توقفت بعض الوقت، أمام تصريح لناطق حمساوي، ينفي ما جاء على لسان الرئيس محمود عباس، بأن "حماس" وافقت على صيغة حل الدولتين، ويشدد على أن المقاومة المسلحة أثبتت بأنها هي الأسلوب الناجح أو العملي للتحرير. وإن كان للرئيس الفلسطيني أو لأحد من طرفه، أن يجيب عن الجانب المتعلق بصدقية ما أدلى به، وأن ينوّه الى أن المقاومة المسلحة التي أثبتت شجاعة شعبنا وتمسكه بحقوقه، لم تثبت أيضاً أن أسلوبها هو الناجح المجرب عملياً لإنجاز التحرير، وكذلك أن يسرد ما يثبت من خلال الشهود والقرائن، أن "حماس" وافقت على حل الدولتين ثم نقطة على السطر؛ فإن لدى كاتب هذه السطور ما يقوله مما لا يتصل بواقعة الدحض ودحض الدحض. فهذه محسومة لصالح دحض الدحض، لأن "حماس" وافقت علناً على حل الدولتين، ونقطة على السطر. ثم إن حل الدولتين لا يتحقق بدون هذه النقطة على السطر. فبقدر ما هي بيضة القبان، هي جارحة لروحنا وضمائرنا. ولكن ماذا نفعل إن كان لا حل بدونها، ولن يوافق وجهاء المسلمين والعرب، من الوسطاء، ناهيك عن الأمريكيين وإسرائيل؛ على اتفاقية تقوم بمقتضاها دولتنا على أراضي 67 بما فيها القدس الشرقية، مع اتاحة المجال، لأن يتسلل غضنفر فلسطيني، من ثغرة في نص الوثيقة، لكي يقود الجحفل الإسلامي الذي ينفذ وعوداً صريحة بالتحرير من النهر الى البحر..!
* * *
مشكلتنا هي التصابي السياسي أو الصبيانية، مع الغرق المتعمد في الخطاب المتعالي الذي بات فاقداً لدلالاته. إن التصابي داء يصيب الناس في الاجتماع وفي السياسة، وفي العقائد والفكر، مثلما يصيبهم في هواجس الخلقة وما تستحثه من انطباعات في عيون الناظرين. وبعض الناس، لا يصيبهم المرض ولا يصل الى دواخلهم، وإنما يتمارضون به، لغايات في نفس طامح الى مغنم..!
كان مالك بن نبي، المفكر الإسلامي الجزائري، قد ركز مبكراً، وبطريقة ذكية، على ما ستقع فيه "الصحوة الإسلامية" من أمراض مرجعها الكبت والإحساس بالنقص، وطول أمد الهزيمة النفسية. وقال الرجل الذي توفي في العام 1973 وهو في ستينيات عمره، إن إخواننا الإسلاميين، سُيصابون بآفات التكديس والهذر الكلامي وسينتجون نمطهم الوثني الخاص. وسبب هذه الآفات، هو ـ حسب مالك بن نبي ـ انحدار منحنى الحضارة الإسلامية، منذ سقوط دولة الموحدين الأمازيغ في المغرب العربي وجنوبي إسبانيا، في القرن الثاني عشر الميلادي وحتى الآن. فالرجل يرى أن السمات العامة للمرض الحضاري، تمتد قروناً في الذات، وهي مع التوغل في التردي، تعمل على إبراز صبيانية الانسان، أو تعكس ما سماه مرض شبه الصبيانية، إذ يتفشى الوعي الزائف. أما المرحوم محمد عابد الجابري، فقد ركز على صبيانية الخطابة، الفاقدة للدلالات العملية، أي الثرثرة التي ظللنا نسميها في مساحتنا المتواضعة هذه، بظاهرة "الطنين"، واستدل الجابري على الظاهرة من ثنايا الخطاب العربي الإسلامي المعاصر، وخطاب الأنا الإسلاموية الجديد. ويُقال في بعض الدراسات إن العامل الاستعماري كان حاسماً وفعالاً في مفاقمة وإدامة مرض الصبيانية، من خلال التدليس الإمبريالي، وغوايات المستعمر البغيض أثناء الصراع، التي تدفع الى الغليظ والعريض والخراثق من الوعود، وغرضه تمديد فترة الأوهام وأحلام "بسبسة" حتى تجعل خطيباً إسلاموياً، يبشر بفتح قريب للأندلس مثلاً، أو لزهرة المدائن وأكنافها، شريطة أن يكون حسن السير والسلوك الأمني. فمن جراء خطاب كهذا، تنعقد للعدو فوائد جمة، إذ تؤخذ مفردات الخطاب غطاء لتبرير وتمرير سفالة المستعمر، ولإيقاع المزيد من الأذى في لحمنا وعظمنا ورزقنا وأوقاتنا. فالكلام عندئذٍ يشهد علينا أمام عالم لا يقيس بمسطرتنا. أما الخطاب الناضج العقلاني، لا الصبياني والاستعراضي الكذوب، فهو الذي يزعج الأعداء، لأنه يتعلق بالممكن الذي يعرف العدو طبيعته من حيث أنه، حين يتحقق، سيكون متبوعاً بممكن آخر لن يُتاح بدونه..!
