سيكون الموقف في موضع الاحترام، لو أن المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، أصدرت بياناً تدين فيه الغارة الجوية الإسرائيلية على سوريا، سواء كانت الغارة استهدفت رتلاً محملاً بأي شىء، قاصداً مخازن "حزب الله" أو استهدفت مثلما يقول النظام، مركزاً للبحوث. وسيصبح الاحترام عميقاً، إذا دخل بيان المعارضة في الشرح المبدئي لدواعي الإدانة، مع التنويه الى أن السوريين جميعاً، يرفضون مساس إسرائيل بمقدرات البلاد، وبأي إنسان من أهل سوريا، وأن السوريين لا يختلفون حول طبيعة الاعتداءات الإسرائيلية ومقاصدها، على قاعدة أن أي تدخل في الصراع الداخلي، لن يكون إلا عدائياً، حتى لو استهدف "الشبيحة" إذ إنه سيؤذي المعارضة عامداًَ متعمداً، على مستويين: سمعتها وإمكانيات ومقدرات البلاد. فالثورة السورية تطمح الى إسقاط عاجل للنظام، قبل أن تُباد مؤسسات الدولة ومقومات صمودها واستمرارها، على النحو الذي يبتغيه لها أعداء الشعب السوري الطامح الى الحرية..!
الطريف في بيان جيش النظام السوري، هو البراعة في انتقاء العنوان المناسب للإعلان عن الحادث. فقد حمل البيان تعريفاً بـ "الهدف" الذي أجهزت عليه ست عشرة طائرة إسرائيلية قاذفة من الصف الأول. فهو "مركز بحوث" ليس إلا. وفي هذا إيحاء طريف من النظام السوري الراسخ في أفانين وعلوم الكذب، بأن أقدامه راسخة أيضاً على الأرض، الى الحد الذي يتواصل معه ترف البحث العلمي ذي الطابع العسكري. وكأن سوريا التي أفقر النظام شعبها ومؤسساتها غير الأمنية، تحاكي ألمانيا، التي لم ينقطع علماؤها عن البحث العلمي وتطوير الصناعات العسكرية في ذروة الحرب العالمية الثانية. ومن الطبيعي أن لا يصدق أحد ما يقوله النظام. فالسلطة في سوريا، عاشت حياتها تستعيض عن الانجازات الفعلية بالثرثرة عن نجاحات مبهرة وعن تحفزات للصمود والمقاومة تسرق النوم من عيون الأعداء، فيما هي سلطة فاشلة ومتخلفة، على كل صعيد، باستثناء القدرة على تعزيز قبضة النظام الأمنية الطائفية، التي تمسك بخناق المجتمع..!
* * *
الاستنكاف من قبل المعارضة السورية، عن إعلان الموقف المبدئي الطبيعي، من التدخل الإسرائيلي في الصراع؛ يمد النظام بورقة ثانية مهمة، للدعاية ولتوسيع هوامش القتل وتعزيز وسائله. الورقة الأولى، تدخل على خط الدماء السورية، وتتمثل في محاولات الأسديين، الاستفادة من تكريس بعض السُذج لـ "جبهة النُصرة" باعتبارها فرس الرهان الأنسب، الذي يجابه الذبح المروع بالذبح البليغ. فالنظام في حاجة الى رسالة "النصرة" التي تقول للخارج وللداخل السوري، أن الإصرار على إسقاط بشار الأسد، هو المعادل الموضوعي للقبول بـ "جبهة النُصرة" وبالسلفية الجهادية بديلاً عنه. واليوم عندما تستنكف المعارضتان السياسية والعسكرية، عن تثبيت موقفهما المبدئي من الغارات الإسرائيلية، فإن النظام يتسلح بالمعنى الضمني لهذا الاستنكاف، وهو أن معارضيه والعدو الصهيوني يرمونه عن قوس واحدة، وأن قوى الثورة، لن تتردد في التعاون مع الإسرائيلي في حال تدخله..!
إن هذه الفرضية، في حال رواجها، أو في حال تكريسها بسبب صمت المعارضات السورية على القصف الإسرائيلي لمعدات أو منشآت أو مركبات سورية تابعة للنظام؛ من شأنها الحط من سمعة وشرف الثورة وتمييع قضيتها العادلة. لذا إن المستنكفين عن إدانة القصف الإسرائيلي، الذين يؤمل منهم إدانته وإظهار الاستعداد الجدي للتصدي له ما استطاعوا، في حال تكراره؛ يسيئون لأنفسهم ولتضحيات شعبهم، ويظلمون ثورتهم، ويعززون قوه النظام الذي يقاتلونه، ويخسرون التعاطف الشعبي العربي كما يساعدون على تحسين الموقف الأدبي لأقبح حكومات إسرائيل وأكثرها تطرفاً وحقداً!.
ليتعلم هؤلاء من براعة "حزب الله" الذي لم يتردد ـ قبلئذٍ ـ في إدانة الغزو الأمريكي للعراق، على الرغم من مساندة المرجعيات والأحزاب الشيعية العراقية لواشنطن وتأييدها للغزو بكل قوة. وقتها بدا موقف "حزب الله" محترماً، وإن اكتفى بالإدانة اللفظية، دون المساس بمكانة عبد العزيز الحكيم، أحد أهم دعاة الغزو، كـ "حجة للأمة وفقيهها ونبراس هدايتها" مثلما جاء في نعي الحزب لذلك الرجل في يوم موته..!