَّة الغربيِّة، أو غيرها من المناطق المُحتلّة يُمكن أن تعود سلماً وبالعمل السّياسي.

أثارت كلمات الشُّقيري نِقاشاً طويلاً حامياً، ظلّ فيه على صلابته ومُعارضته، حتّى لِعبد النَّاصر فيما قاله وطرحه، لِذلك بادر الرَّئيس الأزهري إلى تأجيل الجلسة إلى اليوم التَّالي، وظلّ الشُّقيري مُتمسِكاً بموقفه رُغم توسّط بعض الوزراء الّذين سعوا لتليين موقفه.

ولما استُؤنِفت الجلسة الرَّابعة والأخيرة في اليوم التّالي، أكَّدَّ المُجتمعون الحاجة إلى السّير في خطوات العمل السّياسي إلى جانب العمل العسكري، واتّجهوا إلى وضع القرارات، فذكّرهُم الشُّقيري بأنَّ جدول الأعمال لم يُبحث بكامله بعد، وبقيَ مِنهُ إزالة آثار العُدوان على المُستوى العسكري، ووضع خِطّةٍ عربيّةٍ شامِلةٍ بعيدةِ المَدى ومُتكامِلًةٍ سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لدعم التَّضامُن العربي وتحقيق الأهداف العربيّة، فاعتذر الرّئيس بأنَّ الملوك والرُّؤساء لديهم مسؤوليَّات في بلادهم، ولا بُدّ من عودتهم، عندئذٍ سخِرَ الشُّقيري من أن ينتهي المُؤتمر كُلُّه إلى تقديم 135 مليون جنيه فقط، ولا يتّخذ أي قرار آخر ناجح، واصطدم مع بعض المُجتمعين، واختلّ نِظام الجلسة، فنهض الشُّقيري يحمِل أوراقه وهو يقول: "أنا لستُ مَلِكاً لأحرِصَ على البقاء في المُلك، ولستُ رئيساً لأحرِص على البقاء رئيس جُمهوريّة، أنا واحدٌ من شعبٍ فقد كُلَّ شيء، ولم يعد لنا ما نخسره لأنَّنا خسرنا كُلَّ شيء، ولكن بقي لنا عقلُنا وكرامتُنا وآمالُنا.. إِنَّ الاتجاه العام في هذا المؤتمر لا يُشجعني على المشاركة فيه، ولا أستطيع أن أُساهِمَ في هذه القرارات: ولِذلك فإنِّي أُعلِنُ انسحابي من المؤتمر".

خرج الشُّقيري من الاجتماع في حين أكمل الملوك والرُّؤساء جلستهم، وبعد انتهاء الجلسة الختاميّة لمؤتمر القِمّة مُباشرةً عقد الشُّقيري مُؤتمراً صحفياً في الفندق، وعرض في بدايته أسباب انسحاب المُنظَّمة من المؤتمر، فهي "لا تستطيعُ أن تًشارك في تحمًّل مسؤوليّة الاتجاه العام الّذي سار عليه الملوك والرُّؤساء في معالجتهم لموضوع إزالة آثار العدوان". وانصرف بعد المُؤتمر إلى شُرفة الفندق وهو يُحِسُّ أنَّهُ قد ملك حُريّته بعد عبوديّة.

غادر الشُّقيري الخُرطوم إلى القاهرة في اليوم التَّالي، وكانت الصُّحف تُقدّم قرارات المُؤتمر بأضخم العناوين، في حين أوردت خبر انسحابِه في زاويةٍ مغمورةٍ، وظلَّ موضوع انسحابه من المُؤتمر مطموساً بعيداً عن انتباه المواطن، لِما فُرض من رقابةٍ على الصُّحف والإذاعات بهذا الشَّأن. وفي هذه الفترة عَقَدَ مجلس الأمن جلسةً مُستعجلةً بطلبٍ من وفدِ الجمهوريّة العربيّة المُتّحدة في 9/11/1967، وقد انتهت جلسات المجلس في 22/11/1967، بالموافقة بالإجماع على القرار 242 المعروف، وكان الشُّقيري ليلة إصداره يُتابع الإذاعات الأجنبيّة وهي تنقل نَصَّهُ بالإنكليزيّة، فتملّكهُ الخوف، وتحقّقت مخاوفَهُ، فقد أعطى القرار لإسرائيل أكثر مِمَّا تريد، وأعطى العرب أقلَّ مِمَّا يطلبون، لِذلك رحَّبّ الإسرائيليون بالقرار، وبقدوم "الدكتور يارنغ" مُمثّل الأمين العام للأُممِ المُتَّحِدة، فهذا القرار يربط -لأوَّل مرّة- بين الانسحاب وإِحلال السَّلام وإِقامة حدود آمنة مُتّفقٌ عليها.

