لم يكن مستبعدا ان تتم محاصرة القيادة الفلسطينية في الضفة الغربية بعد أن أصرت على التوجه للأمم المتحدة لنيل الدولة بصفة المراقب في الجمعية العمومية، فهناك أهداف لا بد من تحقيقها في هذا الحصار ترتبط بالرغبة الأمريكية والإسرائيلية في زعزعة الأوضاع الأمنية والسياسية في الضفة للضغط على الرئيس أبو مازن والسلطة للموافقة على الشروع بمفاوضات غير مشروطة. فعلى الرغم من الكراهية التي تجمع الأمريكي أوباما والإسرائيلي نتنياهو غير أنهما يتفقان على أهمية محاصرة أبو مازن، فلقد قام أوباما مؤخرا بتهديد أبو مازن هاتفيا قبل التصويت في الأمم المتحدة وقال له "لقد تجاوزت الخطط الحمراء في هذه الخطوة". أما نتنياهو يريد رد اعتباره في انتخابات الكنيست كي يتوج رئيسا للحكومة المقبلة بعد أن فشل في التصدي للقرار الأممي ومواجهة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وبالتالي فإن تدمير الوضع الفلسطيني في الضفة أحد أهم أهدافه الاستراتيجية. وبالتالي فان شكل وملامح المرحلة المقبلة بالنسبة للفلسطينيين غير واضحة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة وخصوصا في الضفة الغربية نظرا لعدم وضوح شكل وتحركات الحكومة الاسرائيلية المقبلة في إطار العملية السلمية، ففي مقابلة أجرتها صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية مع أبو مازن مؤخرا فقد أوضح بأنه إذا استمرت الحملة الإسرائيلية ضد فلسطين واستمر الإستيطان، فلن يحدث أي تقدم في العملية السلمية، ولكنه أبدا استعداده للتفاوض مع الحكومة الاسرائيلية بعد الانتخابات شريطة وقف الاستيطان واستأنف نقل العائدات الضريبة للسلطة، إضافة إلى إطلاق سراح 120 أسيرا ً عند بدء المفاوضات.
وما يثير الجدل الكيفية التي من الممكن أن تتحرك بها الحكومة الإسرائيلية المقبلة، فهل ستقبل مبادرة أبو مازن؟ هل ستعود للمفاوضات بوقف الاستيطان واستئناف نقل العائدات الضريبية والافراج عن الاسرى؟ بعد أن تكرر السيناريو العربي الذي جرت عليه العادة بفشلهم بتوفير شبكة أمان مالية للفلسطينيين بقيمة 100 مليون دولار شهريا، فثمة اعتقاد بأن هذا الفشل العربي الذريع ناجم عن ضغوطات أمريكية وإسرائيلية ومن خلفها أوروبية بهدف كسر ارادة القيادة الفلسطينية وخلق حالة من عدم الاستقرار في الضفة بين السلطة والشعب، وربما محاصرة الرئيس ابو مازن والتحضير للتخلص منه سياسيا على الاقل بشتى الطرق بهدف التقليل من سقف المطالبات الفلسطينية المشروعة أمام المجتمع الدولي. وربما تكون محصلة هذه الضغوطات على القيادة الفلسطينية بهدف الحديث عن مبادرة جديدة وربما براعي أخر لهذه المبادرة على شاكلة "قميص يوسف ومؤامرة الأخوة مع الذئب" بهدف التحرك نحو مفاوضات مؤقتة مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل بما يضمن وقفا مؤقتا للاستيطان لا تتجاوز أهداف هذه العملية إدارة للمفاوضات إرضاء لرغبات أمريكية وأوساط يسارية اسرائيلية وبعض الأوروبيين، وربما تتجاوز هذه المبادرة لتنطلق نحو إعاقة أي خطوات جديدة قد تقوم القيادة الفلسطينية مجددا بهدف نيل العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وذلك