21 September 2018   The Deal Or The Debacle Of The Century? - By: Alon Ben-Meir



19 September 2018   The prime communicator in chief - By: Daoud Kuttab


13 September 2018   Jordan and Jerusalem - By: Daoud Kuttab

11 September 2018   The Veiled Danger of the ‘Dead’ Oslo Accords - By: Ramzy Baroud


6 September 2018   Funding UNRWA should not be placed on shoulders of Arabs - By: Daoud Kuttab



30 August 2018   UNRWA again in the Trump Cross hair - By: Daoud Kuttab















5 أيلول 2015   "من الأزل".. آخر كتب الراحل جونتر جراس - بقلم: المركز الألماني للإعلام (ألمانيا إنفو/ almania info)

2 حزيران 2018

عن حركات الإسلام السياسي واليسار العربي


بقلم: غازي الصوراني
طباعة     إرسال في البريد الإلكتروني

لعل أكثر ما يشغل أذهان القوى الديمقراطية واليسارية تجاه حركات "الإسلام السياسي"، هي مرجعياتها السلفية المتزمتة، وانعكاس ذلك على المسار التحرري والديمقراطي لمجتمعاتنا، فعلى الرغم من أن هذه القوى تبدي رفضا قاطعا إزاء قمع أو تغييب الأنظمة والطبقات الحاكمة لهذه الحركات، فإنها تنظر بنوع من التشكك والريبة إزاء ما يمثله الإسلام السياسي من مواقف تاريخية وراهنة لا تختلف في جوهرها عن مواقف الأنظمة الرجعية المتخلفة والاستبدادية المستغلة،  حيث أن حركات الإسلام السياسي تتبنى في رؤاها وبرامجها النظام الرأسمالي بكل مضامينه المرتبطة بالملكية الخاصة وحرية السوق، ولكن وفق منطلقات رأسمالية تابعة ورَثَّة، تخلط بين الأنماط الرأسمالية والإقطاعية والعشائرية أو الحمائلية وغير ذلك من الأُطر الاجتماعية المتخلفة، الأمر الذي يفسر موقفهم مع كبار الملاك الاقطاعيين، ورفضهم وإدانتهم لتأميم ملكية الاقطاعيين أو الإصلاح الزراعي في مصر وغيرها، وبالتالي لم يكن مفاجئاً تأييدهم للرئيس السادات حينما أعاد ملكيات الإقطاعيين في مصر على حساب آلاف الفلاحين الفقراء، علاوة على تأييدهم وارتباطهم المباشر والصريح تاريخياً وراهناً مع أنظمة الرجعيين العرب في الأردن والسعودية والخليج، ودويلة قطر مثالا صارخا على هذه العلاقة.

أما الحديث عن العلاقات الديمقراطية من منظور حركات الإسلام السياسي، أقول: ان هذه الحركات يمكن أن تتعاطى مع قضية الديمقراطية، بطريقة استخدامية وذرائعية انتهازية في لحظات او محطات شعورها بأزمتها الداخلية او عزلتها، كآلية للوصول إلى السلطة السياسية ومن ثم الاستفراد بها، وتحويلها من مهدٍ للتغيير الديمقراطي، والتطور السياسي والمجتمعي إلى لحد لهذه العملية كلها، وما قد يترتب على ذلك من إعادة إنتاج التبعية والاستبداد والاستغلال الطبقي بأشكال وصور مستحدثة، في إطار التحالف بين قوى الإسلام السياسي من ناحية ورجال الأعمال من ناحية ثانية، وما سيؤدي إليه هذا المشهد من قيود جديدة، يتم فرضها على عملية النهوض والتطور الديمقراطي لمجتمعاتنا، عبر تقييد وقمع حرية الرأي والتعبير والمعتقد، إلى جانب الموقف الرجعي تجاه مفاهيم الحداثة والتطور النهضوي الديمقراطي في مجتمعاتنا العربية.

