اليوم، الأول من يناير (2013)، ذكرى انطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتــح"، وميلاد الثورة الفلسطينية المُعاصرة في الفاتح من يناير (1965)، قبل (48) عاماً، وبادئ ذي بدء يطيبُ لي أن أتقدمَ بأحّر التهاني في هذه المناسبة التاريخية العظيمة إلى جماهير شعبنا المُناضل في الوطن والشتات، وإلى أبناء حركة "فتـح" خصوصاً، وأبناء الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية عموماً، وإلى أمتنا العربية المجيدة، لأنه في هذا اليوم التاريخي استعادت الأمة العربية هيبة عسكريتها التي هُزِمت أمام العسكرية الإسرائيلية مرتين، الأولى عام (1948) والثانية عام (1956).
شأن حركة "فتـح" ومنذ أن أصبحت حركة جماهيرية تُلامس مصالح الأغلبية الساحقة من أبناء وجماهير الشعب الفلسطيني، لم يعد شأناً داخلياً في حركة "فتــح"، وإنما شأناً وطنيّاً عاماً بامتياز يخص الشعب الفلسطيني بكافة قطاعاته وفئاته، وموضع بحث ودراسة وتقييم في العديد من الدوائر الوطنية والعربية والإقليمية والدولية، لذلك من الطبيعي أن تسمع رأياً عن "فتـح" أو نقداً لها من خارجها، فهي وبجدارة حركة كل فلسطيني مَنٌ لا حركة له ولا حزب له، هي حركة المقهورين والمعذبين من أبناء الشعب الفلسطيني، ولطالما سمعتُ قولاً من العديد من المسئولين والقيادات في الفصائل والقوى السياسية الأخرى، إذا كانت حركة "فتــح" بخير، فإن فصائل منظمة التحرير والثورة بخير، فهي كانت ولازالت تُمثل العمود الفقري للحركة الوطنية والسياسية الفلسطينية، وتُعتبر البوصلة التي تحدد اتجاه المسار الصحيح لما تتمتع به منذ بداية تكوينها وانطلاقتها وعلى مدار مراحلها النضالية المختلفة من نظرات ثاقبة وعميقة وموضوعية تجاه مستقبل كافة القضايا الوطنية والسياسية والإستراتيجية التي تهم الشعب الفلسطيني ومصالحه الحيوية وقضيته وحقوقه وثوابته الوطنية الراسخة الثابتة غير القابلة للتغيير تحت أي ظرف.
مع دخول حركة "فتــح" عام (2013م)، وتقدمها على طريق تحرير الأراضي الفلسطينية من نير الاحتلال الإسرائيلي العسكري والاستيطاني، لإقامة دولة فلسطين المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف عليها، من الضرورة بمكان أن تُجري حركة "فتــــــح" جرداً شاملاً لهذه السنوات الطويلة، ماذا فعلت، وماذا لم تفعل، وماذا عليها أن تفعل، ومن الأهمية بمكان أن تقدم حركة "فتـــــــــــــــح" كشف حساب لنفسها ولجماهيرها، وأن تعمل على إجراء حساب عسير مع ذاتها، لما فيه خير ومصلحة الحركة وسلامة وصلابة بنيانها التنظيمي والوطني والسياسي والاجتماعي والنضالي، ولما فيه خير ومصلحة المشروع الوطني الفلسطيني، ومستقبل الشعب الفلسطيني.
فتــح إلى أيــن؟!
