من مفارقات الالم في مصر الجديدة، انها في الذكرى السنوية الثانية على ثورتها، وبدلا من ان تذهب للاحتفالات واقامة الافراح والمهرجانات، فتحت ما يزيد على سبعين قبرا جديدا، وغصت جنبات المستشفيات بما يناهز ألف جريح، ناهيك عن احراق المزيد من المقرات والمؤسسات، وبدت الذكرى وكأنها مناسبة حزينة، تتطلب المزيد من تقديم التضحيات والخسائر، وكأن مخاضات الدستور وانتخابات مجلس الشعب والشورى والرئاسة وتشكيل عدة حكومات و الالتفاف على المجلس العسكري (طنطاوي وسامي عنان) ومحاكمة مبارك واولاده وبقية اركان قيادته، ومظاهرات ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء والمتحف والاسكندرية وبور سعيد، جاءت كل هذه المخاضات لتقول ان هذا لا يكفي، بل تحتاج الثورة الى مخاضات أخرى، فتصل حد ان يصدر الرئيس القادم من ميدان الثورة وعبر صناديق الاقتراع الديمقراطي اوامره بوضع جزء من الوطن تحت احكام الطوارئ ومنع التجول طوال ساعات الليل.
كان يفترض فيمن امضوا الساعات الطوال في صياغة الدستور ان يذهبوا لصياغة دستور حقيقي لمصر حقيقية عادت لترى النور والحياة بعد عقود من الدفن حية تحت تراب الزمر التي ربطت مصير البلد بيد ألد اعدائه، كأن مثلا يلغون حكم الاعدام، التي على خلفية اصدارها بحق واحد وعشرين متورطا في احداث مقتل ثلاثة وسبعين شخصا في ملعب بور سعيد، اندلعت المواجهات الاخيرة، فمات ما يوازي ذلك العدد، ناهيك عن المعدومين، فهل ستقدم الحكومة على اعدام المتورطين في قتل المتظاهرين الجدد، ولماذا لم يصدر حكما مشابها بحق مبارك ولا بأي من شركائه ازاء الجرائم التي ارتكبونها وراكمونها عبر ثلاثين سنة.
إن فرض الاحكام العرفية ومنع التجول كما انها لا تليق بالرئيس محمد مرسي المنتخب والمتوج من قبل الثورة وجماهيرها، فإنها لاتليق ولا بأي حال كلغة تعامل وتفاهم مع الناس، فهي لغة عدا عن انها قديمة يقضي صاحبها ما تبقى من عمره وراء القضبان كمجرم وطاغية وفاسد، فهي لا تصلح الا في التعامل مع البهائم والقطعان، ولكنها على ما يبدو جزء من مكونات المخاض المتواصل، فالناس وان انتزعوا بعضا من حريتهم، فإنهم لم يتمكنوا من انتزاع لقمة عيشهم، والحزب الحاكم الذي وعدهم بالجنة عشية الانتخابات، خرجوا يقولون له، نريد الجنة، ولكن بعد عمر طويل، نتطلب خلاله قوتنا وقوت اولادنا ودواءهم، وموطئ قدم لعمل شريف.
إن المخاض الدموي المتواصل في مصر بعد عامين على ثورتها، يتطلب ان يتحول ويتجير الى مخاض في الجهد الفكري والدعوي والحواري، وقبول الآخرين على علاتهم، بدون اراقة اي دماء جديدة، ولا اهدار لكرامة اي انسان مصري، مقدمة لاعادة الروح والحياة لما أهدر من ماء وجه الانسان العربي في هذا الوطن العربي.