أما فيما يتعلق بظاهرة "الإسلام السياسي" وانتشارها غير المسبوق في بداية القرن الحادي والعشرين فلابد من الإقرار بأن النمو المضطرد لما يعرف بـ"الإسلام السياسي" في مرحلة ما سُمِّي بالربيع العربي في إطار الانتفاضات الشعبية في تونس ومصر، حيث استطاعت الحركات الإسلاموية من استغلال تلك الانتفاضات وتجييرها لحساب برامجها السياسية الدينية بأساليب ديماغوجية واضحة إلى أبعد الحدود، وقد نجحت في ذلك في تونس ثم مصر، في ظل غياب وتفكك أو ضعف الحركات الوطنية الديمقراطية الليبرالية واليسارية العربية، الأمر الذي شجع تلك الحركات صوب مزيداً من الانتشار الذي يستهدف الهيمنة على العديد من الأنظمة العربية لتفكيكها عبر إثارة النزاعات والصراعات الدموية الطائفية، كما جرى –وما زال يجري- في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومصر (سيناء)، بدعم مباشر وغير مباشر من النظام الامبريالي الأمريكي وتوابعه الإقليمية والعربية، تركيا ودويلات الخليج والسعودية مثالاً صارخاً جداً على ذلك التعاون المشبوه بين الامبريالية وتوابعها الإقليمية والعربية من جهة وبين حركات الإسلام السياسي من جهة ثانية.

على أي حال، قد نتفق على أنه بعد مرور حوالي سبعة أعوام على نجاح حركات الإسلام السياسي في الوصول إلى السلطة في تونس ثم مصر، إلا أننا نلاحظ بداية مرحلة جديدة تتسم بالهبوط والتراجع في بنية هذه الحركات، دليلنا على ذلك ما لحق بها من هزائم ميدانية سياسية وجغرافية في العراق وسوريا وليبيا، علاوة على التغير الرئيسي في مصر، حيث استطاع الجيش المصري المستند إلى الجماهير الشعبية المصرية، إسقاط نظام الإخوان المسلمين فيها، ثم بعد ذلك فشل حركة النهضة التونسية في انتخابات البرلمان التونسي صيف 2014، إلى جانب حجم التراجعات الهامة –بالمعنى النسبي- لحركات الإسلام السياسي في بلداننا العربية، وترسيخ الانطباع على الصعيد العالمي –خاصة في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية- برفضها ومقاومتها باعتبارها حركات إرهابية منفلتة، على الرغم من وعينا بأن النظام الرأسمالي الامبريالي الأمريكي الأوروبي كان بمثابة الراعي والممول الرئيسي لتلك الحركات منذ تأسيسها، ولا أظن أن ذلك النظام سيتخلى نهائياً عن دور تلك الحركات في تكريس تخلف واحتجاز تطور بلداننا ومجتمعاتنا العربية والتصدي لكافة الحركات الوطنية النهضوية الليبرالية والتقدمية العربية، وإنما سيسعى لفرض عملية تكييفها وإعادة هيكلتها باتجاه "عقلنتها" أو "اعتدالها".

وبالتالي، فإننا لا نستطيع الحديث عن تحولات جذرية في هذه المرحلة، يتم فيها تجاوز الحركات والجماعات الإسلامية في بلادنا العربية، انطلاقاً من إدراكنا العميق أن الستار لم يسدل عليها بعد، وما زالت قادرة –بدرجات متفاوتة من الضعف أو القوة- على الحفاظ على بنيتها رغم كل ما تعرضت له من ضربات استهدفت تصفيتها، لكن هذه التصفية لم تتحقق بعد، وليس من السهل الحديث عن تحققها راهناً، وذلك بسبب بقاء العوامل الموضوعية لانتشار تلك الحركات في مجتمعاتنا، واقصد بذلك أوضاع التخلف والفقر والبؤس الاجتماعي الاقتصادي الناجم عن شدة وعمق الاستغلال الطبقي، وغياب أبسط معاني العدالة الاجتماعية في ظل غياب المشاريع التنموية، إلى جانب الاستبداد المنتشر في أوساط جماهير الفقراء العرب من الفلاحين والعمال وفي أوساط الشرائح البرجوازية الصغيرة العربية، أي ان الاستغلال والاستبداد والفقر والتخلف يصيب أكثر من 80% من سكان البلدان العربية (غير النفطيه)، ما يعني توفر المناخ الملائم والتربة الخصبة لانتشار هذه الحركات وتوسعها، وفي مثل هذه الأوضاع لا يمكن موضوعياً الحديث عن نهاية دور الحركات الإسلامية، على الرغم من بروز العديد من العوامل والأحداث التي تؤكد على تراجعها، خاصة وأن اللحظة/ المرحلة الراهنة هي الأكثر انحطاطاً وتخلفاً في تاريخ العرب الحديث والمعاصر.

