جاءت الغارة الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، للتذكير بما أوشكنا على نسيانه، وهو أن كل القوى المتصارعة وغير المتصارعة في المنطقة، وعلى الرغم مما يمتلىء به كل منها، من أوهام القوة والجبروت والحسم الاستراتيجي؛ باتت مدعوّة لأن ترى الضعف الذي تمكث في أعماقه، لكي تتأكد بأن حديثها عن عنفوانها، لا يعدو كونه ثرثرة تختلق قوة مزعومة، وأن لا أثر لأوهام هذه القوة، إلا ما يتبدى كارثياً، في ممارسة النزاع الأهلي، أو عند القتل المأمون العواقب..!
الإيرانيون الذين تحدثوا عن الخطوط الحمراء، التي لن يجرؤ طرف على اجتيازها للنيل مما يسمونها سوريا (وهي عندهم بشار الأسد ومن معه)؛ تصرفوا وكأنهم أعادوا ترسيم مسار الخطوط الحمراء، لكي تقتصر على حدود قصر الأسد أو مكان إقامته، أو شرط أن يكون المهاجمين سوريون. أما الروس الغاضبون أبداً، مما يعتبرونه تدخلات "خارجية" في الشأن السوري، لم يروا في الغارة الإسرائيلية "خارجاً" فظاً مستفزاً. ولم يخطر على بال المعارضة التي تنتصر لدم وكرامة وحقوق الشعب السوري، أن تحدد موقفها من غارة، لم يعلن النظام السوري عنها، إلا لكي يلمّح الى التكامل بين دورها وخطط العدو. لم تدافع عن شرفها، بموقف هو في جوهره دفاع عن مقدرات البلاد، وتأكيداً على هوية العدو الرئيسي. فبدل أن تسارع هذه المعارضة الى الإعلان عن إدانة الغارة التي لم يتمكن المحتلون من شنها إلا بسبب التلازم بين الاستنكاف الرسمي السوري عن قتالهم والاستبداد السلطوي الذي يقاتلونه هم كمعارضة؛ سارع النظام الى القول بأن الموقع المستهدف، كان مركزاً لأبحاث من شأنها رفع الكفاءة على صعيد مقاومة إسرائيل..!
وبينما النظام يرسل طائراته لكي تستعرض جبروتها على المدنيين السوريين في مدنهم وقراهم، ويتصرف كما لو أن القوة التي بين يديه، لا يمكن قهرها؛ فقد جاءت الطائرات الإسرائيلية لكي تبرهن على أن هذا الجبروت الموهوم، والمُمَارس على أهل البلاد وحدهم، ليس إلا رزيّة من رزايا التاريخ، عند الاختبار الحقيقي، لأنه جبروت فارغ، يتوارى على الأنظار، ولا يجرؤ على الاقتراب كلما كان المحتلون حاضرين في الجو أو على الأرض..!
جماعة "حزب الله" الذين لا وصف على لسانهم، للبلد النازف، سوى إنه "سوريا الأسد" اقتصرت ردود أفعالهم على الشجب الذي هو لغة الضعيف وليس لغة الطرف القادر على الردع والاستمرار في المقاومة. وعندما يتذرع الحزب بحسابات الميدان الاستراتيجية، وبالتعقيدات الإقليمية أو اللبنانية المحلية؛ فإن السؤال يصبح: لماذا لا تحسب إسرائيل حساباً استراتيجياً أو إقليمياً، علماً بأن قوى إقليمية ودولية تساند الأسد في حرب الإبادة التي يشنها على الشعب السوري، وعلماً بأن هذه القوى نفسها، هي التي تتحدث عن خطوط حمراء وقوة ردع لا تُجارى، وعنفوان لا يطاله عنفوان؟!
إن ما وفرته الغارة الأخيرة من حقائق متجددة، ليس مستغرباً، لأن سورية كانت وظلت مستباحة بالنسبة لإسرائيل، ونفذت كل ما أرادت تنفيذه في أراضيها، من قصف أو إنزال أو تدمير أو حتى تفجيرات استهدفت مقاومين، دون اي جواب من جيش الأسد الواعد أبداً بـ "الاحتفاظ بالحق في الرد في الزمان والمكان الملائمْين". معنى ذلك أن لا خط أحمراً بالنسبة لسوريا عند الإيرانيين، سوى ذلك المخصص للشعب السوري ولمن يتعاطفون معه. وأن لا مساندة حتى النهاية لنظام بشار الأسد، عند من يساندونه، إلا تلك المعونات التي تحميه من إرادة الشعب السوري. وعندما تُقاس الأمور بميزان الحقائق المجردة، يتبدى كل ذوي مزاعم العنفوان والمستأسدين على الشعوب، أو المستهترين بدمها وكرامتها ومصيرها؛ ضعافاً ماكثين عميقاً في مربع الخيبة..!