سؤال مشروع سمعناه كثيراً، وفي أكثر من مناسبة، وفي أكثر من محطة فارقة في مسيرة وتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، سؤال ظاهره وباطنه مختلفان، فهو قابل أن يحمل تفسيرات مختلفة واحتمالات متعددة، خاصة في ظل الظروف العسيرة التي مرت بها حركة "فتــح" بشكلٍ خاص، والنضال الوطني الفلسطيني بشكلٍ عام، وعلى وجه الخصوص بعد الغياب المفاجئ للرئيس (ياسر عرفات)، الذي كان يقود حركة "فتــح" والحركة الوطنية الفلسطينية، والنضال الوطني الفلسطيني، بطريقة حافظت على التوازن الدقيق، فلقد اعتقد البعض أن حركة "فتـح" بعد (ياسر عرفات) سوف تذوي وتذوب شيئاً فشيئاً، ولكن من يعرف "فتــح" يعرف أن لديها من القوة والمنعة الداخلية ما يحول دون ذوبانها وتلاشيها في زحمة الأحداث الجسام، ويعرف أن لديها من المرونة الثورية بما يكفي لتجنيبها الانكسار، وأن لديها من الحكمة والصلابة بما فيه الكفاية لمنعها من الانزلاق، فلقد كانت ولازالت حركة الديمومة القادرة على أن تصنع من الانكسارات انتصارات، وأن تجعل من عناصر الحصار والمؤامرة والالتفاف والتغييب ومحاولات الاحتواء، حوافز فعالة فوق العادة لاستنهاض الذات، وشحذ الهمم، ورص الصفوف، وتجميع الطاقات الذاتية والموضوعية في بوتقة واحدة، وإحداث النقلة النوعية المرجوّة في داخلها وفي داخل الواقع الفلسطيني، والحفاظ على تماسكه وطنياً وسياسياً ومجتمعياً وثقافياً وأخلاقياً.
لكن كل هذا لا يمنع من تسجيل العديد من الأسئلة والملاحظات على أداء وممارسات "فتـح" في المراحل السابقة، للاستفادة والتعلم منها في صياغة الحاضر والمستقبل، ورسم خريطة العمل، ومن هذه القضايا التالي:
أولاً/ أزمة القيادة في حركة فتـــح:
كان من المأمول أن يعمل عقد المؤتمر السادس لحركة "فتـــح" (2009) الذي شكل ضرورة، على إحداث نقلة نوعية في حياة وتاريخ ومسيرة الحركة ويزيد من إعمال الديمقراطية في أطرها وقواعدها ويخفف من سطوة المركزية الديمقراطية، ولكن وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، يبدو أن الأمور لا تسير في الاتجاه السليم، ولم يتم تحقيق أية انجازات ملموسة، لا بنيوية، ولا فكرية، ولا ثقافية، بل على العكس تماماً تراجعت الانجازات السابقة، فالحركة بدون إعلام، وبدون بيان عام، وبدون تعميم داخلي، وبدون إذاعة، وبدون فضائية، وبدون صحيفة، وبدون نشرة أو مدونة، تشكِّل مرجعية لأخبارها، والسؤال المشروع أين تكمن المشكلة، هل هي في الأشخاص، أم هي في السياسات؟
ثانياً/ خسارة الانتخابات:
خسرت حركة "فتـح" في الانتخابات البلدية عام (2005)، وفي الانتخابات التشريعية عام (2006)، وحتى أن الانتخابات البلدية في الضفة الغربية عام (2012) لا تحمل دلالات عميقة أن الحال صار أحسن من سابقه، فـ"فتح" نافست "فتح" ولم تحقق النسبة التي كان يجب أن تحققها، والانتصارات الصغيرة وإن كانت في غاية الأهمية في الجامعات والنقابات ليست حاسمة، طالما كانت الخسارة كبيرة في أكبر دائرتين وهما دائرة التشريع، ودائرة الخدمات العامة للجماهير.
ثالثاً/ الانقسام الفلسطيني:
لقد كان للانقسام الفلسطيني آثار كارثية على "فتح" ليس في قطاع غزة موطن الانقسام فحسب، وإنما في الضفة الغربية أيضاً، فلقد خسرت "فتـح" كافة مواقعها الرسمية والحركية والخدماتية والثقافية والإعلامية والتربوية في غزة، وتراجع دورها الجماهيري والخدماتي العام، وتراجعت علاقة "فتـح" في غزة مع "فتــح" بالضفة، فلم تعد بنفس تلك الروح والمضمون السابق التي كانت عليه من التواصل وتبادل الزيارات والخبرات.
