مثلما لم يتوقع أحد حصول الثورات العربية لم يكن يتوقع احد انتشارها السريع فى سائر الاقطار بما فيها الاقطار التي كان من الصعب توقع حصول ثورة فيها.
ومع بداية الحراك التونسي الذي بات ينظر له كحامل للشعلة الاولى للثورة العربية كان من غير اليسير معرفه السيناريوات المحتمله للثورات الاخرى فيما عدا بعض الكتابات المحدودة التي طرحت السؤال الأساس في تلك المرحلة، ألا وهو امكانية تعميم التونسة على المنطقة العربية.
وتعميم التونسة او التجربة التونسية كان يفهم في حينه، انتفاضة محدودة الزمن، بخسائر محدودة من الناحية البشرية وتكاليف محدودة لناحية الخسائر الاقتصادية وموقف محايد للجيش ورحيل رأس السلطة. ثم نهاية سعيدة او بالحد الأدنى نهاية تنسجم بهذا القدر او ذاك مع الآمال والتوقعات.
لكن ما ان امتد لهيب الثورات من بلاد المغرب الى المشرق حتى بدأنا نرى سيناريوهات متعددة تبعا لظروف كل بلد من جهة بالمعنى العام والتفصيلي للكلمة بما في ذلك تفجير التناقضات الثقافية التي تم كبتها على فترات طويلة من قبل الحكم المركزي من جهة، ومن جهة ثانية ازدياد لحجم التدخلات الاجنبية التي كانت قد اخذت على حين غرة في المرحلة التونسية وبدأت بالتدخل بعدما ادركت خطورة التحولات الجارية.
واذا ما اردنا تقديم اطار نظري عام للمجتمعات يمكن القول باختصار انه يوجد ثلاثه انواع من الدول:
الاول الدولة القوية والمجتمع القوي، وهذا يفترض ان يكون الامر المثالي.
الثاني الدولة القوية والمجتمع الضعيف وهذه هي السمه العامة لمجتمعات الاستبداد.
والثالث، و هي الصفه التي تنطبق حسب رأيي على دول الثورات العربية وهي دولة ضعيفة ومجتمع قوي.
ومعنى هذا ان الصراع سيستمر لوقت ما بين المجتمع القوي الناهض والمتحفز للتغيير والدولة الضعيفة وبقايا النظام السابق حتى استكمال مشروع التغيير الشامل، وهى عملية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة لكن اهميتها انها تساهم في اضفاء الحيوية على المجتمع الأمر الذي يساهم في التوجه تدريجيا نحو الشكل المثالي، أي دولة قوية ومجتمع قوي.
وما نراه في مصر من مناقشات للدستور على مستوى الافراد والجماعات يدل على اتساع آفاق عملية التغيير.
انها اول مرة نرى صراعا بهذا الشكل على دستور مصر. لا احد كان يهتم بأمر الدساتير في المراحل السابقة لأن الجميع كانوا يعرفون انها كانت شكليات لا اكثر و لا اقل. الآن نرى المواطنين يناقشون ماذا اعطى لهم الدستور من حقوق وما به من نواقص. نرى نقلة هامة من مناقشة الدستور من مستوى المختصين داخل الغرف المغلقة ليصل الى مستوى المواطنين العاديين، وأول مرة نسمع فيها المواطنين يشيرون للمادة الفلانية او تلك في الدستور. فلم يحصل من قبل في تاريح منطقتنا ان حصلت نقاشات عامة حول الدستور بهذا الشكل الواسع الذي سيساهم بالضرورة في تعميق الوعي العام بحقوق المواطن بعدما كان الدستور في ايام انظمة الاستبداد امر شكلي لا يلتفت اليه أحد.
والشكل الثالث، أي نموذج مجتمع قوي ودولة ضعيفة يعنينا ايضا في هذا التحليل لأجل الاضاءة على بعض الاشكاليات الموجودة فى الثورات العربية خاصة التي لم تستكمل بعد.
اشكالية الثورات الكبرى انها لا تملك بوليصة تأمين لنجاحها. وهو امر لا يمكن حصوله ولا يمكن لأحد تقديم ضمانات بالنجاح، هذا اذا استبعدنا بالطبع مقولة الحتميات الماركسية العامة والتي تفتقر في رأيي للعلمية.
من طبيعة التغييرات الكبرى انها قد تطيح بأسس الدولة وحتى المجتمع احيانا. وقد تقود لاستصال جذور النظام السابق وتقدم مؤشرات نحو بناء مجتمع جديد يتجاوز مرحلة الاستبداد. وقد تؤدي الى نتائج اكثر كارثية على البلاد من ما فعله النظام الذي قامت الثورة لأجل تغييره. ولذا فان نتائجها ليست مضمونة باتجاه التغيير الذي تسعى له القوى التي تناضل لأجل التعددية ودولة المواطنة الحديثة. وتزداد الخطورة اكثر عندما لا تكون قوى التغيير الديمقراطي هي القوة الاساسية التي تقود مشروع الثورة. لأنها ستكون مضطرة الى اقامة تحالفات مباشرة او غير مباشرة مع قوى تسعى للتغيير لكن وفق اجندات مختلفة بل قد تكون متصادمة مع اجندة قوى التغيير الديمقراطي. عندها يصبح من السهل دخول قوى تريد تغيير "الستاتوس كو " لكنها لاتؤمن بالديمقراطية وبالتعددية و لا بمنطق تداول السلطة والدولة الحديثة. وهذه اشكالية صعبة امام قوى التغيير الديمقراطي و عبئ اضافي يضاف الى اعبائها الصعبة الاخرى.
على كل حال من وجهة نظري هناك علاقة ما بين طبيعة النظم الاستبدادية والفاسدة والقوى المقاومة لها. فكلما كانت هذه القوى استبدادية وفاسدة اكثر قد تنتج معارضات قد تكون متماهية الى حد ما مع النظام الذي تحاربه. اي انها تحارب الاستبداد العلماني او الخليط من العلمانية والعائلية لكن لأجل استبدال الاستبداد العلماني بالدوله الشمولية الدينية. لكن اعتقد انه متى بدأ الحراك الاجتماعي الواسع النطاق وتحرر المجتمع من ثقافة الخوف واللامبالاة صار من الصعوبة بمكان لأي قوى استبداد من أي نوع ان تجد لها أرضا صلبة كما كان في السابق.. وهنا يبدأ فعلا دور قوى التغيير الديمقراطي.