وفي هذا السياق، لابد لي من أن استحضر تلك اللحظة/ المرحلة النهضوية الفارقة في تاريخنا الحديث -وأقصد بذلك المرحلة الممتدة بين عام 1900 حتى عام 1940- لكي نأخذ منها الدروس والعبر، ومن ثم استلهامها وتطبيقها في قلب الرؤية الديمقراطية التقدمية التي نناضل من أجل تحقيقها.

ففي العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، التي سادت في بلادنا عموماً وفي مصر خصوصاً، والتي تسمى بحق، عصر النهضة، حيث ارتقى الحوار الموضوعي بين الأطياف والمذاهب السياسية والفكرية في ذلك العصر كافة، إلى درجات عليا من حريات الرأي والتعبير والكتابة والمعتقد من خلال علاقات غلب عليها النهوض الفكري الليبرالي والتقدمي، والاستنارة والاحترام المتبادل بين الرأي والرأي الآخر، حيث برز في تلك المرحلة علماء ومفكرين أجلاء، التقوا معاً على أرضية الحوار، رغم تباين منطلقاتهم الفكرية وتعدد محاورها وأهدافها وشعاراتها التي تفاعلت واختلفت في منطلقاتها ومنهجيتها في رحاب حرية الرأي والمعتقد والبحث دون أي إرهاب فكري أو جسدي أو تكفيري.

وفي هذا المناخ الديمقراطي الحر، تفتحت وأينعت أزهار كثيرة نذكر منها عبد الرحمن الكواكبي وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وعلي عبد الرازق، وشبلي شميل وسلامة موسى، وفرح أنطوان، وطه حسين وبطرس البستاني وعلي مبارك وهدى شعراوي وإبراهيم اليازجي وجورجي زيدان وإسماعيل مظهر وأحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، وأحمد أمين وغيرهم، في إطار ليبرالي وتقدمي واسع ومتنوع الرؤى والأفكار التي تراوحت بين الاستنارة والعلم والديمقراطية وفصل الدين عن الدولة، وبين الاستقلال الوطني وحرية الرأي والمعتقد وحرية المرأة والعدالة الاجتماعية والاشتراكية والوحدة القومية.

لكن هذه المناخات الفكرية الديمقراطية الزاخرة بتعددية أفكارها النوعية، سرعان ما تراجعت وانطفأت شعلتها حتى قيام ثورة يوليو 1952 التي قامت بإلغاء الأحزاب ومن ثم إغلاق الباب في وجه المناخ الليبرالي التعددي الذي اعتبرته الثورة - آنذاك – إطاراً يمكن أن تستخدمه القوى الرجعية بكل تلاوينها الطبقية وخاصة القوى الرجعية، الإقطاعية والبرجوازية الكبيرة المتحالفة مع النظام الملكي السابق ، وفي المقابل فقد اهتمت الثورة المصرية بعد أن تكرست قيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر منذ عام 1956 على نشر وتعميم الثقافة الوطنية والقومية بمنطلقاتها الحداثية المعاصرة التي أكدت على مبدأ "الكفاية والعدل" بمثل ما أكدت على تجسير الفجوة بين الطبقات وتحديد الأجور بما يضمن الحياة الكريمة للعمال والفلاحين.

وفي هذا السياق فقد حرصت قيادة الثورة الناصرية على تطوير التعليم الإلزامي والتعليم العالي، وتطبيق مبدأ التعليم المجاني في المراحل كافة، بما في ذلك الجامعات والمعاهد العليا، إلى جانب الحرص على التطور العلمي والثقافي والفني والإعلامي، حيث ازدهرت المؤسسات الثقافية، الفكرية والأدبية جنباً إلى جنب مع ازدهار وتقدم الفنون الشعبية والمسرح والسينما والتلفزيون، لكن بأساليب فوقية/ بيروقراطية بعيده عن أية ممارسات ديمقراطية، وهكذا كانت هزيمة حزيران 1967، بمثابة محطة مهمة ومفصلية، توقفت عندها سبل التطور المذكور، خاصة بعد وفاة عبد الناصر، لحساب أفكار الانفتاح الرأسمالي المعادية للناصرية، تمهيداً لولادة وانتشار النظام الكومبرادوري.