رابعاً/ فشل مشروع التسوية:
لأسباب كثيرة، أبرزها الأسباب الإسرائيلية، وصلت المفاوضات السياسية ومسيرة التسوية إلى طريق مسدود، فبعد أكثر من عشرين سنة من المفاوضات العقيمة، نحن أمام لاشيء، وندور في حلقة مفرغة، وحتى أن الانجاز السياسي والدبلوماسي في الأمم المتحدة، واعتراف العالم بالدولة، هو انجاز معنوي، والدولة لازالت كيان معنوي، وليس بمقدوره أن يحسم النتائج نهائياً لصالح الفكرة الأساسية وهي دولة على الأرض وفي الواقع.
خامساً/ ملف اغتيال ياسر عرفات:
ثماني سنوات من عمل اللجان الحركية والوطنية، لم تكشف لغز اغتيال ياسر عرفات، فكيف لحركة عريقة وطنياً وسياسياً وأخلاقياً يمكن أن تتعايش مع هذه النتائج، وكيف يمكن لأبنائها أن ينظروا في عيون أبنائهم وأبناء شعبهم.
سادساً/ غياب دور حركة "فتـح" الخدماتي:
خسرت حركة "فتح" الانتخابات البلدية أولاً ومن ثمَّ الانتخابات التشريعية ثانياً، ولكن أين مؤسسات حركة "فتـح" الخدماتية وجمعياتها الخيرية، وأين دورها لمساعدة الفقراء ومد يد العون للمحتاجين.
سابعاً/ المعضلات التي بدون حلول:
هناك معضلات وطنية ومجتمعية عامة وعديدة بدون حلول، ملفات تفريغات (2005، 2006، 2007) وملفات الشركات، واستحقاقات الموظفين الجالسين في بيوتهم بقرار سيادي علوي، ومسألة العاملين غير المفرغين في الأطر الحركية الفتحاوية، مسائل كلها مطلوبة من حركة "فتــح"، فهي المسؤولة أولاً وأخيراً عن إيجاد الحلول العملية والشافية، لكسب شريحة واسعة من أبناء الشعب الفلسطيني.
ثامناً/ منظومة من الأسئلة:
هناك منظومة من الأسئلة والاستفسارات الهامة موضوعة على جدول وأجندة حركة "فتــح" عاجلاً وليس آجلاً، من أبرزها، ماذا بعد الاعتراف بالدولة في الأمم المتحدة، وماذا بعد وصول التسوية إلى طريق مسدود، وماذا بعد أن أصبحت السلطة الوطنية بدون سلطة وبدون مال وواقعة تحت الاحتلال وبطش سياساته، وممارساته في القدس والضفة الغربية وحصار قطاع غزة، وأين "فتح" من علاقاتها مع عمقها العربي.
وبعد كل هذه الأسئلة، يبقى السؤال المهم: ما هو مستقبل الديمقراطية في فلسطين في ظل استمرار الانقسام، وهل حركة "فتـح" جاهزة للانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية القادمة، والسؤال الأهم: ما هو مستقبل المقاومة الفلسطينية في ظل فشل التسوية وانسداد الأفق السياسي، وفي ظل سعي إسرائيل لتهدئة طويلة الأمد؟
حركة "فتــح" أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تذهب إلى عقد المجلس العام (الكونفرنس) لانتخاب لجنة مركزية جديدة ومجلس ثوري جديد، وإما أن تذهب إلى المؤتمر العام السابع لانتخاب قياداتها، ورسم سياساتها من جديد لمواجهة المهام والمسؤوليات والاستحقاقات الوطنية والسياسية والنضالية الماثلة أمامها حاضراً ومستقبلاً.
عاشت ذكرى الانطلاقة المجيدة.. وكل عام وأنتم بخير