في الوقت الذي اعلن فيه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ "حماس" هذا الاسبوع ان المصالحة الفلسطينية تجري على قدم وساق وان الاستعداد لها يأخذ شكله الطبيعي والمسار الصحيح، وان اجتماعا سيعقد في القاهرة لبحث مختلف القضايا المتعلقة بهيكلة اجهزة منظمة التحرير الفلسطينية، تقوم اسرائيل بإلقاء القبض على خمسة وعشرين عضوا من قيادات حماس بينهم ثلاثة اعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني كمقدمة بغية عرقلة المصالحة الفلسطينية بين "فتح" و"حماس" والفصائل الفلسطينية الاخرى وتواصل ممارساتها واعتداءاتها على مدينة القدس وذلك باعلان مخطط استيطاني في ساحة البراق تحت اسم مشروع "مركز عرض وايضاح لحفريات المبكى"..!
هذه الانتهاكات الاسرائيلية باعتقال قادة من "حماس" في الضفة الغربية وقت تستعد فيه السلطة الفلسطينية لاجراء مفاوضات مع الاجهزة الفلسطينية كافة من شأنها ان تُعقّد مسألة المصالح وتعود بالاتهامات بين الجانبين الى سابق عهدها.. خاصة وان كل التقارير تشير الى ان المقدسيين استقبلوا العام الجديد بتصاعد الاعتداءات الاسرائيلية عليهم وعلى ممتلكاتهم خاصة فيما يتعلق بشن حملات اعتقال وهدم منازل ومنشآت مختلفة ومصادرة وتجريف الاراضي، وقد لوحظ ان عددا من الفتية المعتقلين هم من الاطفال وانه يجري التحقيق معهم في زنازين خاصة في المسكوبية خاصة فتية اهالي "سلوان" اضافة الى تقييد الايدي والارجل خلال الاعتقال في السجون الاسرائيلية.
هذه الممارسات الاسرائيلية المتكررة تجيء بعد الانتهاء من الاستعدادات في الضفة الغربية والقطاع لبدء عملية تسجيل وتحديث سجل الناخبين الفلسطينيين وتوفير كل وسائل الدعم لهذه العملية التي ستجري في الحادي عشر من الشهر الجاري التي تستمر من اربعة الى ستة اسابيع لاستكمالها.. فهذه الاعتقالات الاخيرة جاءت لترفع عدد اعضاء المجلس التشريعي في السجون الاسرائيلية الى (15) عضوا غالبيتهم من اعضاء "حماس".. والتي تعتبر ضربة قاصمة للمصالحة خاصة وان عددا من المعتقلين كان يتابع بعض ملفات المصالحة ولا سيما ملف المعتقلين والحريات العامة الامر الذي يؤكد ان اسرائيل ترغب من هذه الممارسات خلق حالة من الفوضى وخلط الاوراق في الساحة الفلسطينية وتخريب جهود المصالحة.. الامر الذي يتطلب من السلطة العمل على اعادة تفعيل المجلس التشريعي المتوقفة اعماله منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007.
هذه الاجراءات القمعية الاسرائيلية هدفها تعطيل الاجواء الايجابية التي سادت المباحثات الفلسطينية في القاهرة والرامية الى تفعيل المنظمة باقرار قانون انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني وتشكيل لجنة انتخابات الفلسطينيين في الخارج والذي حدد نهاية عملها في الثلاثين من الشهر الجاري.
والواقع ان هذه الممارسات الاسرائيلية والتي اضفت على الاجواء الطيبة بين "فتح" و"حماس" نوعا من السلبية خلال اليومين الماضيين الامر الذي يتطلب وقف التراشق الاعلامي الذي من شأنه ان يسمم الاجواء وينعكس سلبا على المصالحة ويسيء الى الجهود التي تبذل من اجل تحقيقها لانهاء الانقسام.
وتأتي الانتهاكات الاسرائيلية الجديدة بعد الانتخابات الاسرائيلية التي جرت في الثاني والعشرين من الشهر الماضي وكلف نتياهو رئيس الحكومة بتشكيل الوزارة الجديدة ودعوة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عددا من ممثلي الاحزاب الاسرائيلية الفائزة في اتنخابات التشريعية للحوار في شأن مستقبل الحل السياسي قبل تشكيل الحكومة الجديدة خاصة الاحزاب الجديدة مثل حزب "يوجد مستقبل" الذي يقوده الصحافي السابق يئير لبيد والذي حصل على موقع ثاني اكبر الاحزاب تمثيلا في الكنيست.. وهذه الخطوة الفلسطينية هي بمثابة رسالة واضحة للقوى الاسرائيلية بعد الانتخابات مفادها ان قضية السلام واحدة من القضايا المركزية وينبغي التحاور مع الفلسطينيين بشأنها على اساس قبول اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 والقدس عاصمة لها... وهذه المفاوضات كما قال الرئيس الفلسطيني محمود عباس لن تكون غطاء لمواصلة الاستيطان والاعتقالات في الضفة الغربية بل انها ستكون حوارا جادا يرغب من خلاله الفلسطينيون الى وضع اسس وقواعد غير قابلة للتلاعب بحيث يكون الاساس فيها حل الدولتين وانهاء احتلال عام 1967 وهو ما يتفق مع مضامين القيادات الفلسطينية كافة.. وهو ما تقوم به السلطة حاليا لشرح وجهة نظرها مجددا بعد قبول فلسطين عضوا او دولة "مراقبا" في الامم المتحدة بغية العمل على عزل شرعية اسرائيل عن الارض الفلسطينية خاصة وان هذا الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية جعل كل الاجراءات الاسرائيلية في اراضي هذه الدولة غير قانوني ويتوجب ازالته، وهو ما اشار اليه الرئيس الفلسطيني، مما يتطلب اللجوء الى المؤسسات الدولية لوقف الممارسات الاسرائيلية المتواصلة لوقف عمليات الاعتقال والاستيطان.
