في السادس من كانون ثاني 1983 قامت سلطات الاحتلال باعتقال المناضل كريم يونس من منزله في بلدة عارة في المثلث، وخضع طالب كلية الهندسة في جامعة بن غوريون آنذاك لتحقيق وحشي هو ومجموعته المكونة من أبناء عمومته سامي وماهر يونس، ثم صدر بحقه وبحقهم قراراً بالإعدام بتهمة قيادة خلية تنتمي لحركة "فتح" نفذت عمليات فدائية ضد الاحتلال، بما فيها خطف جندي اسرائيلي بهدف مبادلته بأسرى فلسطينيين، الجندي فارق الحياة اثناء احتجازه، وبعد فترة انتظار طويلة تم تخفيض الحكم إلى السجن المؤبد مدى الحياة.
في ذكرى مرور 30 عام على اعتقال كريم يونس في 6 من كانون الثاني 2013 توفي والده بعد 3 عقود من انتظار عودة إبنه دون أن يراه، وكان وقع الخبر ثقيلاً على المناضل كريم يونس، كما كان ثقيلاً على من حمل الخبر إليه المناضل القائد مروان البرغوثي ومجموعة من الأخوة الأسرى في سجن هداريم. وكما علمت لاحقاً فقد عاش كريم أياماً صعبة وثقيلة خاصة أنه كان على ثقة بأن حريته ولقاء والده وأسرته بات قاب قوسين أو أدنى في صفقة التبادل "وفاء الأحرار" التي تمت أواخر عام 2011، ولكن هذا الأمل لم يتحقق مع شديد الأسف بل أن الصفقة التي نجحت في تحرير الف مناضل تركت خلفها كريم يونس ومعه 120 أسيراً ممن قضوا أكثر من عشرين عاماً في سجون الإحتلال ولا زال جميعهم في إنتظار حلمهم بالحرية لهم ولشعبهم. وكان كريم يونس قد تمّ استثناءه من صفقة النورس "صفقة احمد جبريل" عام 1985 والتي أفرج بموجبها عن 1150 مناضل، كما لم تشمله افراجات اتفاق أوسلو وما تبعها فقد استثنت كريم يونس وكل الأسرى الذين اتهمتهم إسرائيل بقتل عناصر من الإحتلال خلال مقاومتهم لهذا الاحتلال. وقد قالت والدة كريم يونس انها لن تسامح القيادة الفلسطينية للأبد بسبب قضاء كريم يونس ثلاثة عقود في السجون ووفاة والده دون ان يراه.
أثناء زيارتي الأخيرة للمناضل القائد مروان البرغوثي قابلت كذلك المناضل كريم يونس وقدمت له التعازي الحارة وكم شعرت أن الرجل واخوانه المناضلين يستحقون اعتذاراً كبير من أعلى الهرم السياسي الفلسطيني ومن قيادات الفصائل وبالذات قيادة حركة فتح حيث فشلت المفاوضات طوال عقدين من الزمن في الافراج عنهم بل أن اتفاق أوسلو لم يأت على ذكرهم بكلمة واحدة.
من قضوا فترات طويلة في السجون فقدوا الكثير من أحبائهم وأقرب الناس إليهم، خلال الشهور الأخيرة فقد العديد من الأخوة الاسرى العديد من ذويهم من أمثال المناضل جمال أبو محسن الذي فقد والديه، والمناضل رافع كراجه الذي فقد والدته، والمناضل جمال حسان الذي فقد والده قبل أسابيع، والقائد مروان البرغوثي الذي فقد شقيقه قبل عدة أشهر ووالدته قبل عدة سنوات، والمناضل عبد الناصر عيسى الذي فقد والدته قبل عدة أسابيع، والمناضل أحمد البرغوثي (الفرنسي) الذي فقد والده ايضاً والمناضل محمد جابر عبده الذي فقد والدته وقد توفيت اثناء زيارتها لسجن هداريم، والمناضل ناصر عويس الذي فقد والده كذلك، والمناضل رائد الشافعي الذي فقد ابنته، والمناضل أيمن الشرباتي الذي فقد والده، والمناضل احمد العزة الذي فقد والدته، والمناضل عبد الفتاح دولة الذي فقد والده، والمناضل اصرار سمرين الذي فقد والدته.. والقائمة طويلة وقد تطول أكثر فهنالك العشرات في مختلف السجون الذين يفقدون ذويهم كل عام. ورغم أن الاسرى يعيشون كأسره واحدة ويتضامنون مع بعضهم لحظات الألم والحزن الإّ أنّ قهر السجن وحالة الحرمان ولحظات الحزن تكون كبيرة ومضاعفة لدى الأسير الذي يفقد حتى حريته في الحزن والبكاء والإنفراد بالنفس قليلاً، رحل الكثيرون دون تحقق أحلامهم وأمنياتهم باحتضان ابنائهم وأهلهم وذويهم في حياتهم.
أن اهمال قضية الأسرى ووضعها على الرف والتعامل معها باستهتار وتركها لنوايا الاحتلال يعتبر جريمة ترتكب بحق المناضل كريم يونس وإخوانه الأسرى. والحقيقة أن الأسرى لم يكونوا يوماً على أجندة القيادة الفلسطينية بشكل حقيقي وبقي موضوع الإفراج عنهم شعاراً خالياً من أي مضمون أو التزام طوال السنوات الماضية علماً أن هنالك الآن وبعد صفقة التبادل نحو4800 أسير وأسيرة منهم المئات محكومون بالسجن المؤبد مدى الحياة ومن بينهم 120 أسيراً ما قبل 4/5/1994 (قبل أوسلو) والذين يطلق عليهم إصطلاح "الأسرى القدامى" وهنالك الأسيرات والأطفال والمرضى وكذلك أعضاء في المجلس التشريعي وعدد من القيادات وفي مقدمتهم مروان البرغوثي واحمد سعدات وحسن يوسف.
لقد حان الوقت ليرتفع صوت الفلسطينيين ويرتقي نضالهم وكفاحهم من أجل تحرير الأسرى بعد ان أهملت القيادة الرسمية هذه القضية تاركة للاحتلال التحكم في وجهة القضية وسيرها.
اننا على ثقة انّ الشعب الفلسطيني وفصائله وقواه لن تتخلى عن الأسرى الذين ضحوا بحريتهم في سبيل حرية شعبهم ووطنهم وأن الوفاء لن يقابل الإّ بالوفاء وسيظل كريم يونس رمزاً وطنياً ومثالاً للصبر والصمود والإيمان بحتمية الإنتصار.