وهكذا منذ نهاية السبعينات، والحديث متصل عن صعود وانتشار الحركات الأصولية الإسلامية، التي أعطتها هزيمة حزيران قوة دفع جديدة، سرعان ما وجدت مجالها الأرحب والأخصب في ظل سياسة الانفتاح الساداتية ثم معاهدة كامب ديفيد، واستعادة القوى البيروقراطية المتنفذة والبورجوازية الكومبرادورية وبقايا رواسب الأنماط القديمة المتخلفة، لدورهم المسيطر على السلطة في مصر وكل البلدان العربية، الأمر الذي مَكَّن الحركات الأصولية من أن تقدم مشروعها الأيديولوجي والسياسي والمجتمعي تحت شعار "الإسلام هو الحل"، الذي اتخذ –لدى بعض فروع هذه الحركات- طابعاً قتالياً مميزاً ضد الاحتلال الصهيوني، لكن هذا المشروع ظل في شكله وجوهره معتمداً على عنصرين أساسيين:
الأول: قوامه العودة إلى الأصول السلفية والتراثية، كما هي، دون أي تجديد أو استنارة أو تطور عقلاني حديث، عبر النقل الجامد والمنغلق للنص الديني.
الثاني: تربية وتثقيف أعضائها وفق منهجية رفض الآخر، المتمثل في كافة أطراف حركات التحرر العربي (اليسارية والقومية والوطنية) وتكفيرهم بذريعة منطلقاتهم الفكرية العلمانية الديمقراطية بمختلف ألوانها.

غير أن ما يميز الأصولية الإسلامية، في شكلها العربي عودتها الصارخة إلى مركز الفعل في الأوساط الشعبية العفوية الفقيرة التي افتقدت القوى الديمقراطية واليسارية المدافعة عن قضاياها، فاضطرت إلى أن تلجأ إلى السماء للخلاص من قهر الأنظمة واستغلالها الطبقي، وكان طبيعياً في مثل هذا الوضع أن تجد هذه الجماهير الشعبية الفقيرة في الحركات والجماعات الإسلامية ملاذاً لها للخلاص من أشكال اضطهادها واستغلالها والخروج من فقرها ومعاناتها الناجمة عن فساد تلك الأنظمة واستبداد أجهزتها القمعية، وأن تلتحق في صفوف الحركات الإسلامية، من منطلقات سياسية ومجتمعية اقتصادية وجدت في الدين غطاءاً لها، وبذلك استطاعت هذه الحركات –في ظروف الهزيمة السياسية والتراجع المجتمعي من جهة وفي ظروف الحراك الشعبي فيما سُمِّيَ بالربيع العربي من جهة ثانية – أن تحقق حالة غير مسبوقة تاريخياً من الانتشار، بعد عقود من التهميش والقمع والعزلة والكمون الذي عاشته، بتأثير المرحلة الناصرية والمد القومي التحرري وانتشار الأفكار التنويرية والعقلانية والاشتراكية، ثم بعد ذلك، بتأثير مرحلة الكفاح المسلح الفلسطيني منذ عام 1967 حتى نهاية ثمانينات القرن الماضي، خاصة هزيمة القوى الفلسطينية وخروج "م.ت.ف" من لبنان، التي كانت عاملاً اضافياً في تسريع ولادة مرحلة التراجع والهبوط السياسي والانحطاط المجتمعي الذي انتشر في ربوع البلدان العربية منذ ذلك التاريخ، وشكل بدوره بداية الانتشار الفعلي للحركات الإسلامية الأصولية التي لم يكن ممكناً أن تنتشر في غير هذه الظروف.

