بالتزامن مع الحديث عن اهتمام متزايد لدى واشنطن بتحريك المسار السياسي وزيارة مقبلة خلال أيام لوزير الخارجية الأمريكية الجديد جون كيري تمهيدا ًللزيارة التي سيقوم بعا الرئيس أوباما للمنطقة في أواخر آذار المقبل، وفي الوقت الذي يعبر فيه أكثر من زعيم أوروبي عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على أساس حل الدولتين، وفي حين يرى الكثير من المراقبين بأن نتائج الإنتخابات الإسرائيلية الأخيرة تؤكد بأن هناك قوى في إسرائيل لا يُستهان بها تُريد أن ترى نهاية للصراع، في كل هذه الأوقات نشهد هجمعة مسعورة تقوم بها الجهات الإسرائيلية الرسمية تُحاول تقويض كل الآمال بالإنفراج السياسي والتحرك على مسار التسوية.
هذه الهجمة تتمثل في الهجمة الإستيطانية الشرسة في مختلف أنحاء الضفة الغربية بما في ذلك القدس حيث تمضي سلطات الإحتلال في تغيير معالم المدينة وفي قلب البلدة القديمة حيث يجري هدم المنازل التاريخية دون اكتراث لقيمتها التراثية الإنسانية بغية توسيع ساحة المبكى وتكريس واقع الإحتلال، وتصعيد حملة هدم المنازل الفلسطينية وتشريد الناس الآمنين العٌزل من بيوتهم في هذا الشتاء القارس، وارتفاع وتيرة الإعتداءات المتواصلة من قبل المستوطنين ضد أبناء شعبنا العزل من البدو والحضر وخاصة في شمال الضفة وجنوبها والأغوار، وإطلاق اليد بسهولة على الزناد مما أدى إلى قتل العديد من المواطنين خلال الفترة الأخيرة، وتمادي إدارة السجون في الإنتهاكات النمطية لحقوق الأسرى والمعتقلين في السجون الأسرائيلية.
ومن حقنا أن نتساءل: ما الذي تبغيه سلطات الإحتلال، ولماذا تصمت أمريكا ودول الإتحاد الأوروبي إزاء هذه الأنشطة الإستباقية التي تقوم بها المؤسسة الإستيطانية والعسكرية الإسرائيلية على سمع العالم وبصره. وإذا كان العالم يطمع في التوصل إلى حل ٍللصراع الإسرائيلي الفلسطيني فلماذا يسمح لإسرائيل بقتل حُلم السلام قبل أن يولد.
لقد مضى قرابة عشرين عاما ًونحن نعيش في دوامة ٍأسموها العملية السياسية، وكان من أبرز معالم هذه الدوامة هو إصرار واشنطن على منع أي دور أوروبي أو تدخل روسي بحجة أنه لا يجوز "إزعاج" عملية السلام وظلت أمريكا في المقابل تُغدق على إسرائيل المساعدات المالية وتُمدها بأحدث أنواع التكنولوجيا العسكرية التي تُطورها ترسانة الأسلحة الأمريكية بحجة تبديد مخاوف إسرائيل وتشجيعها على التجاوب مع "الجهود المبذولة" لدفع عجلة الحل السياسي إلى الأمام، وأكثر من ذلك فقد قامت الأدارة الأمريكية بتدمير القدرة العسكرية والإقتصادية للعراق لأراحة إسرائيل مما كانت تدعيه من خطر الجبهة الشرقية، وتقود أمريكا الحملة المسعورة ضد البرنامج النووي الإيراني، وتتباطأ في إيجاد مخرج للأزمة السورية انتظارا ًلاستكمال تدمير القدرة العسكرية والإقتصادية والبنية التحتية السورية تماما ً كما تم في العراق، وربما سيكون هذا هو مآل ما يجري اليوم في مصر لا سمح الله، وفي أقطار عربية أخرى تتعرض للإبتزاز، فإما أن تسير حسب الأهواء الأمريكية الإسرائيلية واما أن تتعرض لما تعرض له غيرها من الأنظمة العربية التي باتت تتداعى الواحدة تلو الأخرى لتغرق في الفوضى والتدمير الذاتي.
