تتفاقم في كل يوم، أزمة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، إذ يتكاثر عدد المعارضين له، من بين النخب المؤثرة في الداخل، بل في عَصَبْ النظام، على النحو الذي يجعل مهمته مستحيلة، في أية انتخابات مقبلة، هو والتيار الكذوب الذي يمثله..!
وبدل أن تكون زيارته للقاهرة، بشفاعة مؤتمر "منظمة التعاون الإسلامي" اختراقاً مثلما أراد لها نجاد أن تكون؛ فقد تمخضت عن انتكاسة لمحاولات فك العُزلة وإقامة الجسور مع العالم العربي، وفي الوقت نفسه التمسك بسياسة التدخل السافر في سوريا ضد شعبها، ودفع أكلاف باهظة لهذا التدخل الشائن، على حساب قوت الشعب الإيراني.
شخصيات من الوزن الثقيل في طهران، ضاقت ذرعاً في الآونة الأخيرة، من سياسات الرئيس محمود أحمدي نجاد. فاحتياطي النقد الأجنبي سينفد تماماً قبل نهاية هذه السنة، وقيمة العملة المحلية هبطت الى النصف، خلال العام المنصرم، وهبط النمو السنوي في الدخل القومي الإجمالي، الذي بلغ 6% قبل تطبيق العقوبات الغربية، الى ما دون الصفر. وبات القطاع الخاص في الاقتصاد الإيراني، بيد شريحة من النخبة المقربة من "الحرس الثوري" وهي التي تملك وحدها، حق شراء القطع الأجنبي من الدولة، بأسعار زهيدة لتمويل الواردات والاستحواذ على السوق، مع إضعاف الاقتصاد الوطني والإجهاز على الاحتياطي ورفع معدلات التضخم وإلهاب الأسعار..!
سياسة نجاد، تضع إيران بين شقيْ الرحى: إما الذهاب الى تصعيد مع الأمريكيين لجرهم الى عمل عسكري يضع الإيرانيين أمام مخاطر تضطرهم الى الالتفاف حول قيادته، أو التسبب في المزيد من العقوبات، التي سينجم عنها وضع شبيه بالوضع الاقتصادي العراقي قبل الغزو. وبسبب هذه الوقائع، سُمعت في طهران، للمرة الأولى، تصريحات غير مألوفة لعدد من رجال النظام مثل علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الأسبق والأشهر، ومنوشهر متقي، وزير الخارجية السابق الذي لم يتردد في القول علناً:"إن ترميم العلاقة مع الولايات المتحدة، هو بمثابة مشروع قومي"..!
لهذا السبب، تجاوز أحمدي نجاد، عن التباينات بينه وبين الرئيس محمد مرسي، حيال قضايا عدة مهمة، كالصراع في سوريا، لكي يفتح مساراً آخر الى صيغة للعلاقة مع الأمريكيين، مع الإيحاء بأنه أحدث اختراقاً جيوسياسياً. ويقول الإصلاحيون في إيران، إن ممثلي "المرشد الأعلى" علي خامينئي وبعض خاصته، هم الذين يُروجون إشاعات عن مفاوضات سرية تجري الآن مع الأمريكيين. ويدور الحديث عن مأزق حقيقي لدى المرشد نفسه ولدى نُخب السلطة، إذ كيف لهم أن يوفقوا بين الخطاب الإيراني العلني، الذي يهجو أمريكا في كل صلاة، كعدو وشيطان أكبر، وواقع التعاطي الفعلي مع هذا العدو، توخياً للمنافع؟!
ارتباك حقيقي، جعل التعارض في وجهات النظر، يطفو الى السطح على نحو غير مسبوق في حدته وجذريته. والمقربون أكثر من المرشد، يقولون ما معناه، إن إيران ستخسر نفسها، إذا تعاونت علناً مع الأمريكيين، لأن هؤلاء سوف يضخّون القيم الغربية الى المجتمع الإيراني. وفي شهر كانون الثاني (ديسمبر) الماضي، عبرت افتتاحية صحيفة "كيهان" المعروفة بأنها تعكس وجهات نظر "المرشد الأعلى" عن امتعاضها من "ممارسات شخصيات نافذة، تحاول إقناع المرشد الأعلى، والضغط عليه كي يتخلى عن مواقفه الثورية ويتفاوض مع الأمريكيين". في ذات الأثناء، كان المعنيون بحديث "كيهان" يرددون أن المفاوضات جارية سراً، وأنها أولاً وأخيراً، تمثل مشروعاً يمتلكه "المرشد الأعلى"..!
في هذا المناخ، بدا الرئيس الإيراني عاجزاً عن إحداث نقلة معتبرة بتأسيس علاقة وطيدة مع مصر. وها هي مشكلات إيران مع جوارها العربي تزداد تفاقماً. وكانت واقعة ضبط اليمنيين للسفينة الأيرانية "جيهان 1" المحملة بالسلاح المرسل للحوثيين؛ دليلاً لإدانة سياسات نجاد بأثر رجعي. ويُعد انكشاف حمولة السفينة من المتفجرات، سبباً للمزيد من التضييق على نجاد في الداخل والخارج، وضرب صدقيته في مقتل. فبالنسبة للداخل، انكشف أكثر فأكثر، الجانب المغامر أو المقامر من سلوكه. أما بالنسبة للخارج، فقد بدا واضحاً أن نهجه جعل إيران في موضع الإدانة بتهديد الاستقرار والعبث بأمن منطقة الخليج.
إن وضع إيران الاقتصادي الخانق، فضلاً عن استنزاف إيران في معركة خاسرة وغير عادلة في سوريا؛ سيضع نجاد على طريق الرحيل، لا سيما وأن شخصيات مهمة من النظام، جاهرت وتجاهر بالاعتراض الحاد على سياساته. فها هو يتخبط ويتبع الأسلوب نفسه الذي اعتمده النظام السوري وتمسك به حتى أوصل سوريا الى الكارثة. إنه الإنكار والحديث عن مؤامرة وعن "عملاء" يستخدمهم المستعمرون، وهذا حديث يفتقر الى المنطق، ويتعامى عن الحقيقة ويثير السخرية..!