مليونية غزة يوم الجمعة 4 كانون الثاني، هي بلا شك ظاهرة ملفتة تستحق الوقوف أمامها طويلاً، فهي تعني أن فتح لا تزال تسكن في وجدان الشعب الفلسطيني وتعشش في ضميره، وأنها ما تزال تعني لكل أفراد الشعب الفلسطيني أنها ثورة حتى النصر، وأن النصر في مفهوم أبناء هذا الشعب المناضل يعني التحرير والدولة والعودة. كما أن خروج مليون شخص رجالاً ونساءً.. شيوخًا وأطفالاً جاءوا من كل أنحاء القطاع ليقولوا: نعم لفلسطين.. نعم للوحدة الوطنية.. نعم لوحدة الضفة الغربية وقطاع غزة.. نعم لوحدة بندقية وحجر وصاروخ المقاومة.. نعم للقدس عاصمة لدولة فلسطين، هؤلاء الذين جاءوا للاحتفال بهذه الذكرى العزيزة بهذه (النعم) التي لا لبس فيها ولا التباس، لا يمكن أن يكون احتشادهم هذا غير المسبوق في تاريخ القطاع مجرد حدث عادي، لا سيما وأنه شكل أكثر قليلاً من نصف سكان القطاع وأنه تم في ساحة السرايا التي تقل بكثير عن أي ساحة أو ميدان عربي.
ولعل أجمل ما في الاحتفال أن كل الفصائل الفلسطينية -بما في ذلك حماس- شاركت فيه. وإن كنت أتمنى أن ترفع خلال الاحتفال الذي شاهدته من خلال التلفاز -كما قلت في السابق الشيء نفسه في احتفالات حماس- راية فلسطين بدلاً من راية "فتح"، فعلم فلسطين -وليس أي راية أو علمًا آخر- هو أحد الرموز المهمة للهوية الفلسطينية، والانتماء الأول لكل أبناء الشعب الفلسطيني للوطن والقدس والقضية، ولا يصح استبداله بأي راية أو علم لأي فصيل فلسطيني حتى لو كان ذلك الفصيل فتح.
مليونية غزة بمناسبة ذكرى الانطلاقة أرادت أن تخاطب الشطر الآخر من الوطن السليب: كلنا "فتح".. كلنا ياسر عرفات.. كلنا نؤمن بالمقاومة بكل أشكالها.. فـ"فتح" العشق الأول.. وهي ربيع الثورة الفلسطينية الدائم.. هي الرصاصة الأولى.. والشهيد الأول.. والأنشودة الأولى، وهي كلمة السر في التراث الثوري والنضالي للشعب الفلسطيني منذ العام 1965.
لكن رغم روعة المشهد ومشاعر الفرحة ومظاهر التآخي التي سادت أجواء القطاع، إلا أننا لا بد وأن ننظر إلى نصف الكوب الآخر غير الممتلئ.. إلى إسرائيل التي كانت تحتفل هي الأخرى، لكن على طريقتها الخاصة، عندما صادق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة في القدس العربية واعتبار العام 2012 العام الأكثر إنجازًا لها في تاريخ البناء والتوسع الاستيطاني في القدس. وهو ما ينبغي على القيادات الفلسطينية -فتح وحماس- أخذه في الحسبان، والانتباه إلى عامل الوقت الذي تستغله إسرائيل على أوسع نطاق لتحقيق مشروعها الكبير الذي تطلق عليه (القدس الكبرى)، والذي أوشك على الانتهاء، بحيث يمكن توظيف هذا الزخم الجماهيري الفلسطيني الرائع لتحقيق برنامج وطني فاعل وعاجل يوقف إسرائيل عند حدها، فيما تتفرغ تلك القيادة لاستثمار النصر الدبلوماسي الذي تحقق مؤخرًا في الأمم المتحدة للضغط على إسرائيل، وتدشين مرحلة جديدة من النضال الفلسطيني ترتكز أساسًا على استخدام ورقة القانون الدولي، وما يتطلبه ذلك من توفر خبراء في القانون الدولي ليكونوا الرجال الأقرب للرئيس الفلسطيني.
كلمة أخيرة: لا بد وأن يحسب لـ"حماس" تلك الخطوة الجيدة بسماحها لحركة "فتح" بإحياء ذكرى الانطلاقة في القطاع بعد 7 سنوات من الممانعة، وأن تستغل الخطوة ومعها الحدث في تسريع المصالحة وإسدال صفحة الانقسام إلى الأبد.