وفي الحقيقة كان المفكر الإسلامي الجزائري المستنير، مالك بن نبي، قد زادها قليلاً بكلامه الصادم أو الجارح وإن كنا نستحقه فعلاً. فهو يرى أن نخبة المثقفين العرب والإسلام السياسي، ما تزال أسيرة مرحلة "أفول حضاري لا يُنتج سوى حشود بشرية، تشبه قطعان الغنم. فبرغم كمها العددي، فهي لا تقدر أن تصنع لنفسها عالماً من الأشياء النافعة والأفكار، لأن العطالة مست جميع نواحي الحياة، وتزامن مع العطالة عرضٌ نفسي أخطر من الداء ذاته، يتمثل في أعذار العطالة، التي نلاحظ وجودها في أبسط أعمالنا اليومية"..!
ويزيد مالك بمرارة: "حين اتجهت الثقافة العربية الى امتداح الماضي، أصبحت ثقافة أثرية، لا يتجه العمل فيها الى الأمام، بل ينكص الى الوراء، فأصابت الطبقة المتعلمة، عقدة التسامي والنـزعة الماضوية، واتجهت العديد من الكتابات لأن تصب في الفخر والمديح والغوص في التاريخانية".
هذا ما قاله رجل غادر عالمنا الى رحاب الله قبل أربعين سنة، وقال مثله كثيرون، منهم شيخ أسبق للأزهر الشريف، هو عبد الحليم محمود، الفقيه العالم النابغة، المتوفي قبل نحو ربع القرن. ومالك بن نبي، لا يرقى أي شك حول غيرته على الإسلام والمسلمين، وليس أدل على ذلك، مما كتبه راشد الغنوشي ـ الذي التقى به وتعرف عليه شخصياً ـ في مقالة عنه، رأى فيها أن بن نبي هو المكمل الطبيعي لسيد قطب، وأن ليس في الفكر الإسلامي المعاصر، ما يُسعف وينير الطريق الى الواقع والى كتاب الله، خير من مالك بن نبي، صاحب سلسلة الحضارة. فإن كان الحديث في الحضارة، فلا يُفتى ومالك في المدينة"..!
إن الكلام التنويري، عن التصابي والتردي والغيبوبة الفكرية والسياسية، ونكران الواقع، وعن نزعات التسامي والعنفوان والغرور الذي لا سند له في الحياة الحقيقية، لا سيما ونحن نقف على أرض معذبة ونعيش في مجتمعات تعاني من فقدان أبسط حقوقها؛ يُراد منه الحث على مواجهة الواقع، لا التسليم للأعداء أو التنازل على أي حق من حقوقنا. لكن العمل السياسي والكفاحي، في هذا الواقع وعلى الخرائط، يتطلب صحواً واستنارة وصدقية وزهداً ومقومات كفاح، ولا يتطلب جلخاً للألسنة ومعطاً للكلام. فالصحو والاستنارة والصدقية والزهد ومقومات الكفاح، لا تتأتى بدون ثقافة جديدة وبدون عمل من نوع جديد، وبدون سلوك آخر..!