من يستمع الى أحاديث حكومة تسيير الأعمال، أو يلتقط ما تتعمد الإيحاء به، يشهد للصحفي الأمريكي اليهودي توماس فريدمان بالفطنة وبالرؤية البعيدة. فهو أطلق على مرحلة هذه الحكومة، وصف الفيّاضيّة الماكثة، نسبة الى اسم رئيسها الذي يختزل وحده، كل المقاصد التي ذكرها فريدمان، وشرحها من بعده الشارحون. فمن يُقابل أو يحاول الربط بين السياق العام لتصريحات وتلميحات بعض وزراء حكومة تصريف الأعمال وأحاديث المصالحة، في مدّها وجَزْرِها؛ يستنتج أن الفيّاضيّة لا تقبض حرفاً مما يُقال عن خطوات وشيكة لتحقيق وحدة الكيانية الفلسطينية، وهي تتصرف على أساس أنها ماكثة، ويشعر أن الآفاق ستظل مسدودة أمام بدائل هذه الحكومة، وربما مفتوحة لها لكي تنقّح نفسها بنفسها، لتكثيف فيّاضيتها. أما غير ذلك من حكايات، فما هو إلا من "خراريف" الفلسطينيين وأحلام يقظتهم، التي لازمت كل مرحلة، بينما الأمور كانت تتجه الى ما يدحضها ويناقضها.
فكلما شوهدت واحدة من أمواج البشائر المتتابعة عن مصالحة تبدأ بتشكيل حكومة انتقالية أو مؤقتة أو مستقلة؛ نلاحظ أن حكومة تصريف الأعمال الراهنة، تتعمد التلميح بخطوات "استراتيجية" لا يخطوها إلا الماكثون، إذ تتعلق ببنية مؤسسات السلطة، ومستقبل الجهاز الحكومي، ومصير الموظفين العموميين، وذلك كله على النحو الذي لا تجرؤ عليه، لوحدها، حكومة حزب منتخب، حاز على أكثر من ثلثي مقاعد البرلمان، فما بالنا بحكومة تسيير أعمال، لا تستند الى قاعدة تمثيلية أو الى مصادقة برلمانية..!
بعض التعبيرات التي تبدو في ظاهرها نوعاً من تفاعل الحكومة مع أحاديث المصالحة، تتخذ طابعاً كاريكاتورياً أقرب الى المزاح، إذ يخرج ـ مثلاً ـ الوزير نفسه الذي أبلغنا قبل ساعات، برقم العجز المهول في الموازنة (بخلاف رقم المديونية) ليقول ما معناه بلهجة غير مازحة، إن الأمور تتجه الى استحداث مُلحق محاسبي للموازنة، يتعلق بالمستخدمين الذين فرّغتهم "حماس". وبصراحة، لأن الرجل غير جادّ فيما يقول، أو لا يمكن أن يكون جاداً، لا ترى حاجة لمناقشته كي نقنعه بخطورة الجمع بين الآثار الفادحة التي ترتبت على فسادنا الإداري المتراكم عبر عقود، مع آثار الفساد العاجل ـ كعربات الإسعاف ـ الذي ذهبت اليه "حماس" مدفوعة بهواجس السيطرة وعلو الشأن السلطوي وألقاب الإدارة والإمارة.
ربما يكون حديث حكومة تسيير الأعمال وإيحاءاتها، من باب الالتزام الذي أوصانا به الرسول الكريم:"من مات وفي يده فسيلة، فليغرسها". لكننا على الرغم من ذلك نسأل: من أين استمدت هذه الحكومة كل هذه الثقة بالنفس، الى الدرجة التي أحسّت معها بالأحقية والجدارة في رسم مصائر المشتغلين في الخدمة العامة، وإدارة حوار مجتمعي يناقش مقاربات تتعلق بتحولات كبرى على صعيد هؤلاء؟!
بالتأكيد، ليست المديونية التي ارتفعت الى معدلات مهولة، هي سبب هذا الإحساس، ولا الهدر على رواتب خرافية للفيف من ذوي العقود. ولا النفقات الاستثنائية والأعطيات، هي السبب، ولا تجلط الدم في شرايين الجهاز الحكومي، الى حد العجز التام عن إصلاح أي شىء خاطيء. وليس سبب هذه الزهو، بطلان البشائر عن اكتمال بناء مؤسسات الدولة واقتراب موعد اكتفائها الذاتي. ربما تكون بعض الإنجازات المشهودة هي التي أنشأت الإحساس بالجدارة في قيادة التحولات الكبرى. فقد شاهد الناس، سواء الذين حضروا أو تابعوا عبر وسائل الإعلام، كيف أفتُتحت رسمياً، بقص الشريط الأحمر تلو الشريط، مناسبات الانقضاض على أضخم رغيف مسخن، وأعرض صحن حمّص، وأكبر "سِدِر" كنافة وأطول حبة قطائف، وأوسع وأخطر مَنْسَفْ، وغير ذلك من المطُلقات البهيجات، الكاسرات للأرقام القياسية. وفي الحقيقة، نحن مع الفرح، ومع تخليق لقطات التفوق الإعجازي، وقد أيدنا الفيّاضّية كلما تمحك بها ضحل أو موتور، أو من هو أقل منها مناقبية، وكلما قورنت بمتبجحين على قاعدة انتساب فصائلي وتاريخ مزعوم. فهؤلاء، عندهم من النرجسية ومن أوهام الأحقية في رسم مقادير الناس، بغير وجه حق؛ أكثر مما عند الفيّاضيّة بكثير..!
إن ما ندعو اليه، هو أن تستجمع فلسطين عقلها وحكمتها وكفاءات مجتمعها، وتقاليد شعبها وتاريخه النضالي، لكي لا يقع الفلسطينيون تحت مزاج أي كان، ولكي لا تأخذهم المصاعب والحصارات، الى حال القنوط والإحباط، لكي ينتظروا المُنقذ الفرد "الفلتة" الذي يجري تسويقه، كأنه مندوب الأقدار، ويحق له أن ينطق ويقرر.
للفياضّية الحق في أن تنشغل عن أحاديث المصالحة، وأن ترى نفسها مثلما تشاء، وأن تزعم لنفسها الجدارة في المكوث أكثر فأكثر. أما الذي لا حق لها فيه، فهو التلويح بخطوات "استراتيجية" على حساب الناس البسطاء والطبيعيين، وليس على حساب أصحاب العقود الخاصة، والوظائف الوهمية، والإحداثيات الوظيفية التي بُنيت على باطل، والنفقات غير الخاضعة للمساءلة والتدقيق، ومنها نفقات مفتعلة، تحت عناوين دراسات الجدوى أو الاستشارات.
نأمل أن تلتزم حكومة تسيير الأعمال حدودها، وأن تكف عن الربط بين التصريح بسوء الأحوال المالية، والتلميح بضرورة اتخاذ خطوات تطال العاملين بالجملة وبدون تمييز، من ذوي المسوّغات الوظيفية الطبيعية. وهذا رجاء على أساس أن الفياضيّة ماكثة، ولا تتوافر الشروط الموضوعية لرحيلها، لأن أحاديث تطبيق اتفاقات المصالحة، يبدؤها المتحادثون الآن، من حيث ينبغي أن يكون الختام..!