إن إنهاء الانقسام، وتحقيق المصالحة الوطنية والأهلية والمجتمعية العميقة والراسخة غير القابلة للتراجع أو الانهيار في الواقع الفلسطيني، يحتاج إلى أمرين، الأول: تجلي الإرادات السياسية العليا، وإبداء النوايا الحسنة، واتخاذ القرارات الحاسمة، من قِبل كافة الأطراف الفلسطينية، خاصة من قِبل طرفي الانقسام، والثاني: اعتماد التدريجية المدروسة، المبنية على الخطة والوضوح، في تحقيق المصالحة، فالخروج من مربع الانقسام البغيض ليس أمراً سهلاً، وليس مستحيلاً في نفس الوقت، إذا ما توفر الاستعداد الذاتي والموضوعي والمناخ السليم بالإضافة إلى إعمال الإرادات الجادة والنوايا الطيبة، التي تدفع باتجاه تحقيق المصالحة باعتبارها مطلب وطني وجماهيري فلسطيني، تُمثل مصلحة إستراتيجية عليا للشعب الفلسطيني، وإنجاز هذه الهدفية يحتاج إلى اتخاذ خطوات جادة، يُبنى عليها المزيد من الإجراءات العملية، لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، واستعادة الوحدة الوطنية، التي تُشكل أساساً لأي عمل وطني وسياسي، ووضع إستراتيجية فلسطينية واحدة لمواجهة الاستحقاقات الماثلة أمام الشعب الفلسطيني حاضراً ومستقبلاً.
منذ لقاء القاهرة الأخير في (17/1/2013م) بين "فتح" و"حماس"، برعاية مقدرة من الأشقاء في مصر، الذي اتخذ العديد من القرارات، خاصة قرار استئناف لجنة الانتخابات المركزية عملها في قطاع غزة، وكذلك أن تستأنف لجان المصالحة المجتمعية والحريات العامة عملها، حيث شهدت الأيام الأخيرة تنفيذاً لهذه القرارات، مما يعكس توجهاً واضحاً من الأطراف الفلسطينية، على إضفاء مصداقية وجدية وثقة في ترجمة الأقوال إلى أفعال.
من المفترض أن تبدأ المشاورات لتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، وأن تُستكمل هذه المشاورات قُبيل انعقاد الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية في (9/2/2013) بالقاهرة، والذي من المتوقع أن يبت في العديد من القضايا الهامة، أبرزها قانون الانتخابات، وتشكيل الوزارة الجديدة، وصولاً إلى الاتفاق على موعد إجراء الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية، وانتخابات أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في الوطن والشتات، الأمر الذي من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة في العمل الوطني والسياسي والنضالي الفلسطيني، تقوم على الشراكة العميقة والراسخة بين كافة القوى السياسية الفلسطينية، ومنظمات وفعاليات المجتمع المدني الفلسطيني، بما فيها الشخصيات المستقلة.
مما لا شك فيه، ودون أدنى تقليل من أهمية، استئناف لجنة الانتخابات المركزية لعملها في قطاع غزة، واستئناف عمل لجان المصالحة، إلا أن هذه الخطوات على الرغم من أهميتها، لن تُحدث المتغيرات المتوقعة والمأمولة في الواقع الفلسطيني، وفي حياة المواطن الفلسطيني، فغالبية لجان المصالحة قد أنجزت عملها منذ بداية تكوينها، ووضعت مخططاتها وهيكلياتها التنظيمية والإدارية، وهي بانتظار تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، التي سوف ترعى وتمول أعمال وبرامج لجان المصالحة، وتُنفذ ما تم الاتفاق عليه، فالتنفيذ من صميم مسؤوليات الوزارات الحكومية المختلفة وذات الاختصاص، لنشر وتعميم أجواء من الثقة والتعاون، وتعبيد الطريق أمام تحقيق المصالحة الأهلية والمجتمعية العميقة في الواقع الفلسطيني وبين الجماهير الفلسطينية التي تضررت جراء الانقسام، وإن الحكومة الجديدة سوف تكون بمثابة الحاضنة الدافئة لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وتعميق الشراكة الوطنية والسياسية والنضالية، المبنية على أساس إستراتيجية واحدة، تحقق مصالح وأهداف وثوابت وحقوق الشعب الفلسطيني.
إن تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، لهي الخطوة الأولى الجادة على طريق الخروج من مربع الانقسام، وهي بداية لتنفيذ ما تمّ الاتفاق عليه في العديد من المجالات الوطنية والمجتمعية، خاصة وضع كافة إجراءات بناء الثقة موضع التنفيذ، سواء فيما يتعلق بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإغلاق ملف الاعتقال السياسي بشكلٍ كامل، أو فيما يتعلق بمنظومة الحريات والحقوق العامة كافة، وبناء أجواء من الثقة المتبادلة، والتعاون المتبادل، في كافة ميادين العمل الرسمية والخدماتية، خاصة فيما يتعلق بعمل واختصاصات الأجهزة والمؤسسات الأمنية، التي يجب أن تكون محكومة بالقانون الذي يحكم عملها على أسس وطنية ومهنية صرفة.
إن تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، يُمثل المنطلق الجدي الذي يحمل دلالات عملية جادة، لتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، والتي بدونها سيبقى كل شيء يراوح مكانه، دون مقارنة الأقوال بالأفعال والممارسات.