طرحت الثورات الشعبية، التي اندلعت في بعض البلدان العربية، عديداً من المسائل التي طالما جرى حجبها، والسكوت عنها، في ظل النظم الاستبدادية السابقة، يأتي في مقدمتها قضايا تداول السلطة، والمرجعية الدستورية، ومصدر السلطات، ومضمون المواطنة، والهوية، وعلاقة الحرية بالديمقراطية، وكلها قضايا تفتح على إشكالية العلاقة المتوتّرة بين الديني والدنيوي، وبالتالي بين التيارات السياسية الدينية والتيارات السياسية المدنية.
وما فاقم من هذه القضايا واقع ازدياد نفوذ التيارات الإسلامية، بعد هذه الثورات، وصعودها إلى سدّة السلطة في عديد من بلدان الربيع العربي، إلى حد أن البعض بات يعتبر أن ما يحصل هو بمثابة ثورات "إسلاميين"، وأننا نعيش زمن "الربيع الإسلامي"، بعد أن أفل زمن التيارات القومية واليسارية التي سادت خلال النصف الثاني من القرن الماضي.
وقبل تفحّص حيثيات هذا الموضوع ينبغي لفت الانتباه إلى بعض الحقائق، وضمنها: أولاً، أن ثورات "الربيع العربي" مازالت كعملية لم تنته بعد، لذا ثمة تسرّع وتعسّف في محاولة إصدار أحكام نهائية بشأن مآل التجاذبات الجارية في المجتمعات العربية، بين التيارات الإسلامية على تنوّعاتها، وبين التيارات المدنية على تعّدد مرجعياتها الفكرية.
ثانياً، إن الحديث عن التيارات الإسلامية ينطوي على تعميم، وتبسيط، لأن هذه المسائل متعلقة بالمرجعيات الدستورية وكنه الدولة والمواطنة ومفهوم الحرية ومعنى الديمقراطية. وهذا يعني أن التنوع والتعددية والاختلاف التي تشمل مرجعيات التيارات المدنية (اليسارية والعلمانية والليبرالية والقومية)، باتت تشمل أيضاً التيارات الإسلامية. هكذا ففي مصر، مثلاً، ثمة حزب "الحرية والعدالة"، المنبثق عن حركة "الإخوان المسلمين"، وحزب "النور" السلفي، وثمة أيضا التيار الصوفي، وجماعة الجهاد، والتيار الإسلامي "الجهادي"، و"التكفيري"، هذا فضلاً عن شمول هذه التعددية كل مذهب من المذاهب الإسلامية (لاسيما المذهبين الرئيسين السنة والشيعة).
ثالثاً، ما ينبغي ملاحظته أن التجاذبات بين التيارات الإسلامية والتيارات المدنية لا تأخذ جانب الجدال الفكري، على نحو ما جرى في الغرب، إبان الصراع بين التيارات الكنسية وتيارات الإصلاح الديني (في القرنين 16 و17)، وبعده التيارات العلمانية، بقدر ما أنها تأخذ شكل الخلاف من حول مسائل مدنية، تخصّ قضايا الدولة وإدارة المجتمع، والهوية والمواطنة، وحرية الفرد ومعنى الديمقراطية، أي أنها لا تدور حول الدين في حد ذاته، ولا حول الشرائع أو العبادات الدينية.
رابعاً، ينجم عن الفكرة السابقة أن الصراع على السلطة هو الذي يشكل مركز ثقل التنافس أو التصارع بين التيارات السياسية، بمختلف تلاوينها الدينية والمدنية، ما يعني أن الصراع يتركز على شكل الحكم والهوية ومضامين الحرية، أكثر مما يتركز على القضايا الحياتية، المتعلقة بتدبر أمور البلاد والعباد، بشأن الارتقاء بالتعليم والاقتصاد والثقافة والعلوم والتكنولوجيا والفن وإدارة المجتمع؛ وهذه مشكلة أخرى.فكرة الشرعية والدولة والمواطنةهكذا ففي قضية الدولة، والسلطة، وشكل النظام السياسي، فإن الخلاف بين التيارات المدنية والتيارات الدينية، على تنوعات كل منهما، يتمحور حول فكرة الشرعية، أو مصدر الحكم والتشريع، ومستوى الديمقراطية والحرية. وفي هذا المجال فإن انحيازات التيارات الإسلامية تتراوح بين فكرة "الحاكمية لله"، عند التيارات السلفية المتشددة، إلى اعتبار أحكام الإسلام بمثابة المصدر الرئيس للتشريع، عند التيارات الأقل تشدداً (حالة حركة الإخوان المسلمين في مصر)، إلى فكرة القول بالدولة المدنية، مع النص على دين الدولة (نص الدستور في تونس على أن تونس دولة لغتها العربية ودينها الإسلام).
بديهي أن هذا الوضع يعكس الخلافات والتباينات بين التيارات الإسلامية ذاتها، لكنه يكشف، أيضاً، عن محاولة أطراف منها لإيجاد تقاطعات معينة، أو حلول وسط مشتركة، مع التيارات والأطياف المدنية الأخرى في المجتمع. لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذا لا يحصل في بلداننا، في أغلب الأحوال، عن قناعة ذاتية، أو عن شعور بالمصلحة العليا، وإنما بسبب توفّر واقع معقد لا يسمح لهذا التيار أو ذاك بفرض هيمنته الأحادية، وهذا هو ما يفسر الحال في بلدان مصر وتونس والمغرب.فقد أثارت عديد التجارب في بلداننا الشبهات حول عدم هضم التيارات الإسلامية لفكرة الديمقراطية، وأنها تعتبرها مجرد سلم للوصول إلى السلطة، واحتكارها، وفرض رؤيتها في التشريع وإدارة المجتمع، مثلما حصل في التجربة السودانية، والعراقية (استئثار المالكي بالحكم)، وفي تجربة حكم "حماس" لقطاع غزة (ومثلما حصل في التجربتين الإيرانية والأفغانية/الطالبانية)؛ وبديهي أن بعض القوى الإسلامية تعزز من هذه القناعات بتصريحاتها وممارساتها المتشددة بدل أن تشتغل على تخفيف مخاوف الآخرين منها.اللافت أن التيارات الإسلامية اليوم، وهي في نشوة صعودها إلى سدة السلطة في عديد من البلدان العربية، لأول مرة في تاريخها، تحاول أن تضفي نوعاً من شرعية على محاولتها فرض أجندتها، بدعوى أن التيارات الأخرى، القومية والعلمانية واليسارية والليبرالية، أخذت فرصتها في الحكم، وأخفقت في جلب التقدم والازدهار والطمأنينة إلى المواطنين، وبالتالي فقد جاء دورها لإثبات طريقها، وهذا هو مغزى رفع شعارات من نوع: "الإسلام هو الحل". ولاشك أن هذه القوى تحاول استغلال مظلوميتها في المرحلة الماضية، حيث تعرضت للاضطهاد والقمع والمنع لتبرير سعيها للاستئثار بالسلطة.طبعاً لا يمكن إنكار هذه الادعاءات، من الناحية العمومية، لكن الواقع يقول شيئا آخر، إذ أن أياً من البلدان العربية لم يحكم، في المرحلة السابقة، من تيار بعينه، فإذا تجاوزنا مثلا التجربة الناصرية/القومية، وهي لم تكن فترة طويلة في تاريخ مصر الحديث، ولها مالها وعليها ما عليها، فإن البلدان العربية لم تحكم قط لا من قبل القوميين ولا اليساريين ولا من الليبراليين أو العلمانيين. هكذا لا يمكن، مثلا، احتساب كل من النظام الليبي أو السوري أو العراقي أو اليمني، أو غيرهم، على أي من التيارات القومية أو اليسارية أو الليبرالية أو العلمانية، على رغم ادعاءاتهم، التي لم تكن أكثر من مجرد شعارات للتوظيف والتعمية. أما لجهة المظالم فإن الدول الاستبدادية لم توفر أي تيار، ففي سوريا والعراق وليبيا، مثلا، اضطهد اليساريون والعلمانيون والليبراليون، مع الإسلاميين، ومنعت كل الأحزاب من العمل، وهمشت المجتمعات، وحكمت من قبل أجهزة المخابرات.