عقد الشُّقيري في مقرِّ مُنظّمةِ التَّحرير بالقاهرة في 24/11/1967 مؤتمراً صحفيّاً ليُحدِّد موقف الشَّعب الفلسطينيّ من هذا القرار. وقد أعلن فيه "رفض مُنظّمة التّحرير المُمثِّلة للشَّعب الفلسطينيّ، قرار مجلس الأمن جُملةً وتفصيلاً"، وأجاب عن أسئلة الصَّحفيّين، لاسيما الأجانب، بما يملِكُ من خبراتٍ اكتسبها من مُعايشة القضيّة عُمره كُلُّه، وقد اضُطرَّ إلى إرسال وقائع المؤتمر إلى صُحُفِ بيروت كي تُنشر هُناك، بعد أن أغفلت أجهزة الإِعلام المصريّة الحديث عن تفاصيل ما جرى في المُؤتمر. وبعد أقلّ من شهر، وفي 14/12/1967 وصلت إلى الشُّقيري مذكّرة قدّمها سبعة من أعضاء الّلجنة التّنفيذيّة لِمُنظّمة التَّحرير الفلسطينيّة يقولون فيها: "حِرصاً على الكيان الفلسطينيّ، وتحقيقاً للوحدة الوطنيّة، ووحدة النِّضال المُسلَّح، وتمكيناً للمُنظَّمة من التَّصدِّي لإِحباطِ المُحاولات والإجراءات المُترتِّبة على قرار مجلس الأمن الَّذي يستهدف تصفية القضيّة الفلسطينيّة، نُعلنُ أنَّهُ لا بُدَّ من تنحيتكم من رئاسة الّلجنة التّنفيذيّة للمُنظّمة إذا ما أُريد لها البقاء. ونطلب إليكم التَّنحّي فوراً عن رئاسة المُنظّمة لنتمكّن، بالتّعاون مع ذوي الرّأي من إخواننا أبناء فلسطين، من الوصول إلى قيام قيادةٍ جماعيّةٍ واعيةٍ لِلمُنظّمة تعمل على مستوى الأحداث".

وإثر ذلك، قدّم الشُّقيري استقالته في 24/12/1967 بناءً على عوامل كانت وراءها أوضاع عربيّة ودوليّة، فقد شعر أنَّه قد خلق أزمةً عربيّةً بانسحابه من مُؤتمر قِمّة الخرطوم، وأنَّ عدداً من الملوك لا يريدون التَّعاون معه، وأنَّه أصبح شخصاً غير مرغوبٍ فيه لدى الرَّأي العام الدَّولي.

ويبقى لنا إذاً ان نطرح اليوم سُؤالاً هامّاً ومُعقَّداً لا يزال  يبحث عن إجابة: كيف اتُهِمَ أحمد الشُّقيري أنّه ضِدَ العمل المُسلَّح رُغم أنّه كان قد رفض قرار 242 بينما وافق من اتهمه بذلك على هذا القرار فيما بعد؟

