وقف متمعنا في ذاته باحثاً في المجهول عن شيء كان لحماً ودماً وحلم، شيء يعينه على قادم الأيام عله يقوى على قرع جدران الخزان، ويحاول جاهداً أن يستفز النائم في داخله عبثاً فالمسافة تتسع والخيمة لم تعد خيمة وها هو يعيش زمن الاشتباك مرة ثانية وكأن التاريخ يعيد نفسه في كل مرة مأساة.
كأنه فقد الزمان والمكان، فهو ضحية أبجديات المجون والطقوس الشيطانية لإعادة هيكلة الذات والسير على خطى القطيع، لكنه فقد الزمان والمكان ويحاول عبثاً أن يجد طريقه إلى الضريح في مقبرة سحاب حيث يرقد من بشره بالحلم ليستعيد بعضاً من زمانه والمكان وليتخلص من الأفكار الشيطانية وحفلات المجون والايدولوجيا التي فقدت مذاقها.
سأل نفسه بغباء: من أنت وأين أنت؟ عاد الجواب صدى للسؤال، أعاد الكرة عساه ينجح هذه المرة لكن الفشل كان حليفه كالعادة، لماذا الإنكار فهو يعرف أن المكان هو المخيم ويعرف أنه يعيش المخيم لكنه فقد المكان فالمخيم فقد مذاقه ولونه.. المخيم تحول لأطنان من اللحم العبثي يتناهشه أحفاد أبو الخيزران ويشيع ليلاً في محاولة للسطو على الحقيقة.
قرر أن ينفض عن ما تبقى من الغبار الذي تراكم بفعل وضع الرأس في الرمل، وان يدير الظهر للطقوس الشيطانية التي ابتلعت ما ابتلعت من ذاكرته والمكان.. خرج إلى المخيم يفتش عن المخيم ونصير الفقراء بين أكوام اللحم، كان المخيم لا زال يعيش الاشتباك، أمعن النظر وإذا بالمكان يتخذ اللون الرمادي، صمم على المضي باتجاه المكان عله يجد حلاً لما أحدثته الطقوس الشيطانية في المخيم، وجاءه الصوت من رحم العتمة: يا زهرة النيران في ليل الجيل..، كلمات يعرفها لكنه الآن يعيش خارج نطاق الوعي، فالوعي لم يعد لحما ودماً، انه تراب.
في خضم اللامكان لعن نفسه والزمان، وقرر أن لا يبقى حبيس لغة الطقوس.. تلمس طريقه بين أكوام اللحم والكلمات وعهر المرحلة التي أفقدته الشراع والساري معاً، وعاد السؤال كصداع ابدي عمره بعمر النكبة التي لم تنجح الطقوس الشيطانية على انتزاعها من الذاكرة.. من أنت وأين أنت والى أين تتجه؟ جاء الصوت مرة أخرى مخاطباً العدم الذي في داخله، عار على كفي إذا صافحت أياد طوحت بأعناق شعبي.. بدأت الصورة تتضح رغم تراكم الضباب والطقوس الشيطانية واللون الرمادي.. خرجت الصورة من الصورة وبرد القهر والذي يسمي احتلال البلاد ضيافة ليعود للأشياء لونها، ولتخرج الشمس من رحم العتمة مبشرة بأن صاحب الشراع والساري لا يموت، ولتتشكل أكوام اللحم التي هو جزء منها وتعود إلى هيئتها الأولى.
تساءل بينه وبين نفسه في حضرة الصورة، هل يعقل أن يتحول البشر لأكوام من اللحم ويعيشوا في اللامكان؟ وكيف يستعين الأحياء بالأموات على أيامهم؟ عالجه الصوت القادم من العتمة قائلاً: الثوريون لا يموتون أبدا.. حاول أن يحمل الكلمات ويخرج على الناس مبشراً بها، لكنه عجز عن النطق فلا زال اللامكان يأسر المكان والشراع.. قرر أن يسبح ضد التيار وتذكر انه ضحية السنوات العجاف ومن تقاسموا اللحم ليمارسوا طقوسهم الشيطانية، أدرك أنها اللعنة، لعنة قبور الثقافة وثقافة القبور التي حولته لكومة من لحم.. تشبث بذلك الصوت الذي لا زال صداه يتردد في أعماقه كدرع يذود عنه اللعنة والطقوس، عندها انتصرت الصورة على الضباب ليرى آلاف الرجال في رجل واحد، رأى الوطن رجلاً، الوطن يتجسد في رجل..!!
لم يعرف كيف فاجأته تلك الكلمات التي اختصرت الحالة، آااخ يا بلد.. كلمات من تراب.. هل يعقل أن للتراب لغة؟ خاطب الصوت الذي في داخله يستعين به على الجنون الذي أصابه.. جاءه الجواب صارماً واثقاً نقياً، آلا تعرف أن للتراب لغة عصية على الطقوس الشيطانية؟ ألم تعلم أن الشعوب تستعين بلغة التراب على الوجع والمشنقة؟ أيها الغبي إن للتراب لغة لا تفهمها يا فاقد الساري والشراع.. لغة التراب هي دائماً المنتصرة وهي اللغة التي تمهل ولا تهمل.
انتصرت لغة التراب على الطقوس الشيطانية وبدا ليل المخيم يأخذ شكلاً مختلفاً، ومن رحم اللغة ولد الفجر على شكل زيتون وزعتر، والرجل الذي اختصر اللغة وأوصى أن يعود التراب إلى التراب عندما تزول اللعنة.. في اللد مكاني هذه وصيتي ولو بعد مئة عام.. ليس هنا مكاني فأنا اعرف طريقي إليها.
فجر المخيم له مذاقُ خاص.. فجر المخيم شهداء ومفتاح، وفتية عادت لهم الروح وكأنهم بعثوا من جديد وما عادوا أكوام لحم.. فجر المخيم يحمل النبوءة العتيقة التي طبعت قبلة من عز على جبين لبنى وصالح العمارين.. قال في نفسه ما أجمل هذا الفجر الذي انتصر على الطقوس وتفجر شقائق نعمان وطفل القى التحية ومضى.. كل ذلك يحدث في المخيم الذي انتصر على الطقوس ومصانع اللحم والمشنقة.. كان غير مدرك أنه في حضرة الذكرى وان ذاك الحكيم الذي قدم نفسه قرباناً للحقيقة قد عاد ليجدد العهد ويبعث الحياة في النبوءة التي هي لغة التراب.
عادت الحياة للمخيم، وخرج الناس ليعيشوا الاشتباك من جديد، وجاءه الصوت من الحيطان ينسج الحكاية من جديد، حكاية الوطن الرجل والرجل الوطن.. وللحظة انتبه أن الصوت لا يصل لكل الآذان وأن الفقراء وحدهم من يصل إليهم الصوت، عندها نظر للشمس وقال في نفسه لا يمكنهم أن يصادروا الذاكرة، ومشى يدوس بقدميه التي رسمت الأيام عليها خارطة من وجع.. تنهد مبتسماً وأمسك بالشراع والدفة من جديد ولعن أصحاب الطقوس الشيطانية أحفاد أبو الخيزران.