ومع هذا الانتشار غير المسبوق، انتقلت الحركات الإسلامية الأصولية من حالة التهميش، إلى حالة التأثير والفعل، ليس لنشر منطلقاتها وآرائها فحسب، بل أيضاً لتمارس – بصورة مباشرة وغير مباشرة- نوعاً من الاستنفار لأدواتها الأيديولوجية أو الفكرية الغيبية المنغلقة تحت شعار "الإسلام هو الحل"، في محاولة لمواجهة الفكر التنويري العقلاني، الوطني والقومي، لتجعل من تهديم مفاهيم التنوير والعقلانية والحداثة والليبرالية والعلمانية والمواطنة والدولة المدنية والوحدة العربية والاشتراكية غايتها الأساسية الأولى في إطار رفضها القبول بأي صيغة للتعاون مع القوى الوطنية في النضال ضد الاستعمار أو الاحتلال الصهيوني، مثالنا على ذلك رفض حركة حماس طوال سنوات الانتفاضة 1987 / 1993 المشاركة مع فصائل "م.ت.ف" (القيادة الموحدة) في نضالها ضد العدو الصهيوني، وانفردت بدورها وأساليبها بعيداً عن القيادة الوطنية الموحدة، وقدمت نفسها كتنظيم صاحب هوية ومشروع إسلامي سياسي بديل لمنظمة التحرير الفلسطينية ولهوية شعبنا الوطنية.

لقد استخدمت الحركات الإسلامية الدين السياسي، كأداة مصالحة مع الواقع المرير وأدواته الطبقية، الرأسمالية، الداخلية والخارجية، خاصة وأن هذه الحركات لا تتناقض أبداً مع النظام الرأسمالي بل تعتبر نفسها جزء لا يتجزأ منه، ولكن بمنطلقات إسلامية عبر ما يسمى بـ"الاقتصاد الإسلامي".


اليسار الفلسطيني وحركات الإسلام السياسي:
أود التوضيح هنا أنني لست في وارد تناول موضوعة "الدين" من زاوية فلسفية، في إطار الصراع التاريخي بين المثالية والمادية، فهذه المسألة ليست بجديدة، كما أنها ليست ملحة، كما أن عملية عدم الخلط بين الدين كعقيدة يحملها الناس، وبين الجمهور المتدين تعتبر مسألة مهمة وحساسة، فان يكون لنا موقف فلسفي من الدين، لا يعني على الإطلاق سحب ذلك الموقف على الجمهور المتدين، بل على العكس، فان واجبنا النضالي يفترض منا الاقتراب من ذلك الجمهور واحترام مشاعره الدينية، والتفاعل مع قضاياه وهمومه وجذبه إلي النضال من اجل الحرية والاستقلال والديمقراطية وإنهاء كافة أشكال الاستغلال والقهر والاستبداد، انطلاقاً من فهمنا للماركسية بأنها ليست نظرية مضادة للدين – كما يروج دعاة الإسلام السياسي والقوى الرجعية والامبريالية – بل هي طريقة تفكير لفهم الوجود بكليته، فهي تنظر إلى الدين بوصفه جزءاً من تطوّر الوعي البشري في محاولتهم فهم واقعهم، وصوغ الرؤية التي تكيفهم معه، وأنه شكّل تطوّراً كبيراً في مسار الفكر، وانتظام البشر في الواقع.

أما بالنسبة للعلاقة الخلافية بين اليسار الفلسطيني وحركات الإسلام السياسي، فهي تستند – من وجهة نظري - إلى التحليل الموضوعي الذي يؤكد على أن الأساس في هذه الحركات هو دعوتها إلى معالجة القضايا المعاصرة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية...، عبر منطق غيبي تراجعي عاجز عن بلورة برنامج سياسي ديمقراطي اجتماعي تنموي، يتناقض مع جوهر التخلف والاستغلال الرأسمالي أو مع أي نظام استبدادي أو رجعي.