إضافة إلى ما تقدم، فإن فكرة "الحاكمية لله" أو فكرة "الحكم الإسلامي" هي طوباوية وميتافيزيقية أساساً، وهي فكرة ملتبسة، إذ تغطي على حقيقة جد واضحة مفادها أن بعض الناس يفوضون أنفسهم بالحكم، باسم الله أو باسم الإسلام، ويعتبرون أنفسهم أوصياء على الدين، وعلى المواطنين (الرعية)، هذا يعني أخذ السلطة، واعتبار أنها ليست مستمدة من الشعب، الأمة، وحرمانه من تقرير بمصيره، ومن المشاركة السياسية. ولا شك أن ذلك ينطبق على اعتبار الشريعة مصدراً للحكم، ذلك أن الشريعة بذاتها لا تحكم، وإنما ثمة بشر يحكمون باسم الشريعة، وهؤلاء قد يصيبون أو يخطئون، لا سيما أن هؤلاء لهم نزواتهم وأهواؤهم ومصالحهم، وهي تختلف من واحد إلى آخر. فضلاً عن ذلك فإن أحكام الشريعة ذاتها ذات طابع تاريخي، عكس الفكرة التي تقول بأن تلك الأحكام مطلقة، وتصلح لكل مكان وزمان، لأن أحوال مجتمعاتنا تختلف تماماً عن أحوال مجتمع مكة والمدينة، اللتين نزل فيهما الوحي، في تلك الفترة، ومن كل النواحي، فضلاً عن أن تلك الفترة كانت قصيرة، وتخصّ مجتمعا محدوداً، بعدده وبأحواله. ومشكلة التيارات الإسلامية هنا أنها لا تميز في قناعاتها تلك بين الدين، وشؤون العبادات، والقيم الدينية السمحاء، المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة، من ناحية، وبين المعاملات والأحكام المتعلقة بإدارة أحوال البشر وتدبّر شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية وغيرها، وهي أمور تتطور مع تطور الحياة البشرية، ومع تطور العلوم والتكنولوجيا.
ولا نأتي جديدا في تحديد هذه المسائل لأن ثمة داخل التيارات الإسلامية اجتهادات مختلفة تتعلق بهذا الأمر، وعن ذلك يقول الشيخ محمد عبده: "ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم (الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده، المجلد الأول، دار الشروق، 1993/ ص106) وهذا ما تحدث عنه، أيضاً، راشد الغنوشي زعيم حركة "النهضة" في تونس، وعديد من قادة حركة الإخوان المسلمين في سوريا ومصر، حيث ورد ذلك في "وثيقة العهد" التي أصدرتها حركة الإخوان المسلمين في سوريا (2012)، كما ورد في البرامج الانتخابية لحزب "الحرية والعدالة" في مصر؛ من دون أن نجزم بأن كل ذلك مجرد سياسة أو موقف مبدئي، لكن مجرد صدوره يعني أن ثمة اختلافات بين التيارات الإسلامية، وأن ثمة محاولة لمراعاة واقع التنوع والتعددية في المجتمعات العربية، وأن ثمة في التيارات الإسلامية من يعتقد بقصور فكرة الدولة الدينية.في مقابل ذلك فإن التيارات المدنية، وهي تيارات علمانية وليبرالية ويسارية وقومية، ومن أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، تبدي نوعاً من حذر وتوجّس من الادعاءات والأطروحات التي تتبناها التيارات الإسلامية، وترى فيها نوعاً من محاولة لاحتكار الحكم والسلطة، وفرض وجهة نظر واحدة، وإقصائية، على عموم المجتمع.وتعتقد تلك التيارات أن صعود التيار الإسلامي إلى السلطة سيؤدي إلى ثلاث مشكلات عميقة، أولها، احتكار السلطة والدولة. وثانيها، تطييف المجتمع وكسر هويته الوطنية. وثالثها، إحداث قطيعة مع العصر ومع العالم، أما البديل الذي تقدمه تلك التيارات فيتمثل في صوغ دستور يراعي التنوع والتعددية في المجتمع، ويضمن للمواطنين الحرية والمساواة والعدالة والكرامة، من دون تمييز ولا لأي سبب.
