لقد عشت وتعايشت مع الحالة المصرية عبر سنوات طويلة، التقيت خلالها بشرائح مختلفة من الشعب المصري، وعاصرت العديد من الأحداث والتطورات السياسية السعيدة والحزينة، ورأيت كيف أن مصر كانت الحاضنة والجسد الذي كان يحرص عليه كل مصري في الداخل والخارج، وكيف أن الحب لمصر كان هو السمة الغالبة في الشخصية المصرية، وكيف أن مصر كانت البوتقة التي تنصهر داخلها كل ولاءات المصريين، ولمست عمق الحب الذي يحمله المواطن المصري لمصر، وهذا الحب هو الذي وحد ويوحد كل المصريين حرصا وخوفا على مصر، وحماية لها من أي مساس بها.
لمست هذا الحب في مناسبات كثيرة، في العدوان الغاشم على مصر عام 1956، وكيف التف المصريون حول الرئيس عبد الناصر رجل وصوت واحد لا يعلوه صوت إلا مصر. وتجسد هذا الحب في المناسبات الرياضية القومية وكيف كانت الفرحة تعم كل شوارع القاهرة عندما يحقق الفريق المصري القومي إنتصارات عظيمة، والكل يصرخ بحب مصر، والكل رافعا علم مصر، حتى الأطفال الصغار كانوا يخرجون للشوارع فرحين بأي إنتصار. ولم تقتصر هذه الفرحة على المناسبات الرياضية، بل عندما فاز الكاتب والأديب نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب والعالم المصري زويل بجائزة نوبل في الفيزياء كيف عبر المصريون عن فرحتهم وكأنهم جميعا حصلوا على هذه الجائزة، والفرحة كانت لمصر لأن أي إنجاز كان يسجل في تاريخ الحضارة المصرية.
ومما أستوقفني كثيرا هذا الإعتزاز الكبير بحضارة مصر، وتاريخها الطويل، وعبارة "مصر أم الدنيا" وكأن العالم كله قد أختزل في أرض الكنانة. ولعل من أكثر ما شدني في هذا الحب الآية القراآنية الكريمة التي يقرأها كل زائر تطأ قدماه أرض مصر: قوله تعالى: "أدخلوا مصر آمنيين"، دلالة على الأمن والإستقرار الذي كان ينشده الكل، وهذا الإستقراروالأمن سببه حب المصريين لمصر، وعدم سماحهم بالمساس بأمنها وإستقرارها. وآتساءل أين هذا الحب؟ وهذا الأمن والإستقرار؟ ولم يتوقف الحب عند حدود الإنتصارات والإنجازات بل حتى في أحلك الأوقات العصيبة التي مرت بها مصر، وأتذكر جيدا حرب 1967، فعلى الرغم من هذه الهزيمة والنكسة التف كل المصريون حول مصر يداوون جراحهم ملتفين حول مصر وكأنها فعلا الأم التي يلتف حولها أبناءها يرعونها ويحمونها من أي مرض أو علة، وأي ألم.
ولعل اكبر لحظات الحب في وقت الألم عندما خرج كل المصريين يرفضون إستقالة الرئيس جمال عبد الناصر ليرفضوا الهزيمة، ويعلنوا إصراراهم على إستعادة كرامة مصر وهيبتها. وأتذكر يوم أن خرجت كل مصر يوم وفاة عبد الناصر لتودعه بكل الحب. ومن المناسبات العظيمة التي عبر عنها الشعب المصري في حبه لمصر إنتصار أكتوبر العظيم. هذا الحب تجسد في التضحيات والشهداء، وتحمل كل أشكال المعاناة الحياتية من فقر وبطالة وكل ذلك من أجل عيون بهية.
والحديث طويل في حب مصر، وإذا جاز لي أن أختصر تاريخ مصر كله أختصره في هذا الحب الذي كانت شعوب العالم الأخرى تحسد الشعب المصرى عليه. وأتساءل وبحزن عميق وأنا أتابع كل لحظة تعيش فيها مصر بعد ثورة يناير العظيمة والتي جمعت كل آطياف الشعب المصري أغنيائه وفقرائه، رجاله ونسائه، كباره وشبابه، وأطفاله، لم يبقى واحدا خارج دائرة هذا الحب، وهو السر العظيم في نجاح الثورة.
أتساءل أين ذهب هذا الحب؟ وكيف لمصري أن يقف في وجه أخيه المصري؟ وهل يعقل ان هذا الشعب ينقسم إلى فريقين متناحرين متصادمين، وصلت العلاقة بينهما إلى حالة من العداء؟ من المسؤول عن ذلك؟ هل هي الثورة؟ أم هو الدين؟ أم السعي من أجل الحكم والسلطة وبأي ثمن حتى لو كان حب مصر؟ الذي يجرى في مصر الآن لا يعبر عن هذا الحب، ولا يعبر عن وحدة الشعب المصري الذي لم يعرف في تاريخه حتى في وقت وزمن أقسى انواع الحكم إستبدادية إلا الحب والتسامح، ولا أحد يستطيع إن يميز بين هذا مسيحي وهذا مسلم، هذا يحدث اليوم وفي زمن حكم الإسلاميين، ومصر لم تكن في أي وقت خارجة عن دينها، بل كان الدين من أبرز مكونات الشخصية المصرية، ولكن الدين المتعلق بالتسامح والحب ونبذ التمايز والعنف والكراهية.
اليوم نسمع هذا مع الدين ومع حكم الإسلاميين، هذا ضد الدين، وهذا التصنيف ترفضه الشخصية المصرية بكل مكوناتها، وبكل هوياتها التي كانت تتوحد في هوية وحب مصر. اليوم المصريون منقسمون حول الدستور، وحول كلمة نعم وكلمة لا، لدرجة أن الشعب إنقسم إلى شعبين شعب نعم، وشعب لا. والكل يعرف ويدرك أن الدستور وعلى أهميته لا يبني دولا ومجتمعات وأمة قوية، بل أن الحب الذي يحمله المصريون على إمتداد تاريخهم هو الذي بنى مصر وجعل منها دولة وأمة قوية. وبدون الحب والعطاء لمصر لن يستطيع أي فريق أن يحكم، ولا يمكن أن يكون ثمن الحكم هو حب مصر، فمصر باقية والحكم زائل وهذا أعظم دروس ثورة يناير التي يبدو أن القوى الطامحة للحكم والسلطة فقط لم تستوعبها.
ولعلي أذكر بالعبارة التاريخية المشهورة التي كان يرددها الجميع لعنة الفراعنة والتي قد أستبدلت بلعنة الدستور، فالدستور وظيفته الأساية أن يوحد ويجسد الولاء والإلتفاف حول حب مصر وليس تجزئة مصر وتحولها إلى شيع وكتل وجماعات متناحرة، هذه ليست مصر التي غنى لها كل المصريين، وحاربوا من أجلها، ورفعوا علمها في كل مناسبة وطنية، واليوم يريدون أن يستبدلونه بأعلام حزبية صغيرة. اين ألإعلام؟ وأين دور المثقفين والمفكرين؟ وأين دور الأزهر؟ وأين دور الدعاة الصادقين؟ أين دور المواطن العادي؟ أين دور الجميع في حب مصر؟ فمصر تريد الحب من أبنائها ولا تريد دستورا يحول مصر إلى مسيحي ومسلم، ومسلم وليبرالي، ونعم ولا. مصر أخيرا تريد فقط كلمة نعم من اجل مصر.