صادف يوم السبت السادس والعشرين من الشهر الجاري الذكرى الخامسة لرحيل رجل من أعظم رجالات فلسطين وأكثرهم نبلاً وإنسانية. إنه الدكتور جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والذي بقي وفياً لمبادئه وقيمه الثورية بالضبط كوفائه للموقف القائل أن فلسطين هي وطن الشعب الفلسطيني ولا تجوز المساومة على شبر من الوطن أو المبادئ والأسس التي بنى عليها الرجل كل نضاله الوطني والقومي والأممي.
الحكيم رحل عام 2008 مخلفاً لنا تراثاً من القيم والتجارب الكبيرة والملهمة أهمها الصدق مع النفس ومع الشعب الذي منحه كل الحب والثقة التي مكنته من أن يتبوأ وجبهته مكاناً متميزاً في تاريخ الثورة الفلسطينية، بل لا نغالي إن قلنا أن الرجل كان بحد ذاته قيمة كبرى لأسباب عديدة تتعلق بشخصه وتاريخه الحافل كما تتعلق بما قدمه من اجتهادات ثورية في مجرى الكفاح المستمر منذ أكثر من قرن وحتى رحيله عن الدنيا.
كان يؤرق جورج حبش المفكر والقائد سؤال عمل كل حياته للإجابة الدقيقة عنه ولم يصل لنتيجة يرضى عنها بل بقي مسكون بهم البحث عن إجابة شافية ومنطقية له، وهو السؤال الذي يؤرق الشعب الفلسطيني وخاصة الذين قدموا التضحيات الجسيمة من أجل كسب القضية وتحقيق العدالة، هذا السؤال الذي يقول: لماذا ونحن قدمنا كل ما يمكن من أجل بلدنا منذ بدء الغزوة الصهيونية لأرضنا لم ننتصر؟ ولماذا يستمر المشروع الصهيوني مكتسحاً في طريقه كل المعايير التي يرصدها الثوريون لتحقيق تطلعاتهم في التحرر والديمقراطية.
ربما توصل الرجل للإجابات المعقولة عن أقسام كبيرة من مكونات التساؤل وهناك من اعتقد أن الجواب سهل ويتلخص في فساد وضعف وارتباك القيادة الفلسطينية على مدار زمن المشكلة، الأمر الذي يعني أن فشل الثورة يتلخص في فشل القيادة وليس فشل المنهج بحد ذاته، ورغم معقولية هذا الطرح إلا أن الحكيم بقي متوجسا من أن تكون هكذا إجابة غير صحيحة أو حاسمة للرد على السؤال وهو ما دفع الحكيم لتأسيس مركز دراسات اهتم قبل كل شيء بالإجابة عن السؤال عبر أبحاث ودراسات تناولت تاريخ القضية من جوانبها المختلفة وحاولت واجتهدت في المسألة التي أرقت الحكيم منذ سنوات بعيدة.
رحل الحكيم الرجل الذي كان لرفاقه نعم القائد والأب ونعم الإنسان الذي يبكيه صراخ طفل أو دمعة يراها في عين ابنة شهيد أو زوجته. كان الحكيم مهموماً بمأساة شعبه وحريصاً على الفصل بين اختلاف الرؤية والموقف وبين العلاقات الإنسانية والأخوية التي يجب أن تجمعه برفاقه كما بمنافسيه في الفصائل الأخرى.
جورج حبش كان يعلي شأن الوحدة الوطنية عن كل شعار وقيمة ولهذا كانت أحد أقسام الإجابة عن التساؤل التاريخي حول هزيمتنا وانتصار المشروع الصهيوني هي أننا افتقدنا هذه الوحدة وروح العمل الجماعي وكانت تنجح القوى الأخرى دائماً سواء من الحلفاء والأصدقاء أو الأعداء في شق الصف الفلسطيني وخلق أزمات داخلية تحيل جهد الشعب الرئيسي وقواه الحية إلى كم من التنابذ والمهاترات في غياب البوصلة وتوجيه السلاح لصدر العدو. جورج حبش كان يرى أن كل البنادق يجب أن تتوجه للعدو وبقي على موقفه ولم يقبل بأوسلو أو نتائجها حتى رحل عن الدنيا.
الحكيم ملك القلوب والعقول بقدرته على التواصل وتقديم النموذج الطيب للقائد الإنسان كما بحنوه ورقته الصافية، لكنه لا يساوم ولا يهادن حين يتعلق الأمر بالموقف الوطني، وأذكر حين اتخذت اللجنة المركزية للجبهة والمكتب السياسي قراراً بالحوار مع حركة فتح تحت قيادة عرفات بعد اتفاق أوسلو المشؤوم والتي من المفترض أن يقود فيها أبو عمار الاجتماع من طرف فتح والحكيم على رأس وفد الشعبية أن جورج حبش رفض الحضور الأمر الذي عرضه للنقد من جانب المكتب السياسي، بل وهناك من يتذكر انه تعرض لعقوبة حزبية.. الحكيم لا يمكن أن يتهم رجلاً ببيع القضية ثم يجلس معه للحوار وهذا منطق الأشياء، ولا يقلل من قيمة موقفه المبدأي والمشروع برفض لقاء عرفات وعباس قبل رحيله أن ينتقده هذا الرفيق أو تلك الهيئة.
جورج حبش بكيناه لأننا فقدنا أحد ضمانات التمسك بالحق الفلسطيني كما فقدنا برحيله نموذجاً قل نظيره في تاريخ شعبنا، حبش رجل التسامح والحب والوحدة الوطنية غادرنا ونحن في حاجته واليوم وعلى ضوء ما يجري في الوطن العربي وخاصة سورية ما أحوجنا لحكمته وبعد نظره...الرفيق الكبير لروحك السلام ولذكراك نسائم عطر تجوب ربوع فلسطين فتنشر الأمل والعزم على استعادة فلسطين كل فلسطين كما كنت تقول على الدوام.