عقلية الاحتلال في سياسات الاغتيالات تبقى هي هي لا تتغير، فهذه السياسات هي من اهم مرتكزاتهم في حروبهم المفتوحة ضد الفلسطينيين، فلا تصدقوا ان الاحتلال سيتوقف يوما عن هذه السياسات، فهذه طبيعتهم ولن يخرجوا من جلدهم، فاذا كانت مصادر فلسطينية ومصرية اعتبرت ان التهدئة الاخيرة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال، تتميز عن سابقاتها العديدة، بانها "تلزم اسرائيل بوقف الاغتيالات" و"هذا انتصار فلسطيني"، بينما نفت مصادر اسرائيلية مثل هذا الالتزام، والارجح ان النفي الاسرائيلي هو الادق، ليس لان المصادر الفلسطينية والمصرية "تفبرك" الامر، فقد تكون اسرائيل سربت مثلا موقفا كهذا، غير انها في الصميم والجوهر تكذب وتخادع، ولانها اعتمدت سياسة الاغتيالات -تاريخيا- كاحدى اهم مرتكزات استراتيجياتها الحربية ضد الفلسطينيين والعرب ولا يمكنها ان تنسلخ عن جلدها، بل ان تاريخ هذه السياسة جزء لا يتجزأ من عقليتهم ومن وجود الكيان، ويعود الى ما قبل اقامة ذلك الكيان عام 48، حيث نظر وخطط وأدلى وسوغ كبار المفكرين والمنظرين الصهاينة للإرهاب الدموي والتدميري ضد الشعب الفلسطيني، وكانت سياسة الاغتيالات في صلب استراتيجيتهم الارهابية، ففي احدث تطورات المشهد الفلسطيني، وعلى الرغم من اتفاق التهدئة، الا انها ابلغت"اي اسرائيل"مصر بانها ستغتال رمضان شلح ومن معه، ان هو تجرأ على زيارة غزة، وبعض جنرالاتهم يبدون الندم على عدم اغتيال مشعل خلال زيارته لغزة، وحسب تقرير بثه التلفزيون الاسرائيلي القناة العاشرة (10/12/2012) فان "اسرائيل قلقة جدا من تداعيات المصالحة الفلسطينية واحتمالية اكيدة لرجوع العلاقات الودية بين حركتي حماس وفتح"، وأوضح التقرير "ان اسرائيل قلقة جدا من تداعيات المصالحة حيث ان حركة حماس في الضفة الغربية تحاول ان تطور بنيتها التحتية العسكرية ومحاولة الرجوع الى مقاومة الجيش الاسرائيلي في الضفة، الامر الذي سيؤدي الى اتخاذ اسرائيل قرارات قد تكون اغتيال القيادات السياسية والعسكرية لحركة حماس في الضفة لمنع اي هجوم من قبل كتائب القسام ضد الاسرائيليين في الضفة".
يبدو ان ملف الاغتيالات الذي توجته دولة الاحتلال في عدوانها الاخير على غزة، باغتيال القائد احمد الجعبري، وتواصله بالتهديدات المحمومة باغتيال شلح ومشعل وتصفية القيادات السياسية الفلسطينية بعد العسكرية، يبدو انه بات في مقدمة الملفات الساخنة مجددا، اذ اخذت دوائر الاستخبارات الصهيونية تستحضر وتفعل هذا الملف على نحو اشد واشرس واخطر من اي مرحلة سابقة، بل انه يتسيد قمة الاجندة الحربية السرائيلية.
وعلى نحو مكمل- إذا كانت سياسة الاغتيالات والتصفيات الجسدية المحمومة لكبار القادة والنشطاء الوطنيين الفلسطينيين، تعتبر "السياسة الصهيونية/ الإسرائيلية الأخطر والأشد إرهابية وإجراماً مع سبق التخطيط والنوايا المبيتة"، فإن هذه السياسة في الحقيقة جزء لا يتجزأ من استراتيجية إرهابية صهيونية/ إسرائيلية شاملة لم تتوقف التنظيمات الإرهابية السرية الصهيونية عن العمل بها قبل قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولا هذه الدولة نفسها بعد قيامها، كما أنها جزء لا يتجزأ من تراث وأدبيات سياسية وأيديولوجية إرهابية عريقة، وغدت صناعة صهيونية –اسرائيلية بامتياز لا مثيل له عالما..!
فقد حظيت سياسات الاغتيال ضد القيادات الفلسطينية بمباركة صناع القرار الإسرائيلي على أعلى المستويات، كما حظيت بمباركة القضاء العسكري لدولة الاحتلال، إذ "بارك الجنرال باراك- رئيس الحكومة الإسرائيلية الاسبق ووزير الحرب اليوم- عمليات الاغتيال وحيا منفذيها معتبراً إياها تندرج في إطار سياسة الدولة في مكافحة الإرهاب"، والجنرال افرايم سنيه نائب وزير الدفاع الإسرائيلي سابقا يعلن "أن التصفية الجسدية للفلسطينيين تشكل الوسيلة الأكثر فعالية ودقة وصواباً"، في حين أكدت مصادر أمنية إسرائيلية عديدة: "أن إسرائيل ستواصل سياسة الاغتيالات في المرحلة القادمة".
وكان شارون قد اعتبر في عهده "أن سياسة الاغتيالات التي ينتهجها في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية هي الأفضل التي تلبي احتياجات إسرائيل الأمنية"، ليأتي الجنرال بنيامين بن اليعازر وزير الدفاع في عهده ليرسخ هذه السياسة قائلا: "ليس أمام الحكومة الإسرائيلية من خيار إلا مواصلة سياسة الاغتيالات"، ولم يتأخر المجتمع الإسرائيلي بدوره عن توفير أوسع غطاء لهذه السياسة، حينما "أعرب 75% من الإسرائيليين عن اعتقادهم بضرورة أن تواصل إسرائيل سياسة الاغتيالات أن تواصل إسرائيل سياسة الاغتيالات ضد الفلسطينيين".
لنصبح بالتالي أمام تراث إرهابي إسرائيلي واضح المعالم والخطوط والأهداف، وأمام سياسة اغتيالات رسمية ومشرعة من قبل أعلى المستويات السياسية والقضائية والأمنية الإسرائيلية، ما يعتبر انذارا متجددا للفصائل والقيادات الفلسطينية، فيجب ان لا يلدغوا من هذا الجحر مرات ومرات، فاسرائيل تتربص صيدا ثمينا، ولن تفوت فرصة مواتية وذهبية لاغتيال احد القيادات وتتردد في ذلك، حتى لو ادى ذلك الى حرب اخرى.. هكذا هم.. وهذه هي الطبيعة الصهيونية.. وهذه هي "دولة إسرائيل" منذ نشأتها: دولة الارهاب والاغتيالات وجرائم الحرب..!!