في هذا السياق، أي في سياق المنازعات والمجادلات والصراعات بين التيارات الدينية والمدنية، برز مصطلح الدولة المدنية، التي لا هي دولة عسكرية ولا دينية (كما جاء في البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية)، كبديل لمصطلح الدولة العلمانية، الذي يثير التيارات الإسلامية، بسبب الخلط بينه وبين مفهوم الإلحاد. اللافت أن البعض رأى في هذا المصطلح نوعاً من تلفيق، أو مداهنة للتيارات الإسلامية، لكنني لا أعتقد ذلك، فكل الأمر أن بعض المصطلحات (مثل العلمانية) لم تتوطّن في البيئة الشعبية، لأسباب عديدة منها نسبة الأمية، وضعف الاهتمام بالثقافة، ومعاداة الثقافة الغربية عند قطاع من الناس، على ذلك ليس ثمة خطأ في استبدال مصطلح ما بمصطلحات يمكن أن تتفهمها، وأن تتقبلها، أوسع قطاعات في المجتمع. هكذا لا يأتي استبدال المصطلح كنوع من مساومة وتنازل، لأن الأساس في هذه العملية هو المضامين المحملة بمفهوم الدولة المدنية، وهي تعني التعامل مع المواطنين بغض النظر عن دياناتهم، وحياد الدولة إزاء المسألة الدينية، وضمان الحريات الدينية، وعدم إقحام الديني في الشأن الدنيوي، والنص على ذلك في دستور، يضمن الحقوق والحريات لجميع المواطنين.
فكرة الهوية والمواطنةلكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الأمر، أي عند حدود الإقرار بمدنية الدولة، فثمة مشكلتان أخريان، الأولى، وتتعلق بطبيعة النظام السياسي أو بمستوى الديمقراطية، والثانية، تتعلق بمفهوم المواطنة والحرية والهوية، ومعلوم أن مصطلح الديمقراطية كان أكثر حظا في الانتشار في البيئة الشعبية من مصطلح العلمانية، حتى أنه غدا مطلباً للتيارات الإسلامية ذاتها، التي كابدت ويلات القمع والمنع من النظم الاستبدادية، التي تحكمت لعقود في البلاد والعباد. لكن مشكلة التيارات الإسلامية هذه مع الديمقراطية متفاوتة من ناحيتي القبول والصدقية، فثمة تيارات معتدلة تؤمن بالديمقراطية، وثمة تيارات ترى فيها مجرد واسطة للوصول إلى السلطة، واحتكارها، إن مباشرة أو مواربة.
وإذا تجاوزنا مسألة الديمقراطية، أي تلك المتعلقة بالفصل بين السلطات، والمشاركة السياسية، وتداول السلطة، فإننا سنقف إزاء بعد آخر يتعلق بفهم التيارات الإسلامية (أو الدينية عموماً) لمسائل المواطنة والهوية والحرية. إذ أن هذه التيارات تميل إلى إضفاء طابع هوياتي على الاختلافات الدينية والمذهبية في المجتمع، والتعامل مع كل جماعة دينية بشكل جمعي، بوصفها طائفة من طوائف المجتمع، وإزاء الطوائف الأخرى. وبديهي أن هذا التعاطي لا يؤدي إلى تحقيق الاندماج المجتمعي، ولا إلى صوغ هوية وطنية وسردية جمعية مشتركة، كما أنه من الناحية الأخرى يصادر حرية الفرد/المواطن، ويلغي حيزه الخاص، والمستقل عن أي جماعة، ما يرسخ الانقسامات العمودية، بدل أن تكون الانقسامات حول قضايا معيشية ومطلبية وسياسية واقتصادية.