في طريقي الى المهرجان من بيتي في جباليا مرورا بالصفطاوي والشيخ رضوان عبر شارع الجلاء الى ساحة السرايا التي اطلق عليها الفتحاويون ساحة الشهيد ياسر عرفات رأيت مشاهد لم أرها في أي مهرجان طوال حياتي. لأول مرة أرى الناس تذهب الى مهرجان دون ان تنتظر ان يطلب منها التنظيم صاحب الشأن ذلك، لم يكونوا بحاجة الى مكبرات صوت تجوب الشوارع على مدار أيام لكي تحث الأنصار على المشاركة بعد التأكيد على ان المواصلات ستكون مؤمنة بشكل مجاني.
على الرغم ان المهرجان بشكل رسمي كان المفروض ان يبدأ بعد صلاة الجمعة الا ان الناس بدأت بالذهاب منذ الصباح الباكر عدا الآلاف التي نامت ليلتها في المكان. هناك من تم تأمين مواصلات له وهناك من استخدم مركبته الخاصة او دراجته النارية او "التكتك" الذي يُعتبر اليوم احدى وسائل النقل الرئيسية في غزة، لكن الجزء الأكبر ذهب سيرا على الاقدام. مناطق الجنوب البعيدة نسبيا استعانت بقوارب الصيد واستعانت بالبحر لكي تصل الى المهرجان.
المشهد الذي اذهلني والذي لم اراه طوال حياتي انني شاهدت عائلات بأكملها: اطفال صغار وشيوخ، الامهات والآباء، الأبناء والبنات، جميعهم يحملون الرايات الصفراء واعلام فلسطين. جزء كبير من النساء كان غطاء الرأس باللون الاصفر ايضا وكأنهن اردن ان يقولن ان غزة يجب ان تكون اليوم صفراء. المظهر كان يوحي وكأنهم في يوم عيد والعائلة ذاهبة الى قضاء يوم ممتع مع بعضهم البعض. الشرطة المنتشرة على المفترقات تعاملت معهم بكل الاحترام والناس ايضا عاملتهم بالمثل حيث لم يسجل حتى لو حادث بسيط بالاخلال بالنظام او الأمن العام.
وصلتُ الى مكان المهرجان بعد ان اضطررت استخدام شوارع فرعية للوصول الى مكان الاحتفال وانا احمل البطاقة الخاصة التي تسمح لي بالجلوس في الصف الأول حيث كان من المفترض ان لا يتواجد احد على المنصة الضخمة سوى عرفاء الحفل ومن سيلقي الكلمات. المفاجأة او الصدمة ان الجماهير لم تترك مساحة لا لصف أول ولا حتى لصف عاشر مما اضطر القيادات التي لم تجد لها مكان سوى الصعود الى المنصة. الأخوة في النظام الذين تعرفوا علينا انا وأخي هشام عبد الرازق ارادوا مساعدتنا في الصعود الى المنصة دون جدوى ولم يكن امامنا وامامهم خيار سوى التسلق مثل الشبان الصغار من على الجدار.
لم امكث طويلا هناك حيث وبعد ان صافحت بعض القيادت الفتحاوية والشخصيات الوطنية والتقطت بعض الصور التذكارية قفزت من فوق سور المنصة لأنني شعرت انها على وشك الانهيار من شدة الضغط وامضيت بقية الوقت واقفا مع الجمهور. المنصة وتنظيمها والسيطرة عليها هي نقطة ضعفنا دوما.
على اية حال، ادركت ان الناس لا تريد ان تسمع خطابات ولا تريد ان تسمع كلمات. الناس اتت للمهرجان لكي تُسمع صوتها لا لتسمع اصوات القيادات. هذه الآلاف المؤلفة التي لا يستطيع احد ان يعطي رقما دقيقا عن عددها الحقيقي أتت لتقول التالي:
اولا: ان غزة ليست لـ"حماس" وحدها كما انها لن تكون لـ"فتح" وحدها. كأنها تريد ان تقول لـ"حماس": صحصحي لأن "فتح" ليست تنظيما عابرا او هامشيا بل هو يمثل قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني. ارادت ان تقول لـ"حماس" ان السنوات الست الماضية يجب ان تكون من خلفنا وان صفحة جديدة من العلاقات يجب ان يتم صياغتها بين القوى الفلسطينية المختلفة، خاصة حركتي "فتح" و"حماس".. اتت لتقول ان الثورة والمقاومة والنضال والشهداء والاسرى والجرحى والاعتقالات وأسر الجنود وتبادل الاسرى وكل اشكال النضال المختلفة بدأت منذ ان انطلقت حركة "فتح"، وهم هناك اليوم لكي يرسخوا هذه الحقيقة لكي لا تمسح من الذاكرة.