والواقع ان الفصائل الفلسطينية يجب ان لا تؤثر عليها هذه الاعتقالات للشعب الفلسطيني من اجل المضي قدما في المصالحة لأن الوقت احوج ما يكون اليه الان من اي وقت مضى لتحقيق هذا الهدف، لأن العالم يرفض هذه الممارسات الاستيطانية والاعتقالات العشوائية، وأكد عدم شرعية اجراءات اسرائيل فضلا عن ان القرارات الدولية اشارت الى ان هذه الممارسات تشكل عقبة امام تحقيق السلام في ارض السلام خاصة في مدينة القدس بغية استئناف المفاوضات الحقيقية والجادة في قضايا الوضع النهائي بين السلطة واسرائيل وصولاً الى السلام العادل والدائم، بالرغم من ان اسرائيل تواصل فرض ضغوطها واملاءاتها على الشعب الفلسطيني بالاعتقال والحصار وحجز الاموال الامر الذي يترتب عليه اللجوء الى محكمة الجنايات الدولية وتقديم دعوى ضدها بتهمة ارتكاب جرائم حرب من خلالها قيامها بالاعتقالات واسكان مستوطنين في ارض الفلسطينيين المعترف بها من المنظمة الدولية..!
ولعل المهرجان الذي اقامته "فتح" في غزة مؤخراً والذي شاركت فيه "حماس" والفصائل الفلسطينية الاخرى والذي قدر عدد المشاركين به حوالي مليون نسمة بعيداً عن الانقسام يؤكد قدرة الشعب الفلسطيني على التفاهم والتضامن ونبذ الخلافات والعنف، ومصمم على انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية، بل ويجسد قدرة هذا الشعب على امكانية قيام انتفاضة ثالثة في اية لحظة اذا لم تتوقف اجراءات اسرائيل القمعية بالاعتقال والاستيطان والاحتلال، هذا المهرجان الذي قدمت له "حماس" كل التسهيلات لانجاحه واحياء الذكرى الثامنة والاربعين لانطلاقة "فتح"، وانطلاقة الثورة الفلسطينية كان مشهداً لا سابق له لانه كان مثالا للوحدة الوطنية، بخاصة هو انجاز لـ"حماس" مثلما هو انجاز لـ"فتح" عبر الاجواء الايجابية الرامية الى استعادة الوحدة الوطنية.
واذا كانت الولايات المتحدة تسعى لوضع العراقيل امام المصالحة الفلسطينية لكونها تضم حماس وهي المعارضة لاتفاقات الصلح المنفرد مع اسرائيل، ورفضها الاعتقالات المستمرة للشعب الفلسطيني عبر قياداته وكوادره، وكذلك رفضها السياسة الاستيطانية لقضم الاراضي بالضفة وفي مدينة القدس فلماذا توافق اميركا على مشاركة حزب ليبرمان المتطرف وغيره من الاحزاب في حكومة اسرائيل التي يجري تشكيلها حاليا خاصة وان جل هؤلاء القادة الاسرائيليين جاؤوا من بولندا وروسيا وغيرهما، حيث كانوا يعملون حراسا "لبارات" شرقية..! فهل تعني الموافقة على هذه الاحزاب في عهد الولاية الثانية للرئيس الامريكي اوباما عبر وزير خارجيته الجديد جون كيري بقيام حكومة اسرائيلية جديدة تتبع سياسة شوفينية متطرفة ومتغطرسة وعدم السماح لتيار فلسطيني وطني وقومي ومعروف بسلوكياته وعقيدته الاسلامية بالحكومة الفلسطينية الجديدة وبناء الدولة على اسس سليمة وحكيمة تحقق للشعب الفلسطيني آماله وتطلعاته العريضة باقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف..!
الأمل كبير في ان لا تؤثر هذه الاعتقالات والممارسات الاسرائيلية في الضفة الغربية ومدينة القدس على خطط واستراتيجيات الوحدة خاصة وان كل القضايا التي تم بحثها بين كل من "حماس" و"فتح" من شأنها ان تجسد عملية انهاء الخلافات على الساحة الفلسطينية، وتسهم في اعادة بناء ما دمره الاحتلال الاسرائيلي لمدينة غزة ورفع الحصار الجائر عنها، وبدء مرحلة من التوافق الفلسطيني المنشود والذي بذل الاسرائيليون والولايات المتحدة الاميركية جهوداً كبيرة لتغذية هذه الخلافات بين الفلسطينيين بغية عدم الوصول الى توافق منشود..!
نبارك خطوات التوحيد بين الاجهزة الفلسطينية والقضاء على اي خلاف في هذه المرحلة ليكون التئام الشمل الفلسطيني هو الرد العملي والفاعل ضد ممارسات اسرائيل في الاعتقال للساسة من "حماس" و"فتح" وبداية صحيحة للعمل الوحدوي الفلسطيني المنشود في هذه الظروف الحساسة..!