فوق ذلك، ما عاد في الإمكان، في هذا العصر، تنميط الناس وفق دياناتهم، فالديانة الواحدة باتت متعدّدة، أيضاً، فثمة عند السنّة، كما الشيعة، مذاهب كثيرة، ما ينطبق على المسيحية، فضلاً عن أن ثمة في كل مذهب متطرفين ومعتدلين ومتسامحين، كذلك، فإن أفراد أي جماعة دينية هم كذلك من ناحية وراثية، أما عملياً فثمة بينهم متدينون ولا متدينون، مثلما هناك يساريون وعلمانيون وليبراليون وقوميون، أي أن الصفة الدينية باتت تقصر عن صبغ فرد ما باعتبار ديانته أو مذهبه. وعدا ما تقدم يمكن أن يكون العلماني أو اليساري أو الليبرالي أو القومي أقرب إلى مثيله الفكري والسياسي، من أتباع دين آخر، أكثر بكثير من قربه إلى مثيله الديني المختلف معه سياسياً، بدليل أن كثيراً من الأحزاب والحركات السياسية التي سادت خلال العقود الماضية كانت عابرة للأديان. في هذا الإطار يقول رضوان السيد: "الحركة الإسلامية الصحوية في اتجاهها الرئيسي قامت أو تكونت للحفاظ على الهوية. والهوية مفترسة، وتأكل ولا تؤكَل. لأنّ مطالبها وتطلباتها لا تنفد..لا يستطيع فكر الهوية، وظواهره أو أدواته التأصيلية العقدية أو الإلهية أن يُنشئ نظاماً سياسياً أو اقتصادياً، لكنّ هذا الفكر وتنظيمه الحديدي يتوق إلى إقامة نظامٍ للأمر والنهي باسم الدين، دون أن يكون ذلك «دولة دينية»! (الحياة ـ 17/11/2012).على العموم يبدو أن ثمة شيئاً من التفهم من بعض التيارات الإسلامية لمسألة الحرية الفردية، والمواطنة، ومثلا، يمكن تلمّس ذلك في تصريح للشيخ راشد الغنوشي يقول فيه: "لا أحد يفقه تاريخ التشريع في الإسلام يسمح لنفسه بأن يغير أنماط الحياة من مأكل وملبس ومشرب عن طريق القسر والإكراه والتهديد، فالله خلق الناس أحراراً، ولم يعط لأحد سلطة في أن يقود الناس، حتى للجنة، بالسلاسل". وهذا سعد الكتاتني (أحد قادة حزب الحرية والعدالة ورئيس البرلمان المصري المنحل) يحدد موقف حزبه من قضية الأقباط والمرأة والحجاب بالتالي: "الأقباط شركاء لنا في الوطن، وحقوقهم مصونة بحكم الشريعة الإسلامية نفسها وبأمر إلهي، ثم إننا لن نفرض ارتداء الحجاب لا على المسلمات ولا على غيرهن، فللمسلمة علينا حق الدعوة والنصيحة..وهي تعلم أن الحجاب واجب..لكن الفرض بقوانين وتشريعات غير وارد ولا مقبول". وعن الموقف من دور السينما والمسارح والملاهي والإنترنت، والشائعات عن إغلاقها، قال الكتاتني: "إننا نطالب بالالتزام بالأخلاق، وهذا بالدعوة الطيبة وليس بالقانون". (المجلة العربية ـ لندن 3/10/2011) ومع أهمية تلك التصريحات إلا أن ذلك لا يخفف من مخاوف التيارات المدنية، وهذا ما يفسر كل هذا الاختلاف في مصر وتونس بشأن صوغ الدستور.في هذا الإطار يمكن اعتبار الوثيقة الصادرة عن مؤسسة "الأزهر"، في القاهرة (يونيو 2011)، بمثابة خطوة متقدمة في سياق التفاهم بين التيارات الدينية والمدنية، وقد تضمنت تلك الوثيقة التأكيد على نقاط غاية في الأهمية، من مثل: "تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة"، واعتماد النظام الديمقراطي القائم على الانتخاب الحر المباشر والالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي.
