يحيي الشعب المصري ذكرى مرور عامين على الثورة الحضارية والشبابية التي أربكت غالبية الدول صاحبة النفوذ في الساحة الدولية والإقليمية. هذا الشعب العظيم الذي أثبت انه غير قابل للخنوع والذل والخضوع للدولة البوليسية التي كانت تحكم البلاد في العهد السابق. وبعد أن ادركت الدول العظمى وبعض الدول الاقليمية ماهية التغيرات الحاصلة في مصر بشكل خاص والمنطقة بشكل عام أعادت ترتيب اوراقها من جديد وذلك من اجل الامساك بأوراق اللعبة الاقليمية محاولة إعادة مصر الى التبعية الامريكية والغربية وحماية اسرائيل.
بعد صعود الاخوان المسلمين الى السلطة في مصر وانتخاب أول رئيس جمهورية منذ عصر الفراعنة عن طريق صندوق الانتخابات. هذا الحدث التاريخي أحيى في الشعوب العربية الامل في استعادة مصر وعودتها الى المعسكر العروبي لتكون الدرع الذي يدافع عن مصالح الامة العربية. ادرك الغرب سريعا بعد استشرافه للمستقبل بان اذا ما رسى الحكم للحركات الاسلامية من خلال الممارسة الديمقراطية في المنطقة فانه لن يكون في صف الخدم الامريكيين والإسرائيليين، خاصة ان الحاكم في مصر هو اخواني خرج من رحم الاخوان المسلمين، هذه الحركة التي يمتد عمرها اكثر من ثمانين عاما والتي ايضا شكلت حالة الهام في العقود الماضية لاستنساخها في المنطقة العربية وأصبح لديها امتداد ايدولوجي واسع الناطق في معظم البلدان العربية، وهذا ما يقلق الدول الغربية وإسرائيل من تنامي قوة الاسلاميين وتمكنهم من السلطة. ناهيك عن التجربة الاسلامية في السودان، وشبه التجربة في الصومال وتجربة "حماس" في الاراضي الفلسطينية. لكن مصر تختلف اختلافا تاما عن كل تلك التجارب، لأن مصر لديها ما لديها من امكانيات تأهلها لتكون دولة تقدمية تقود المشروع الاسلامي في المنطقة.
إن من أحد أهم أهداف الحرب العدوانية الإسرائيلية الأخيرة على غزة هو إطلاق بالون اختبار للسلطة الحاكمة الجديدة في مصر، ونحن جمعيا لامسنا الفرق بتعامل النظام الجديد مع العدوان اذا ما قورن بأسلوب التعامل للنظام السابق في مصر مع العدوان قبل الاخير. وقفت مصر حكومة وشعبا مع الغزيين سواء بالإمداد والإسناد السياسي أو الشعبي التضامني مع القطاع. وهنا كانت اللحظة الحاسمة التي اثبتت للغرب ان مصر القوية سوف تؤدي بالضرورة الحتمية الى تعاظم القوة الشعبية العربية ومن وراءها النظام الرسمي وإن كان خجولا. الموقف المصري المتقدم في التعاطي مع الحرب الاخيرة على غزة اربك العديد من الانظمة الحاكمة في الشرق الاوسط ووضعها في مأزق امام شعوبها وربما اجبرها على اتخاذ مواقف لم تكن لتأخذها في ظل النظام البائد. أما على مستوى تعامل حركة "حماس" والمقاومة في غزة، فقد كان تعاطي جريء جدا مع الحروب من حيث نوعية الاسلحة المستخدمة ضد اسرائيل وأيضا من حيث توسيع رقعة المنطقة الجغرافية التي سقطت عليها الصواريخ، والاهم من ذالك جرأة المقاومة في طرح ووضع شروط ذات سابقة خطيرة من أجل إحلال التهدئة. وما كان هذا ليحدث لولا الموقف المصري المتقدم والثورات العربية ومساندة الحركات الاسلامية لها سواء من قريب أو من بعيد.
بعد انتهاء الحرب بدأت مصر تشتعل، وبدأت حملات التحريض على "سلطة الاخوان" – اذا جاز التعبير- . تارة على الاعلان الدستورى وتارة على محاسبة فلول النظام السابق او حتى على استقلال الجهاز القضائي في البلاد . قد يكون هناك أساس لهدا التحريض ودوافع ذات مصداقية عند المواطن المصري البسيط، وقد تكون "كلمة حق يراد بها باطل".
ولكن ما هو المراد من كل هذه الاحداث والتصعيد؟
المراد لدى قوى المعارضة المصرية هو ببساطة إسقاط الرئيس مرسي ومن خلفه إسقاط الاخوان المسلمين من السلطة التشريعية لاحقا أي في الانتخابات القادمة. من حق أي حزب سياسي ان يسعى للحصول على السلطة بالطرق الديمقراطية، ولكن هذا الحق لا ينفي عن الاخرين الحق أيضا في الوصول الى السلطة بنفس الطريقة ذاتها بعد طرح برنامج انتخابي متكامل للشعب الذي هو الحكم الفصل في الاختيار. هنا تجدر الاشارة الى ضرورة اعطاء الفرصة لأي حزب في السلطة لتطبيق برامجه وبالمقابل تتبنى المعارضة اسلوب الانتقاد البناء، لا الهدام والتشويهي. من جاء عن طريق الصندوق أيضا يرحل عن طريق الصندوق. لا قدسية للحاكم بعد الثورة لأن الشعب المصري لن يسمح بذلك من جديد.
أما المراد غربيا وإسرائيليا، هو ضرب رأس المشروع الاسلامي في المنطقة وإفشال التجربة الاخوانية في مصر وإغراقها في مشاكل لا حصر لها سواء اقتصادية، أمنية، سياسية وربما دينية، وبالتالي تعزيز احتمالية عودة حكم العسكر. لان البديل هو أنه في حال نجاح التجربة في مصر سوف يدغدغ رغبة الحركات الاسلامية الاخرى ويشجعها لمحاولة محاكاة التجربة سلميا في العديد من دول المشرق والمغرب العربي وربما في دول اخرى ليست عربية. - وهنا يجب الربط بين التدخل العسكري الفرنسي في مالي المدعوم اوروبيا وأمريكيا الذي يهدف للقضاء على الاسلاميين هناك وحماية المصالح الغربية في مالي وبين تنامي القوه الاسلامية في المنطقة العربية -. خاصة ان الوضع في سوريا لم يحسم بعد ومن غير المعروف الى من سيؤول الحكم فيها بعد سقوط نظام بشار الاسد إما للعلمانيين وإما للإسلاميين.
ما هو المطلوب؟ على جميع قوى الفعل السياسي المصري ان يدركوا تماما خطورة الوضع القائم في البلاد. من ناحية يجب على الرئيس محمد مرسي ان يكون اكثر مرونة وتعاطيا مع مطالب المعارضة ذات المصداقية وبالمقابل يتوجب على المعارضة تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية. والاتجاهان مطالبان بإخراج مصر من مأزقها والوصول بها الى الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي المنشود. لأن أي اضعاف لمصر ومكانتها سوف يكون له الأثر غير الحميد على كافة القضايا العربية التحررية الداخلية وأيضا سيؤثر سلبا على القضية الفلسطينية.
علينا أن ندرك جميعا أن المستهدف ليست مصر على الحصر وإنما إرادة الشعوب العربية وزعزعة الثقة لدى هذه الشعوب بأنها قادرة على امتلاك أمرها ومقدراتها وإرادتها في التعبير عن تطلعاتها المستقبلية والاستقلالية الوطنية والتخلص من التبعية الغربية.