خلال جلسة الحكومة الاسبوعي هذا اليوم سيقدم ليبرمان رسميا استقالته كوزير للخارجية ونائب لرئيس الوزراء، كذلك سيطالب برفع الحصانه البرلمانية عنه لكي تتمكن النيابة من تقديم لائحة اتهام له بتهمة خيانة الامانة بعد ان اعلنت عن عدم رغبتها في تقديم لائحة اتهام له في قضايا الفساد المالي الكبرى التي حققت فيها لاكثر من ستة سنوات، حيث كان التحقيق معه حول اموال بمئات الالاف من الدولارات التي تم ادخلالها لحساب شركات لها علاقة به او لمقربين له بما في ذلك ابنته، ولعدم التأكد من امكانية ادانته في المحكمة قررت النيابة عدم تقديم لائحة اتهام له.
القضية التي سيتم توجيه لائحة اتهام بشأنها وهي "خيانة الامانة" تتعلق بمعلومات قدمها السفير الاسرائيلي في بيلاروس، و هي احدي جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا، حيث وخلال احدى زيارات ليبرمان هناك التقى به السفير في غرفته في الفندق وقدم له معلومات عن طبيعة التحريات التي تجريها النيابة الاسرائيلية عن ليبرمان في هذا البلد. لقد زوده بارقام الحسابات واسماء الاشخاص والشركات التي تتحرى عنها النيابة الاسرائيلية. هذا بطبيعة الحال يُعتبر عمل غير قانوني وغير اخلاقي من قبل السفير ومن قبل ليبرمان الذي حاول ترقيتة في وقت لاحق.
وفقا للقانون الاسرائيلي ليبرمان غير مُلزم بتقديم الاستقالة من منصبة، لكن وفقا للعرف كل شخصية عامة يتم تم تقديم لائحة اتهام ضدها، عليها الاستقالة. بالطبع يتعلق الامر بطبيعة التهمة الموجهة، كلما كانت خطيرة كلما اصبح الامر اكثر ألحاحا. التقدير هنا يعود للقضاء و مدى تفاعل الرأي العام في تحديد مدى الخطورة.
في حالة ليبرمان، هناك من يعتقد ان هذه القضية خطيرة وهو ملزم بتقديم استقالتة، وهناك من يعتقد ان القضية لا تستحق وبالتالي بامكانه الاستمرار في منصبة الى ان يصدر قرار من المحكمة حيث سيتقرر حينها ما اذا يستطيع مواصلة اشغاله لمنصب عام ام لا. اذا كان يجب عليه ان يستقيل ولم يفعل ذلك على رئيس الوزراء ان يقيله واذا لم يفعل ذلك رئيس الوزراء و تم التوجه الى المحكمة العليا في هذه الحالة هي التي ستقرر اذا ما كان ملزم بالاستقالة ام لا.
ليبرمان اختصر الطريق على نتنياهو واختصر الطريق على المحكمة العليا وقرر تقديم استقالته وفقا لحسابات سياسية وانتخابية وقضائية دقيقية، اهم هذه الحسابات هي:
اولا: السبب الاول والرئيسي هو خشية ليبرمان ان تجبره المحكمة العليا على تقديم استقالته وذلك بعد ان اعلنت اكثر من جهة نيتها تقديم طلب للمحكمة بهذا الشأن، المستشار القضائي للحكومة على ما يبدو ابلغ ليبرمان انه وفي هذه الحالة الدولة لا تستطيع ان تدافع او تبرر امام المحكمة عدم الاستقالة من المنصب الى حين انتهاء الجراءات القضائية بحقه.
ثانيا: ليبرمان لا يريد لهذه القضية ان تأخذ وقت طويل في المحاكم، هذا يعني طالما القضية لم تقرر بها المحكمة لا يستطيع ان يشغل اي منصب عام بعد الانتخابات. تكتيك ليبرمان في تقديم الاستقالة هو بالتوصل و بأسرع وقت ممكن مع النيابة يعترف من خلالها بالتهمة الموجهة له التي لا خلاف على تفاصيلها وحجمها، واصدار حكم ولكن بشرط ان لا يشمل هذا الحكم ادانه بـ "كلون" وهي كلمة عبرية تعني الوصمة او صمة العار. الترجمة القانونية للوصمة هي ان ليبرمان لا يستطيع حينها ان يتولى اي منصب عام لمدة سبع سنوات. قرار محكمة بدون الوصمة يعني ان ليبرمان يستطيع ان يعود الى منصبة او تولي اي منصب جديد دون اي عائق قانوني.