مع ذلك فإن قابلية التيارات الإسلامية لمسائل الديمقراطية والدولة المدنية ودولة المواطنين هي مسألة صراعية ينبغي مواصلة الاشتغال على تطويرها، لاسيما لتفنيد الأطروحات التي تروّج لفكرة مفادها أن ثمة شيئاً جوهرياً في الإسلام يميل إلى العنف، ونبذ الديمقراطية، وهي أطروحات غذّتها النظم الاستبدادية، التي شيطنت التيارات الإسلامية، بنفس القدر الذي أسهمت به في صعودها، بإعطاء الانطباع بأنها البديل.التيارات المدنية والتيارات الدينية في المواجهةمن التجارب الانتخابية، والتجاذبات السياسية، التي حصلت بعد ثورات "الربيع العربي"، بين التيارات الدينية والمدنية، على اختلافاتها، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
1) أن التيارات الإسلامية التي وصلت إلى الحكم في مصر وتونس وليبيا والمغرب، عبر انتخابات نزيهة، لم تحظ بأغلبية كبيرة تمكنها من الحكم لوحدها؛ أي أنها بحاجة للائتلاف مع تيارات مدنية أخرى لتثبيت وصولها إلى السلطة. هكذا، مثلا، فقد حصلت حركة النهضة، في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي (أواخر 2011) على حوالي 41% من مقاعد المجلس (89 مقعداً من أصل 217)، وفي المغرب شكل حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحكومة علماً أنه يحظى على 103 مقاعد في مجلس النواب، من أصل 352 مقعداً، فضلاً عن أنه مع حزب الأصالة والمعاصرة (إسلامي متشدد وله 48 مقعداً) يحظى على 151 مقعداً، أي ما نسبته حوالي 43 بالمائة من مجمل مقاعد البرلمان، أما في ليبيا فقد حصل حزب العدالة والبناء (إخوان مسلمون) على 18 مقعداً فقط من أصل 80 مقعداً، فقط ربما الوضع في مصر جاء مختلفاً ولافتاً، لصالح التيارات الإسلامية، إذ حاز حزب الحرية والعدالة (إخوان مسلمون) مع حزب النور السلفي على 69% من أصوات الناخبين في الانتخابات للبرلمان (المنحل)؛ وهذا ما سنفسّره فيما بعد.
2) ما تقدم يفيد بأن المشكلة لا تكمن في سطوة التيارات الإسلامية، وهي سطوة مبالغ فيها، كما بينت الانتخابات، وإنما تكمن في حركية التيارات الإسلامية، مقابل عجز التيارات المدنية عن تشكيل ائتلاف فيما بينها، هذا حصل في الخلافات بين التيارات المدنية في مصر على المرشح للرئاسة، حيث أدى تعدد المرشحين إلى تشتّت قوتها التصويتية، في حين أن التيار الإسلامي كان موحداً، ما عزز فرصه في الفوز، وهذا ما حصل في تونس، أيضاً، في تحالف حركة النهضة مع تيار "المؤتمر من أجل الجمهورية"، ما جعله يصل إلى رئاسة الحكومة، في حين أن قوته تساوي 41% من مقاعد المجلس الوطني التأسيسي.
3) إن ما يبدو باعتباره دليل شعبية واسعة للتيارات الإسلامية يمكن إحالته إلى بساطة الخطاب السياسي لهذه التيارات، التي تخاطب الحس الديني عند الناس، كما يمكن تفسيره بالدينامية الحركية للتيارات الإسلامية، وشبابيتها، مقابل التكلس والشيخوخة التي تعاني منها التيارات اليسارية والعلمانية والليبرالية والقومية، كما يمكن تفسير ذلك بواقع أن هذه التيارات تحظى على تعاطف من الناس باعتبار أنها كانت ممنوعة في العهود السابقة. لكن هذه الانطباعات ليست شيئا مطلقاً، أو ثابتاً، وهي يمكن أن تؤثر على دورة انتخابية واحدة، تضع فيها الناس التيارات الإسلامية في مختبر الحكم، وتقيم أداءها، وتحاسبها عليه. وقد تبين، في وقت قصير، بأن حركة الإخوان المسلمين التي حازت على أكثر من عشرة ملايين صوت في انتخابات البرلمان (المنحل) تقلصت قوتها إلى النصف في الانتخابات الرئاسية الأولى، وكادت الأصوات التي أخذها مرشح حزبها "الحرية والعدالة" (الرئيس محمد مرسي) تساوي أصوات المرشح المستقل حامدين صباحي، وبالطبع فما كان للرئيس محمد مرسي أن يفوز في جولة الإعادة لمنصب رئيس مصر لولا الأصوات التي منحتها له التيارات المدنية، وضمنها التيارات المناوئة له، والتي وجدت فيه الفرصة الوحيدة للخلاص من كل تركة النظام السابق.