واليوم لا بد من التساؤل عما حققته هذه السياسة مع إسرائيل. هل وفرت لدى الإسرائيليين الشعور بالأمن والإستعداد للتعاون مع المجتمع الدولي لإيجاد مخرج ٍ الوضع الراهن أم أنها زادت الشهية الأسرائيلية لمزيد ٍمن الدعم العسكري الأمريكي وإلى مزيد من الإستيطان وإلى مزيد من التطلع نحو الهيمنة على مقدرات المنطقة والتحكم في مصائر شعوبها.
وثمة تساؤل ٌآخر لا يحتاج إلى جواب: ما الذي فعلناه نحن لأحباط ما يُحاك ضدنا من مؤامرات؟ هل أخذنا زمام المبادرة أم أننا اكتفينا بالقول بأن كل أوراق اللعبة بيد أمريكا وأن علينا أن نثبت للعالم رغبتنا الصادقة في السلام واستعدادنا للألتزام بالشرعية الدولية والأنتظار لكي تقوم هذه الشرعية بإنقاذنا مما نحن فيه؟
نحن لن نكتف بذلك بل تصارعنا وبددنا طاقاتنا، ولا نزال، ونحن نلهث وراء سراب الحكم الزائف وشهوة التسلط ولكن على بعضنا البعض لا على من هم يتسلطون علينا.
في هذه الأيام تدور محادثات في القاهرة لتنفيذ المصالحة وإعادة تفعيل وإصلاح منظمة التحرير وكل الأسطوانة التي بات الصغير يعرفها قبل الكبير. وكل تلك المحاورات وامناقشات تجري في أجواء مريحة للتنافس على قدرة المناكفة والمراوغة والمحاورة البيزنطية وكأن شيئا ًلا يجري على الأرض وكأن لدينا الوقت كل الوقت ولا داعي للعجلة التي فيها الندامة..!!
الزيارات الأمريكية القادمة للمنطقة سواء الوزير كيري أو الرئيس أوباما لن تُسفر عن أكثر من إستئناف المفاوضات السياسية وهو أمر لم ترفضه الحكومة الأسرائيلية الحالية المنتهية مدتها ولا الحكومة القادمة التي سيشكلها نتنياهو نفسه. لقد سئمنا رؤية هذا الفيلم الذي شاهدناه مئات المرات ولا نهاية له، فهل سنعود للمرة الألف للتفاوض من أجل التفاوض أم أن علينا البحث عن وسيلة تجعل العالم يحترمنا ويأخذنا بجدية ويحسب لغضبنا حسابا ًويجعل للتفاوض هدفا ًومدة ًزمنية ًوإطاراً مُلزماً؟
إن ما نفعله إسرائيل على الأرض سواء الإستيطان أو القمع خارج السجون والمعتقلات أو داخلها أوتغيير معالم القدس والتمادي في المساس بالمسجد الأقصى وامتهان قدسيته، كل ذلك إن دل على شيء فإنما يدل على فشل السياسة الأمريكية في التأثير على إسرائيل بل وتحولها إلى أداة تُسهل على إسرائيل الإستمرار في تنفيذ مخططاتها التوسعية، ويدل أيضا ًعلى رغبة إسرائيل في استمرار توتير الأوضاع وتأزيمها لأن التوتر والتأزم في المنطقة هو أفضل الأجواء لاستمرار تنفيذ هذه المخططات.
سيحترمنا العالم إذا احترمنا أنفسنا وخرجنا بأسرع وقت ٍممكن من دوامة الإنقسام واحترمنا شعبنا وحقوقه وجعلناه يُسهم في الأداء المطلوب لفرض إرادته على الطرف الآخر وانتزاع حقه منه. أما الإستمرار في الإنقسام حتى ولو أجريت له عمليات التجميل، والإستمرار في قمع شعبنا وتزييف إرادته فإن ذلك لن يقودنا إلا إلى مزيد من الهوان واستهانة الآخرين بنا وإنكارهم لحقوقنا والمن علينا بالفتات الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع..!!