يعني تحديد معالم حقيقية ومثبته للدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 بحسب القرارات الشرعية والدولية وذلك الخيار لا بد من الاجهاز عليه مبكرا من اسرائيل والغرب، ومن الممكن ان تكون هناك طروحات أخرى للممارسات أشد بحق الفلسطينيين لتدمير خيار حل الدولتين اذا ما تابعت الحكومة الاسرائيلية تنفيذ مخططاتها الاستيطانية في تهويد القدس والضفة ومشروعها الاستيطاني الخطير E1، ومنها طروحات لا يمكن نبذها أو الثناء عليها حاليا باعتبارها ليست مؤكدة لغاية اللحظة وربما تحتاج الى خطوات لاحقة كطرح الكونفدرالية بين الضفة والأردن وربما تتسع أكثر لتشمل قطاع غزة، ولكن في حال تم الاعتماد على خيار الكونفدرالية فان أحد الأهداف كما يطرح الآن الحفاظ على ما تبقى من أراضي الضفة وغزة، ووقف المجازر والاعتقالات بحق شعبنا، اضافة الى وقف البناء الاستيطاني والمحافظة على الثوابت الفلسطينية، كما أن هذا الطرح سيعفي الفلسطينيين من الاعتراف بيهودية الدولة الاسرائيلية واعتراف الاسرائيليين بالدولة الفلسطينية المستقلة، وفيما يتعلق بالقضايا العالقة كالقدس واللاجئين ومستقبل المستوطنات في الضفة سيتم البت بها لاحقا. أما فيما يتعلق بقطاع غزة فقد ظهرت أحاديث متفرقة عن طرح يقضي بإنشاء كيان فلسطيني في قطاع غزة منفصل عن الضفة من خلال توسيع القطاع ليشمل مساحات شاسعة من أراضي سيناء المصرية، وذلك تم التعبير عنه بقرار سيادي مفاجئ من الجيش المصري يمنع على غير المصريين تملك الأراضي على الحدود الشرقية من سيناء لا سيما التكهنات الرائجة التي تتحدث عن انتقال لملكية الأراض في سيناء إلى جهات وشركات خاصة وأشخاص فلسطينيين.
وفي بداية هذا العام، ليس مستغربا أيضا أن تكون هناك مبادرة جديدة تنطلق بقطار المصالحة مجددا بين حركتي "فتح" و"حماس"، وربما يكون هدفها اتمام المصالحة ولكن ذلك مستبعدا في الوقت الحالي وربما يكون الهدف الاجهاز على ما تبقى من المصالحة كهدف أمثل، فلا يمكن الحديث عن المصالحة ما دامت هناك ممارسات منفردة وقرارات فقيرة ووحيدة لا تتجاوز كونها ممارسات شخصية وحزبية ضيقة وغير مسؤولة أحيانا، فلو كانت هناك نوايا حقيقية لدى القياديين في الفصائل لإتمام المصالحة لتمت الاستفادة على المستوى الفلسطيني من الحراك الشبابي العربي والثورات التي تجوب البلاد العربية من الأقصى الى الأقصى بهدف زيادة الزخم والتأييد للقضية الفلسطينية ومسجدها الأقصى وخصوصا بعد حادثتي التوجه الى الامم المتحدة والعدوان الاخير على غزة، ولكن دعوات المصالحة بقيت في أطرها الشعبية والجماهيرية، والعجيب أنه بدلا من تربع الأجندات العربية والفلسطينية على قائمة الأولويات العربية نجد الطريق معبد أمام الأجندات "المبهمة" التي هدفها تحويل الثورات العربية من نعمة الى نقمة تقتل كل تفاؤل وأمل بمستقبل أفضل لشعوب المنطقة ككل- وهذا ما لا نتمناه- فهذه الاجندات تشجع الكثيرين سواء من الغرب أو غيره على تنفيذ مخططات عديدة منها استهداف الوضع العربي والفلسطيني وقد تكون ملامح تقسيم جديدة للشرق الأوسط قد شارفت على الانطلاق وربما دخول "سايكس بيكو جديد" حيز التنفيذ في أقرب وقت في المنطقة.