4) ما يعزز الاعتقاد الذي ذهبنا إليه، بشأن المبالغة بقوة نفوذ التيارات الإسلامية، واقع أن ثمة قطاعاً واسعاً من الناخبين لم يشارك في العمليات الانتخابية الجارية في مصر والمغرب وليبيا وتونس، ومثلاً فقد بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات في مصر 62%، وفي ليبيا 60%، وفي المغرب 45%، وفي تونس 52%. هكذا فإذا كان بديهياً أن التيارات الإسلامية استنفرت ما لا يقل عن 90% من جمهورها في الانتخابات، لقدرتها على ذلك، من الناحيتين التعبوية والميدانية، فإن معظم المستنكفين عن الانتخابات هم من التيارات المدنية، أو من غير المحسوبة على التيارات الدينية، ما يخفض من نسبة المتعاطفين مع التيارات الدينية في المجتمعات العربية.
5) كما قدمنا ثمة خلافات، أيضاً، بين التيارات الإسلامية ذاتها، ففي مصر يقف حزب الحرية والعدالة (واجهة الإخوان المسلمين) في مقابلة حزب النور السلفي، وفي المغرب ثمة حزب العدالة والتنمية (103 مقاعد في البرلمان) في مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة (48 مقعداً في البرلمان)، وهكذا الأمر في تونس، وفي ليبيا، وفي الأردن، وسوريا. والمسألة هنا ليس لها صلة بمجرد الاستفادة من هذا الاختلاف بين التيارات الإسلامية، وإنما هي أعقد من ذلك، إذ أن هذا الواقع ربما ينبثق منه النقاش المتعلق بتمدين التيارات الإسلامية، وتقبلها لمنجزات الحداثة، والديمقراطية، هذا حصل في تركيا وماليزيا واندونيسيا، هنا ثمة مفارقة لافتة، فإذا كان التجاذب والتصارع بين التيارات الإسلامية والتيارات العلمانية يؤدي إلى تشدد التيارات الأولى، فإن الجدال والتصارع بين التيارات الإسلامية ذاتها قد يؤدي إلى انبثاق تيارات إسلامية أكثر مرونة وانفتاحاً في رؤيتها لذاتها ولدورها، كما في رؤيتها للسياسة والمجتمع والعالم. هذا ما يمكن استنتاجه من تصريحات شيخ الطريقة العزمية الصوفية محمد علاء أبو العزايم الذي قال في تصريح له: "أتعجب من بعض الفرق والجماعات الإسلامية والسلفية الذين يقولون نريد دولة إسلامية إسلامية..وأتساءل وهل مصر دولة يهودية أو مسيحية ويريدون تحويلها لإسلامية؟". وقال: "نريد دولة إسلامية مدنية على غرار النموذج التركي" تراعى فيها حقوق الأقباط شركاء الوطن. (وكالة الأنباء الألمانية 27/11/2011).وعلى العموم فإن التيارات الإسلامية باتت جزءًا من الطيف السياسي في المجتمعات العربية، ما يعني أنه لا يمكن تجاهل دورها، ولا نفوذها، ولا شعبيتها، وإنما ينبغي التعامل معها على هذا الأساس، لأن هذا ما ينزع عنها محاولاتها إضفاء القدسية على أطروحاتها، وتحويلها إلى أحزاب مدنية، حتى لو تغلفت بالطابع الديني. والحال فإن وضع هذه الأحزاب في دائرة الاختبار، في الحكم، من شأنه وحده أن يكشف عاديتها، وطابعها كأحزاب يديرها بشر عاديون، يمكن أن يخطئوا وأن يصيبوا، ويتم تقييمهم على هذا الأساس، أي على أساس قوانين الأرض، ويتم محاسبتهم في الدنيا، لا في يوم "الآخرة".
أخيراً يمكن القول إن ثمة في السياسة طيفاً واسعاً من المفاهيم وأشكال العمل التي يمكن للتيارات المدنية والتيارات الدينية التوصل إليها، لإيجاد تفاهمات وتوافقات معينة لإدارة البلاد والعباد، سواء مع الصراع أو الشراكة، لكن ذلك يفترض أن يخضع الجميع إلى قواعد النظم الديمقراطية الدستورية، وضمنها الاحتكام للانتخابات، وللمؤسسات التشريعية، والقبول بتداول السلطة، وفصل السلطات، وضمان حرية المواطنين، والمساواة فيما بينهم، أمام القانون، من دون أي تمييز ولا لأي سبب.