وعلى الرغم من كل ما تقدم، فإن المستجدات والمتغيرات المتلاحقة راهناً، تؤشر إلي أننا سنواجه –مع حركات الإسلام السياسي- ظروفا وأوضاعاً مستجدة، ما يفرض على قوى اليسار الفلسطيني والعربي أن تتمسك برؤيتها الموضوعية إلى أبعد الحدود في العلاقة الديمقراطية مع الحركات الرافضة لممارسة الإرهاب، بحيث تحرص على ان لا تصل الاختلافات معها، إلى مستوى التناقض التناحري الذي يحكم علاقتنا بالعدو الإمبريالي الصهيوني، انطلاقاً من رؤيتنا تجاه بعض هذه الحركات (حزب الله، حماس، الجهاد، النهضة، وغيرها) باعتبارها مكون من مكونات الحركة السياسية على الرغم من أية خصوصيات تمثلها.

وعلى هذا الصعيد يهمنا أن نؤكد بأننا نرى في تلك القوى إحدى دوائر الفعل والتفاعل الوطني، وذلك وفق قواعد الديمقراطية والتعددية والحريات العامة والخاصة التي يتوجب الاحتكام إليها.

وهنا بالضبط تتجلى أهمية الوعي والموقف المطلوب تجاه التعاطي مع بعض هذه الحركات، خاصة تلك التي ترفع شعار المقاومة أو العداء لدولة العدو الصهيوني، وتلتزم بصراحة ووضوح بالديمقراطية نهجاً وأسلوباً وحيداً في معالجة كافة القضايا المجتمعة والسياسية الداخلية، وعلى هذا الأساس يمكننا معالجة العلاقة مع تلك الحركات والتفاعل الحواري معها بصورة ندية وديمقراطية.

أما بالنسبة لعلاقة اليسار الفلسطيني مع قوى الإسلام السياسي فهي "علاقة متحركة ندية وجدلية في آن معا، تبعاً لتناقضات الواقع السياسية والاجتماعية، وتبعاً للتناقضات التناحرية مع العدو الصهيوني والوجود الامبريالي وقواعده في بلادنا، حيث يمكن أن تتوفر حالة من التقاطع على الصعيد السياسي في اللحظة التي تقف فيها قوى اليسار والقوى الإسلامية على أرضية المعارضة والمواجهة لمشاريع التسوية الأمريكية – الإسرائيلية، بينما على الصعيد الاجتماعي فإن التعارض والتناقض أكثر حضوراً، سواء على صعيد فهم الديمقراطية كقيم وآليات وممارسة داخل المجتمع ومؤسساته أو تجاه القضايا الاجتماعية الرئيسية: حرية المرأة، حرية الاعتقاد وحرية التعبير والاجتهاد وحرية الإبداع الثقافي وقضايا العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية بمختلف تجلياتها.

إن وضوح هذه الرؤية، ومن ثم البناء عليها بالنسبة لعلاقة القوى اليسارية الفلسطينية مع القوى الإسلامية يتطلب من هذه الأخيرة أن تتخذ موقفاً واضحاً من التوجهات التالية:
أولا: نقد تجربة الانقسام وإدانتها وإعلان الالتزام الكامل بإنهاء الانقسام ودفنه، ومن ثم استعادة الوحدة الوطنية الديمقراطية التعددية في أوساط شعبنا على طريق بلورة وتجسيد النظام الوطني التحرري الديمقراطي في إطار "م.ت.ف" كممثل شرعي ووحيد لشعبنا، مع العمل من أجل إصلاحها ودمقرطتها.
ثانياً: رفض كل أشكال التطبيع أو مهادنة العدو الصهيوني، ورفض التبعية بأشكالها المختلفة السياسية والاقتصادية والثقافية.
ثالثاً: تغليب التناقضات الرئيسية على الثانوية في كل الظروف.
رابعاً: الالتزام بالديمقراطية وترسيخها كنهج حياة مجتمعي يضمن الحرية بكافة أنواعها وفي مقدمتها حرية المعتقد، وضمان الانتخابات الديمقراطية بصورة دورية ونسبيه للمجلس الوطني والسلطة والرئاسة، وفق نصوص "القانون الأساسي" والقوانين ذات العلاقة.

هذه هي ابرز ملامح وسمات المرحلة السياسية الجديدة كما نقرؤها في اللحظات السياسية الراهنة.

