التصرفات والكلمات نتاج طبيعي لما يحمله الإنسان من مخزون ثقافي ومعرفي، ولما خطه لنفسه من سبل وطرق يسير بها في طريقه، فقد قال أحد الحكماء: إذا أردت أن تعرف نية شخص ما فانظر ماذا يفعل.
والسياسة ممارسة تنم عن منهجية صاحبها في التفكير وعن المدرسة التي ينتمي إليها، بجانب الأدوات والمعلومات وأوراق الضغط التي يستند إليها في تصريحاته وقراراته ومبحاثاته ومفاوضاته، وهنا سنستعرض ثلاثة مشاهد للإنهزام النفسي لدى بعض صناع القرار السياسي العربي.
المشهد الأول: اللجنة الأمنية المنبثقة عن جهود المصالحة الفلسطينية – وبحسب مصدر موثوق – جلست حتى اللحظة حوالي ثلاثين جلسة وفي أكثر من بلد ومدينة في العالم وما زالت تراوح مكانها في نقطتها الأولى والتي تريد أن تعرف العقيدة الأمنية لدى رجل الأمن الفلسطيني، ففريق يريدها عقيدة مبنية على حماية الوطن والمواطن، والفريق الثاني يريد العقيدة التي تحافظ على اتفاقية أوسلوا بحجة أن المحافظة عليها محافظة على المصالح العليا للشعب الفلسطيني!
أما مشهد الثاني، فقد اجتمعت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير أثناء معركة حجارة السجيل بقيادة محمود عباس وذلك في مقر المقاطعة برام الله، وأثناء الإجتماع فإذا بالمقاطعة ترتج بصوت التكبير، فيتفاجأ محمود عباس والحضور ويسألون ماذا هنالك؟ فقالوا له صاروخ يسقط في تل الربيع (تل أبيب)، فوضع يده على رأسه وخرج عن طوقه وأمر بحصر أسماء جميع أعضاء الحرس الذين كبروا وفرحوا بقصف المقاومة لتل الربيع وتوعدهم!
والمشهد الثالث لعمر سليمان – رئيس المخارات المصرية الأسبق - ففي بداية معركة الفرقان طلب من وفد "حماس" أن يعلنوا الإستسلام لتقف الحرب، وتقبل بشروط العدو الصهيوني، وتوافق على مطالبه ومنها الموافقة على منطقة عازلة بعمق 300 متر، وكانت حجته لهم أن امبراطور اليابان قد استسلم ولا عيب في ذلك، وأنكم لستم بقوة العدو! وبعد صمود الوفد ورفضه لهذه المطالب، وصمود المقاومة وأهل القطاع، وبعدما يأس العدو من تحقيق ما يصبوا إليه، وصلت معلومات لعمر سليمان أن أولمرت سيعلن وقف إطلاق النار من طرف واحد الساعة السادسة مساء الأربعاء 18/01/2009، فأرسل على وجه السرعة لقادة المقاومة في غزة وطلب اجتماعاً عاجلاً في القاهرة، وصل الوفد ظهر الأربعاء واجتمع به عمر سليمان، وأخبرهم أن أولمرت يريد إعلان وقف إطلاق النار من طرف واحد اليوم السادسة مساءاً، ولا بد من اتفاق معه حتى لا يذهب لذلك من طرف واحد! فأجابه وفد المقاومة وماذا سنتفق معه، هو أعلن الحرب وهو يعلن وقفها أما نحن فهذا لا يعنينا، فمقاومتنا مستمرة، ومكث يحاورهم من ظهر الأربعاء حتى الحادية عشر مساءاً حين أعلن أولمرت وقف العدوان من جانب واحد، فصعق عمر سليمان لأنه لم يثني الوفد المفاوض عن موقفه، وخصوصاً أنه أرسل للعدو رسالة طالبهمم فيها بأن يؤجل أولمرت إعلان وقف إطلاق النار خمس ساعات لإقناع المقاومة بوجهة نظره!
هذه المشاهد وغيرها الكثير، وما سنسمعه أكثر لدلالة واضحة على الإنهزام النفسي والثقافي والمعرفي لأصحاب القرار في الكثير من بلدان العالم العربي والإسلامي وهو ما أدى بالأمة لهذا الإنحدار الخطير بين الأمم.