ثالثا: ليبرمان من الناحية التكتيكية ايضا قدم استقالته لانه لا يريد ان يكون موضوع الانتخابات الرئيسي هو فساده ومحاكمته وما اذا كان علية الاستقالة ام لا. هذا الامر يخدم اليسار والوسط و يضر بالليكود – بيتنا. مصلحة نتنياهو وليبرمان هو ان يتم التركيز في المعركة الانتخابية خلال الخمسة اسابيع القادمة على مواضيع الامن والتهديد الفلسطيني والايراني.
على ضوء كل هذه التطورات، السؤال الذي يطرح نفسه هو الى اي مدى ستؤثر استقالة ليبرمان على نتائج الانتخابات، وبالتحديد على قائمة الليكود- بيتنا التي تعطيها الاستطلاعات ما بين 35 الى 39 مقعد؟ والى اي مدى ستؤثر هذه القضية على مستقبل ليبرمان السياسي وحزب اسرائيل بيتنا الذي يقوده؟ حتى الان لم تجرى استطلاعات للرأي لقياس مدى تأثير استقالة ليبرمان على نتائج الانتخابات، ولكن التقديرات انه لن يكون هناك تأثير كبير ولن تحدث تغيرات جوهرية في موازين القوى الحالية.
اما حول مستقبل ليبرمان السياسي فهذا سيعتمد على طبيعة الصفقة التي سيبرمها محامي ليبرمان مع النيابة العامة، اذا كان قرار الحكم لا يشمل "الوصمة" فهذا يعني ان ليبرمان يستطيع ان يعود مباشرة الى اي منصب يريد ما عدى المناصب السيادية، وهذا لا يشمل وزارة الخارجية حيث يمكن ان يعين من جديد.
في كل الظروف و الاحوال ، بالنسبة للرأي العام الاسرائيلي الجدل حول قضية ليبرمان سيتواصل، ليس فقط في كل ما تعلق بجوانبة القانونية، بل الاهم هو في كل ما يتعلق بالجوانب الاخلاقية لقضايا النزاهة والشفافية وحماية الحقوق والممتلكات العامة وسلوك المسؤولين.
سر قوة المجتمع الاسرائيلي وتماسكة ليس بما يملك من طائرات واسلحة دمار وتقدم تكنلوجي، بل كلمة السر مبنية على اساس الفصل بين السلطات حيث يتمتع القضاء باستقلالية كاملة، لا يستطيع ان يؤثر فيها لا رئيس ولا رئيس وزراء او مسؤول جهاز امن. بل ان الرئيس والوزير هناك يخضع للمساءلة والمحاسبة والاجراءات القضائية قبل الغفير والمرافق والفقير.
اسرائيل دولة احتلال، دولة متمردة على القانون الدولي، تسرق ارضنا واحلامنا وتتحكم في ادق تفاصيل حياتنا، ولكن سر بقاءها انهم لا ينتظرون المسؤول الى ان يتخلى عن منصبه ويدير ظهره لينهشوا فيه مثل الكلاب السمعورة، بل يخضع للقضاء هو وابناءه وهو في ذروة قوته حتى لو كان من مؤسسي الدولة. هكذا حصل مع كتساف عندما كان رئيس للدولة وهو الآن سجين لاكثر من عام بتهمة التحرش الجنسي، لانه ليس لديهم نائب عام يتصرف بالملفات بناء على تعليمات. ابن شارون حقق معه بتهمة الفساد واعتقل لاشهر في السجن حتى عندما كان ابوه رئيس وزراء، واولمرت اضطر لتقديم استقالته وهو رئيسا للوزراء.
سر قوة المجتمع الاسرائيلي ان هناك صحافة تراقب وتحقق وتحاسب ولكنها في نفس الوقت لا تسيئ ولا تشوه ولا تفتري. سر قوة المجتمع انه وفي نفس الوقت الذي يتساوى فيه القوي والضعيف، الوزير والغفير والمسؤول والمواطن العادي الا انه لا يسمح بالقاء التهم ظلما وبهتانا ضد بعضهم البعض دون اثبات او دليل او قرار محكمة.
سر قوتهم انهم يرون كل شيء ويحاسبون على كل شيء، ليس هناك احد مستثنى. مثلنا تماما.