بدأت الوفود تتدفق من جديد على القاهرة وسط البشائر عن انفراج في الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة، وإشادة بالدور المصري وتكريسه الوقت والجهد لانجازها رغم الانشغالات والهموم الداخلية المصيرية التي تواجهها القيادة المصرية.
ومما يبعث على الاطمئنان هو أن شعبنا لم يعد يُعوّل كثيرا ً على ملف المصالحة وبالتالي فإن نجاحها أو عدمه لن يصيب أحدا بالصدمة أو الفرحة، أو بخيبة الأمل.
لقد أنفقت الأموال الطائلة على السفريات والفنادق من قبل الجميع لدرجة أن البعض بات يعتقد بأن متعة السفر والفنادق ذات الخمسة نجوم وممارسة مظاهر الوجاهة والمبارزات الكلامية التي نجيدها نحن العرب بالفطرة، والأضواء الاعلامية باتت في حد ذاتها عقبة أمام أي تقدم حقيقي نحو إنجاز المصالحة لأن أحدا ً لا يريد أن يتنازل عنها.
ورغم كل ذلك فإنني سأسمح لنفسي بأن أتفاءل هذه المرة وأفترض أن المصالحة "النسبية" أو تجميد الانقسام ستتم هذه المرة لأستطلع إلى أين ستنقلنا..!
أقول النسبية لأنني مقتنع بأن المصالحة الحقيقية لن تتم لأن من المستحيل إعادة عجلة الزمن إلى الوراء فواقع الانقسام أبرز حقائق جديدة على الأرض لن يغيرها اتفاق في القاهرة كما لم يغيرها اتفاق مكة. والمصالحة النسبية ستتيح لطرفي المعادلة فرصة التعايش مع الانقسام وكأنه مرض مزمن لا علاج له سوى المسكنات، فالأمر هو إدارة الانقسام وليس حلّه أو تسويته.
ولا ضير في ذلك، فنحن بحاجة إلى التفرغ للخطر الداهم القادم من الخارج، أما الخطر الكامن بداخلنا فلا بأس من ترحيله إلى مرحلة قادمة طالما أن أحدا لا يعرف كيف سيكون مصير السلطة المتأرجحة بين استمرار التنفس الاصطناعي عبر تحويلات الضرائب "وصدقات العرب" وبين نزع أجهزة التنفس الأصطناعي وإسلام الروح لبارئها، وهو في هذه الحالة عراب السلام الأمريكي..! أما مصير غزة فيبدو أكثر ضمانا ً وقدرة على الاستمرار لا سيما إذا أريد له أن يكون هو الدولة التي يحلم بها البعض وهذا أمر لن يقبل به حتى أولئك الذين بهرتهم مظاهر السلطة والحُكم في قطاع غزة إثر الانقسام.
وحيث أنني لا أعتقد بأن أيا من أولي الأمر في الضفة أو غزة يرغب في رؤية هذا السيناريو فإنني أميل إلى الاعتقاد بأن كلاهما يدرك أهمية التعايش مع الانقسام واعتباره أمرا طبيعيا ًومحاولة العمل معا للتمكن من استطلاع ما يحمله لنا المستقبل.
وبعبارات أوضح أقول بأن الانهاء الجذري للانقسام لن يتم، وأن علينا فهم ذلك والاقرار به مُسبقا، وأن أقصى ما يجب أن نطمح إليه في هذه المرحلة هو أن نرى وحدة في الصف وحبذا لو كان ذلك في الموقف أيضا، لمواجهة التطورات المستقبلية القادمة عاجلا ً وفق كل المعطيات المحلية والأقليمية والدولية.
والتطورات التي أعنيها هي أن العام 2013 سيشهد محاولة دولية لتصفية القضية الفلسطينية من خلال محاولة فرض حل لها يريح العالم من ضوضائها. أما ماهية هذا الحل فهي بالتأكيد على حساب الحق الفلسطيني طالما نحن الطرف الأضعف في هذه المعادلة.
ففي الشهر الحالي وهو مطلع هذا العام، سينتهي الرئيس الأمريكي من وضع اللمسات الأخيرة لحكومته الجديدة التي ستُكرس نفسها للشأن الداخلي الأمريكي والتخلص من إنشغالاتها الخارجية، وستولد حكومة جديدة في إسرائيل برئاسة نتنياهو الذي سيجد نفسه مضطرا ً أمام الرأي العام الدولي لأن ينأى بنفسه عن أحزاب اليمين المتطرفة التي إزدادت قوتها في الانتخابات وفي مقدمتها البيت اليهودي، ومحاولة تشكيل حكومة مع أحزاب الوسط تطرح نفسها كحكومة اعتدال وسلام..! وستجد أمريكا وأوروبا في مثل هذه الحكومة فرصة للضغط علينا ً والتلويح بأنه إن لم يتم عمل سلام معها فلن تكون هناك فرصة أخرى لتحقيق السلام، طالما أن النجم الذي بدأ يصعد في سماء إسرائيل هو نفتالي بينيت زعيم البيت اليهودي الذي يرفض إخلاء المستوطنات ويسعى إلى ضم أكثر من 60% من أراضي الضفة المسماة "ج" وأصبح يُشكل خطرا ً على نتنياهو الذي سيراه العالم رجل السلام إذا ما قورن ببينيت!.
التطورات الداخلية الاسرائيلية تقتضي وفي الحد الأدنى وحدة في الصف والموقف الفلسطيني ليتحمل الجميع مسؤولية إتخاذ القرار إلى أين نذهب.
لقد تم ارتهان خيار المقاومة المسلحة بعد اتفاق التهدئة الأخير في غزة، وتعطيل وتجميد خيار المقاومة الشعبية السلمية في الضفة بقرار رسمي ذاتي مبني على حسابات خاطئة، وسيكون التحدي الذي يواجه صناع القرار بعد تجميد الأنقسام هو أي الخيارين أنجع، ذلك لأن التخلي عن كليهما يعني الاستسلام والرضوخ والتخلي عن أي قدرة على المساومة.
ويقيني أن الشعب الفلسطيني الذي أثبت دائما ً أنه يسبق قيادته، سيختار خيار المقاومة الشعبية وسيفجر انتفاضة شعبية غير مسبوقة بعد أن وصل إحساسه بالظلم والقهر حد الانفجار...