ثانيا: الجماهير الفلسطينية أتت لتقول ان غزة هي الشعلة التي لا تنطفئ وانها ليست عبئا على القضية والشعب الفلسطيني وان احد لا يصنع لها معروفا عندما يقدم لها ما هو واجب، بل هي الرافعة لهذه القضية وهذا الشعب وانها دائما حاضرة في المقدمة كلما كان هناك خطر يحدق بهذه القضية. غزة بأهلها وقياداتها وفصائلها ستبقى الحارس الأمين على فلسطين القضية وفلسطين الشعب. ارادوا التأكيد على القول الذي يتردد على لسان الكثير من القيادات ان لا دولة في غزة وان لا دولة بدون غزة وان الفصل بين غزة والضفة يجب ان ينتهي بأسرع وقت.
ثالثا: الجماهير ارادت القول: اننا سئمنا الانقسام ويا "فتح" ويا "حماس" كفى تلاعبا بنا.. كفى تهربا، ولم يعد يجدي تحميل المسؤولية للطرف الآخر.. كفى حديثا عن المصالحة من باب رفع العتب. تواجدهم بهذه الكثافة غير المسبوقة في المهرجان هي رسالة صريحة وواضحة ان الشعب يفهم ما يدور من حوله، وهو يريد ان يرى انهاء للانقسام.
رابعا: هناك من أتى الى المهرجان من باب التعاطف مع حركة "فتح" وابنائها الذين ظلموا خلال السنوات الماضية، وأرادوا ان يقولوا لـ"حماس" ولـ"فتح" ايضا: آن الاوان لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة في العلاقات مبنية على الاخوة والمحبة والاحترام والشراكة وعدم شطب الآخر لان هذا الأمر لم يعد ممكنا.
خامسا: هذه الجماهير جاءت لكي تبدد التخوفات والأوهام لبعض القيادات الفتحاوية والحمساوية الناتجة بالأساس عن غياب الثقة. هناك من حاول اقناعنا ان "حماس" لن تسمح مطلقا بإجراء الاحتفال في منطقة مفتوحة وسط غزة.. وافقت "حماس" وانعقد المهرجان. هناك من قال ان "حماس" ستفتعل مشكلة قبل انعقاد المهرجان وخاصة بعد ان شاهدوا اندفاع الناس قبل ايام من الموعد المقرر وتفاجأوا بالانضباط المطلق لدى اجهزة الأمن وتعاون غير مسبوق من قبل الشرطة التي حرصت على ان تسير الأمور دون مُنغصات. من ناحية اخرى تبدد الخوف الحمساوي ان "فتح" سيلحمون بعضهم البعض وان الصراعات الداخلية ستشكل خطرا على النظام العام، وتبدد الخوف ايضا في فقدان السيطرة. المفاجأة كانت انه لم يحدث حتى ولو خلل بسيط، وكان هناك حرص فتحاوي من قبل الجميع على انجاح المهرجان وأن كل ما تردد من حديث عن اشكالات بين ابناء "فتح" ليس لها اي وجود على ارض الواقع.
الحديث يطول عما حدث قبل وخلال وبعد المهرجان ولكن ما هو اكيد ان غزة قبل المهرجان ليست هي غزة بعد المهرجان. النصر هو للشعب الفلسطيني ولقضيته الوطنية وهو اثبت مرة اخرى انه اكبر من كل قياداته وتنظيماته. النصر هو لـ"حماس" لتحليها بروح المسؤولية العالية وتوفير كل سبل النجاح، والنصر هو لـ"فتح" التي اثبتت انها معادلة صعبة عصية على الشطب او الكسر.