أخيراً إن احترامنا للأديان عموماً والتراث الديني الإسلامي خصوصاً، يتطلب منا –عبر الحوار الديمقراطي- رفض استخدام الدين كأداة لقمع حرية الفكر والإبداع والبحث العلمي وحرية الرأي والرأي الآخر، وكذلك رفض اختزال الإيمان الديني إلى تعصب حاقد ضد الآراء والأفكار والعقائد الأخرى.

* كاتب ومفكر فلسطيني- غزة. - cdideology@hotmail.com



الإسم
البريد الإلكتروني
التعليق
رمز الأمان

23 أيلول 2018   الحرب على الأقصى والتقسيم المكاني..! - بقلم: راسم عبيدات

23 أيلول 2018   القيم..! - بقلم: د. مصطفى البرغوتي

23 أيلول 2018   كي لا تتجدد الرهانات المُدمِّرة..! - بقلم: علي جرادات

23 أيلول 2018   العبث الإسرائيلي وإرتداداته..! - بقلم: عمر حلمي الغول

22 أيلول 2018   في "الغفران" تبكي القدس فيصلها..! - بقلم: جواد بولس

22 أيلول 2018   تجاوز الخلافات الداخلية لمواجهة العدو المشترك..! - بقلم: د. إبراهيم أبراش

22 أيلول 2018   أوسلو.. نعم يمكننا.. كان ولا زال..! - بقلم: عدنان الصباح

22 أيلول 2018   الحرية لرجا إغبارية..! - بقلم: شاكر فريد حسن

22 أيلول 2018   لا تنتظروا العاصفة..! - بقلم: عمر حلمي الغول

21 أيلول 2018   الفساد عند الله مربوط بالقتل..! - بقلم: حمدي فراج

21 أيلول 2018   طارق الإفريقي ومحمد التونسي وحسن الأردني - بقلم: د. أحمد جميل عزم

20 أيلول 2018   الرئيس عباس وخطاب الشرعيه الدولية..! - بقلم: د.ناجي صادق شراب

20 أيلول 2018   "حماس" في الثلاثين من عمرها وحديث الأمنيات..! - بقلم: مصطفى إبراهيم

20 أيلول 2018   عباس وسيناريو القطيعة مع غزة..! - بقلم: حســـام الدجنــي

20 أيلول 2018   ترامب واللاسامية..! - بقلم: د. غسان عبد الله





8 حزيران 2018   ..هكذا خسر قطاع غزة أكثر من 40% من مساحته..! - بقلم: وسام زغبر








27 اّذار 2011   عداد الدفع المسبق خال من المشاعر الإنسانية..!! - بقلم: محمد أبو علان

13 شباط 2011   سقط مبارك فعادت لنا الحياة - بقلم: خالد الشرقاوي

4 شباط 2011   لا مستحيل..!! - بقلم: جودت راشد الشويكي


12 أيلول 2018   الثقافة بين التعهير والتطهير..! - بقلم: فراس حج محمد

8 أيلول 2018   حتى أسمع مخاضك..! - بقلم: حسن العاصي

7 أيلول 2018   كيف تعلم مكسيم غوركي الكتابة؟ ولماذا؟ - بقلم: فراس حج محمد

3 أيلول 2018   لماذا لا أحب السلطان ولا مُنخل الرئيس؟! - بقلم: بكر أبوبكر



8 كانون ثاني 2011   "صحافة المواطن" نافذة للأشخاص ذوي الاعاقة - بقلم: صدقي موسى

10 تشرين ثاني 2010   رساله .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

3 تشرين ثاني 2010   شخبطة صحفية - بقلم: حسناء الرنتيسي

27 تشرين أول 2010   المدلل .. - بقلم: جودت راشد الشويكي

21 تشرين أول 2010   فضفضة مواطنية - بقلم: حسناء الرنتيسي


4 اّذار 2012   الطقش


26 كانون ثاني 2012   امرأة في الجفتلك



 
 
 
top

English | الصفحة الرئيسية | كاريكاتير | صحف ومجلات | أخبار وتقارير | اّراء حرة | الإرشيف | صوتيات | صحفيون وكتاب | راسلنا

جميع الحقوق محفوظة © لشبكة  أمين الأعلامية 2018- 1996 
تصميم وتطوير شبكة أمين الأعلامية