بمجرد أن كلَّف الرئيس الإسرائيلي زعيم حزب "الليكود بيتنا" بنيامين نتنياهو بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، عاود تكرار دعوته للجلوس إلى طاولة المفاوضات، متجاهلاً تماماً أن دعوته منذ وقت طويل قد فقدت أهميتها بسبب مماطلته وإمعانه في بناء وتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي الفلسطينية ومواصلة بناء الجدار وتهويد القدس، الأمر الذي وصل بالمفاوضات والعملية السياسية إلى طريق مسدود، ووضع المنطقة برمتها على أعتاب مرحلة من القلق والتوتر وأجواء الحرب، حيث سيطر على خطابه السياسي والإعلامي والانتخابي مسألة منع إيران من امتلاك السلاح النووي، ودخل في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، ومارس شتى أنواع الضغوط لانتزاع قرار يسوغ توجيه ضربة عسكرية لإيران.
أكد نتنياهو على ضرورة توحيد كافة الجهود ضمن الائتلاف الحكومي القادم من أجل ضمان قدرة إسرائيل على الوقوف في وجه تحدياتها، وقال إن المهمة الأولى أمام الحكومة القادمة ستكون منع إيران من امتلاك السلاح النووي، وجاءت مسألة المفاوضات والسلام في ذيل أهداف حكومته القادمة، في دلالة سياسية واضحة أن دعوته بالعودة إلى طاولة المفاوضات لا تؤسس إلى مفاوضات سياسية جدية مع الجانب الفلسطيني، وأنها مجرد دعوة علاقات عامة، تهدف إلى تخفيف الضغط الدولي على إسرائيل، واستباق أي مبادرة سياسية لإحياء المفاوضات على أساس القواعد المنصوص عليها في خطة خارطة الطريق، وأساس حل الدولتين، وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وإفراغ المبادرة الأوروبية المرتقبة من محتواها، والالتفاف على المطالب الفلسطينية للعودة إلى طاولة المفاوضات، وخاصة مطلب تجميد الاستيطان، ومطلب الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين من المعتقلات الإسرائيلية، والذي سبق وأن تجاهلهما ورفضهما، وواصل إطلاق دعوته المفرغة من أي مضمون للعودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة، وهذا يعني بدون أدنى شك بأن دعوته الجديدة - القديمة ليست إلا دعوة عدمية لا قيمة لها، وللاستهلاك الإعلامي والائتلافي.
تأكيد نتنياهو بأن منع إيران من امتلاك السلاح النووي، يقف على رأس أجندته السياسية القادمة، يستدعي من الجانب الفلسطيني، إمعان النظر بشكلٍ جديٍ وعميق في مستقبل المفاوضات مع إسرائيل، خاصة في ظل انسداد الأفق السياسي، وهروب نتنياهو باتجاه المسألة الإيرانية، وإن توجيه ضربه جوية إسرائيلية للقافلة في الأراضي السورية، والتي تدعي إسرائيل بأنها كانت تحتوي على بطاريات صواريخ مضادة للطائرات في طريقها من سورية إلى حزب الله في لبنان، إنما تهدف من وجهة نظر إسرائيل إلى منع إضافة قدرة هجومية لدى حزب الله ضد إسرائيل، تحت مظلة متطورة من مضادات الطائرات، يمكن أن يستخدمها ضد إسرائيل في حال وجهت إسرائيل ضربة عسكرية لإيران، وهذا مؤشر سياسي وعسكري في ذات الوقت، بأن إسرائيل تجري قياس قوة لمدى قوة النيران وخاصة الصاروخية منها لدى حزب الله في الجبهة اللبنانية من جهة، ولدى المقاومة الفلسطينية في جبهة قطاع غزة من جهة أخرى، وهذا كان هدفاً من أهداف حرب الأيام الثمانية التي تعرضت لها غزة في أعقاب اغتيال القائد أحمد الجعبري في (14/11/2012م).
تأكيد نتنياهو بأن الملف الإيراني على رأس جدول أعمال حكومته القادمة، هو استباق لوصول وزير الخارجية الأمريكية الجديد جون كيري إلى المنطقة خلال الأسابيع القادمة، ورسالة إلى الإدارة الأمريكية والرئيس "أوباما" شخصياً بأن الاتجاه هو إيران وليس السلام مع الشعب الفلسطيني، وهذا يستدعي من الطرف الفلسطيني بكل مكوناته السياسية والتنظيمية في منظمة التحرير والسلطة الوطنية، والقوى السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، الإسراع والعمل، لإنجاح الجهود المبذولة، لإنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة، لاستعادة الوحدة الوطنية تحت عنوان واحد وهو حكومة فلسطينية جديدة واحدة، تُؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني والسياسي والديمقراطي، والشراكة الحقيقية، تكون قادرة على توفير الظروف والشروط الذاتية والموضوعية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني على كافة المستويات أولاً، وحشد الطاقات والإمكانيات الوطنية والقومية، لصناعة موقف عربي داعم ثانياً، وموقف دولي قادر على تحمل مسؤولياته ثالثاً، من أجل إنقاذ المنطقة من خطر الإرهاب الإسرائيلي، ومنع وقوع أي حرب قادمة، وأخذ زمام المبادرة الدولية الجادة، لحل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وتمكين الشعب الفلسطيني من تجسيد إقامة دولته المستقلة ذات السيادة الكاملة على أرضه المحتلة وعاصمتها القدس الشريف، كمدخل حقيقي لبناء السلام العادل والشامل في المنطقة، وعلى الإدارة الأمريكية الجديدة تحمل مسؤولياتها، وأن تدفع زيارة جون كيري المرتقبة للمنطقة، في اتجاه موقف جديد، يُؤسس لمرحلة جديدة بعيداً عن الغطرسة الإسرائيلية، والاستفراد الإسرائيلي، يُعيد الاعتبار للشرعية الدولية، ودور المجتمع الدولي في الكيل بمكيال واحد تجاه كافة القضايا والنزاعات الدولية، ويعيد الثقة المفقودة في الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية.