في رواية نيكوس كازانتزاكيس "زوربا اليوناني" يخطئ المهندس الشاب الذي يبني جسرًا في إحدى القرى النائية في اليونان، فيتسبب ذلك في انهيار الجسر بعد فترة وجيزة من بنائه. يحزن المهندس الشاب حزنًا شديدًا، لكن صديقه (زوربا) المفعم قلبه بالأمل والإصرار وحب الحياة يقترح أن يواجها الموقف تحديًا بالرقص على وقع السانتوري الذي أعطى لمسة الإبداع التي لا يمكن نسيانها في الفيلم الذي مثله فيما بعد أنتوني كوين في أواسط الستينيات بنفس العنوان. أخطاء المهندسين والتلاميذ والأزواج والسائقين وغيرهم ممّن يمكن التجاوز عنها، أو معالجتها، يمكن أن تسمّى أخطاء كل يوم. لكن ثمة أخطاء لا يمكن التغاضي عنها، لأنه من الصعب معالجتها، أو احتواء نتائجها، خاصة إذا كانت من النوع الذي يُسمّى عند الغرب "Fatal mistakes"، أي الأخطاء المميتة، كأخطاء الأطباء، والطيارين، وسائقي القطارات، لكن أكثرها فداحة تلك الأخطاء التي يرتكبها الزعماء وتتسبب في كوارث ومصائب يصعب معالجتها أو احتواء نتائجها. ومن أمثلة تلك الأخطاء التي لا تزال ماثلة في الذاكرة العربية خطأ الرئيس عبد الناصر في حرب 67، وخطأ صدام حسين في غزوه الكويت عام 1990، وخطأ م.ت.ف. في توقيع اتفاقية أوسلو 1993-1994 التي حققت الأمن والتوسع الاستيطاني، وتهويد القدس لإسرائيل، ولم تحقق شيئًا للفلسطينيين.
مصر تعيش الآن أجواء خطأ من هذا النوع، تكمن خطورته في أنه تسبب في انقسام الشعب المصري بين تيارين، تيار تقوده جماعة الإخوان والسلفيين، وهو التيار الذي يؤيد الدستور والاستفتاء عليه، الذي بدأ فعليًّا أمس. وتيار تقوده جبهة الإنقاذ وغيرها من القوى المعارضة لمشروع الدستور والاستفتاء عليه، وذلك من خلال عملية استقطاب غير مسبوقة في تاريخ مصر، وهو ما وضع مصر في أجواء دوامة عنف منذ حوالى شهر، عندما أصدر الرئيس مرسي إعلانه الدستوري الذي أعطاه صلاحيات أعادت إلى ذاكرة الشعب المصري بعض ملامح حقبة مبارك، ثم اضطراره إلى إلغائه، عبر إصدار إعلان دستوري جديد لا يختلف كثيرًا عن الإعلان الذي ألغي، مترافقًا معه إصدار مرسوم بالاستفتاء على مشروع الدستور.
الخطأ المميت الذي ارتكبه الرئيس مرسي، وأدّى إلى هذا الوضع الكارثي الذي تعيشه مصر الآن أنه تصوّر أن الانتصار الدبلوماسي الذي حققه من خلال نجاحه في تحقيق الهدنة في حرب غزة، ولقى استحسانًا من الغرب، يمكن أن يوفر له الغطاء الكافي لإصدار إعلان دستوري، اعتبره العديد من أبناء مصر متناقضًا مع روح ومبادئ ثورة 25 يناير.
بالطبع فإنه من المفهوم ضمنًا أن قوى المعارضة ليست كلها نزيهة، وتعمل من أجل المصلحة العليا، فهنالك المأجورون والبلطجية والفلول والمندسون، كلها تتحدث الآن بصوت واحد. كما أن جبهة الإنقاذ الوطني بأقطابها الثلاثة لا يجمعها سوى قاسم مشترك واحد هو الإطاحة بالرئيس مرسي، وبمجرد أن يتحقق لها هذا الهدف يبدأ النزاع على السلطة بين الفرسان الثلاثة.
مصر تعيش الآن في محنة.. ندعو الله عز وجل أن تجتازها بأمان، وأن تعود اللُّحمة لوحدتها الوطنية التي ظلت دائمًا تشكل السياج الآمن، والدرع الواقي لحريتها، واستقلالها، وشموخها.