وأخيراً من الضّروري العمل الجاد لإِعادة كتابة التّاريخ الفلسطينيّ، كُلُّ التَّاريخ، وليس فقط أجزاءٍ منه، ولا يُمكن أن يحدُث ذلك إلّا بعد الأخذ بنصائح الدُّكتور أنيس الصَّايغ، والّذي كان من رفاق  أحمد الشُّقيري والذي قال: "يجب أن يتخلّى المُثقّف عن لامُبالاته بالشَّأن العام وحصر اهتماماته بشؤونه الخاصّة وأوضاعه المعيشية والمهنية الضّيقة. يجب أن يخرُج من قوقعته وينزل من "برجه العاجيّ". وما لم يتحسّس المُثقّف مُعاناة شعبنا وخطورة المرحلة الّتي تَمُرُّ بها قضية وطنه تبقى ثقافته محدودة النّفع بل يبقى هو عُنصراً مُعطّلاً في مُجتمعه".. مُضيفاً "لا أفهم موقف المُعارض مُؤقّتاً، الصَّامد لأيَّامٍ أو أسابيعَ فقط، الّذي يقترب من شعبه ثُمّ يبتعد، والّذي يقول الحقّ ويتراجع عنه، إنّه من أصحاب الدّعسة النّاقصة وهؤلاء في الواقع أسوأ من الّذين يعلنون عن موقفٍ ثابتٍ ويتمسكون به حتّى لو كان موقفهم سيئاً ومُشيناً، إنّ أنصاف الشُّجعان أجبن من الجُبناء وأنصاف الوطنيين أقل وطنيّة من غير الوطنيين وأنصاف المُثقّفين أجهل من الأُميين".

وبناءً على ذلك يبقى لنا أن نتمنّى أن يكون هذا الكتاب بدايةً لِمُراجعةِ التَّاريخ الفلسطينيّ بشموليته من قبل المثقفين والسياسيين، وليس فقط لبعض من مراحله بشكلٍ انتقائي، وذلك ممكن فقط عبر تنشيط البحث الفلسطينيّ وتحريره من القيود الّتي فُرِضَت عليه وكبَّلته مُنذ عقودٍ من الزَّمن.

* كاتبة وباحثة فلسطينية في الشؤون الاستراتيجية والدولية- بيروت. - khalaf.noha@gmail.com



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان

3 اّب 2020   دوغ لامبرون نموذج للصفاقة الأمريكية..! - بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

2 اّب 2020   العدو المطلوب..! - بقلم: د.ناجي صادق شراب

2 اّب 2020   الأمة والحبل الوثيق..! - بقلم: بكر أبوبكر

1 اّب 2020   لعنة الأحادية..! - بقلم: فراس ياغي

1 اّب 2020   تطرف العلمانيين العرب ومواجهة قوى الشد العكسي..! - بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

1 اّب 2020   مسبار الأمل..! - بقلم: تحسين يقين


31 تموز 2020   المزيد من التنازلات لن يجلب السلام..! - بقلم: د. إبراهيم أبراش


31 تموز 2020   د. جريس خوري.. اعذرني..! - بقلم: زياد شليوط

30 تموز 2020   للحظّ إسمٌ آخر: نتنياهو..! - بقلم: د. أماني القرم

30 تموز 2020   مخالب في تلك الأيادي الناعمة..! - بقلم: عيسى قراقع

30 تموز 2020   العيد في زمن "الكوليرا" و"الكورونا"..! - بقلم: ناجح شاهين

30 تموز 2020   الانتحار في زمن "الكورونا"..! - بقلم: توفيق أبو شومر

29 تموز 2020   عيد الأضحى في السجون: ألم ووجع..! - بقلم: عبد الناصر عوني فروانة







20 حزيران 2020   "طهارة السلاح"... موروث مضمّخ بدماء الفلسطينيين..! - بقلم: سليمان ابو ارشيد


18 أيار 2020   نتنياهو مع انطلاق حكومته الخامسة: "أنوي طرح مسألة الضم بسرعة"..! - بقلم: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية - مدار




27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي


2 اّب 2020   "غربة الراعي" لإحسان عباس..! - بقلم: شاكر فريد حسن

1 اّب 2020   سمفونية قلب..! - بقلم: شاكر فريد حسن

31 تموز 2020   أضحى مبارك للجميع..! - بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

30 تموز 2020   نبض عشق..! - بقلم: شاكر فريد حسن

29 تموز 2020   عناقيد حُبّ..! - بقلم: شاكر فريد حسن


8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2020- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية