أياً كان الأمر الذي سينتهي اليه موضوع الاستفتاء على الدستور؛ فإن مصر لن تكف عن استعراض خصوصيتها، من حيث هي مجتمع متنوّع، في الثقافة والديانة والسياسة والحيثيات الاقتصادية. وبناءً على هذه الحقيقة، يتعيّن على من يحكم، أن يسارع الى تسكين ميادين السياسة والثقافة والاقتصاد، وأن يُعيد الفضاء العام الى مستقره ومجراه، مع تعزيز المسار الديمقراطي. ولا يجدي على الإطلاق، أي استقواء أكثري، حتى وإن انعقدت الأكثرية لطرف ضمن العملية الديمقراطية. كذلك لن يكون مجدياً، أن يتجاهل حاكم ضرورة مشاركة الآخرين، في حسم القضايا المتعلقة بمصالح تخص مكونات المجتمع كافةً. فليس بمقدور أحد أو طرف، أن يزعم أنه يمثل المسار الصحيح دون سواه، وأن الآخرين ليسوا إلا موتورين أو فلولاً أو مناوئين. فالتوافق والمشاركة، في صياغة القواعد الأساسية الجديدة للحكم، هما ضمانة استقرار الفضاء السياسي. وهناك مشكلة حقيقية على صعيد الدستور. فالأصل، أن تبدأ خطوات صياغة هذه الوثيقة التي هي العقد الاجتماعي، بانتخاب ممثلي الشعب الذين يتعين عليهم تأدية مهمة الصياغة. والأمر هنا، يختلف عن الحسم وفق الأغلبية في انتخابات يتنافس فيها مرشحان للرئاسة، وإنما يأخذ في الحسبان، أن مجموع الأصوات التي حصل عليها المتنافسون الخاسرون، في الدورتين الأولى والثانية، يزيد بكثير عن مجموع الأصوات التي حصل عليها المرشح الفائز، علماً بأن هذا الأخير، استفاد من أصوات لا ترى بالضرورة، ما يراه الفائز حول شكل الدستور. بالتالي فإن حقيقة الثقل الانتخابي الكامن خارج الدائرة الحزبيبة للفائز؛ له مصلحة لا يجوز القفز عنها، في صياغة الدستور الذي يحسم القواعد الجوهرية لتحديد طبيعة الدولة، وتنظم السلطات العامة وتؤكد على الحدود بينها وترسخ المبادىء التي تؤكد على الحقوق الأساسية للمواطنين وللحاكمين.
ولئن كان من حق "الإخوان" الوصول الى السلطة، من خلال عملية ديموقراطية، مثلما يحق لسواهم؛ فليس من حقهم الزج بقوتهم لتمرير دستور لم يتم التوافق عليه، لأن في هذا إنكار لواقع التنوع وتغاضياً عن حق الآخرين في الاختلاف. ولا تُجيز لهم قوتهم معطوفة عليها قوة من رفضوا المرشح الآخر، في المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية؛ أن يخرج "المرشد الأعلى" مبكراً، لكي يصف الإعلاميين المعارضين للسياق الجاري، بأنهم "سحرة فرعون الذين يتّبعون أهواء الشيطان". فقد كانت تلك، إشارة خطيرة، من رأس هرم تنظيم يجر تاريخاً من النشاط الميليشوي العُنفي، جرّ عليه بطش الدولة في زمن معاركها الخارجية الكبرى، مع النفوذ الاستعماري. أما الثورة الأخيرة، التي أتاحت لهم تصعيد مرشحهم، فلم يكونوا فيها سباقين ولا الأكثر التزاماً بأهدافها. فقد كان لهم خلال المرحلة القصيرة، التي أعقبت اندلاع الثورة، مسار زئبقي متماوج، بدأ بنكث الوعود الصريحة، حول نية وحجم الترشيح لمجلس الشعب والرئاسة، ثم كان لهم تفاهمات ظرفية مع "المجلس العسكري" ومع قوى الثورة، تبعه اختلاف مع الجهتين. وتخلل الأمر، انفراد بتأييد حكومة الجنـزوري، قبل الدفع لإقصائها.
اليوم، ينقسم الناس حول صيغة الدستور، أي أن لا توافق عليه. ومورست في الأيام الأخيرة، الأعمال الميليشوية، التي تضطلع بمحاولات إكراه، على النقيض من شروط هيبة الدولة صاحبة الحق الحصري في الإكراه نيابة عن المجتمع ولمصلحته وبالقانون. الطرف المعارض، لا يشترط شيئاً في الدستور، ينتقص من توافر الفرصة لجماعة "الإخوان" مثل الآخرين، لكي ينافسوا ويفوزوا. الاعتراض يتعلق ببنود، ترجح رؤية "الإخوان" لشكل الحكم ولطبيعة الدولة، وهذا أمر ينبغي أن تتراجع عنه "الجماعة" لأنه ليس من حقها. فمصر تتنوع. بل إن البشر بطبعتهم يتنوعون. فـ "الإخوان" أنفسهم عندما صوتوا لاختيار مرشحهم؛ انقسموا في البداية مناصفة مع فارق بسيط لصالح خيرت الشاطر (56 الى 52) فما بالنا بالمجتمع. لذا فقد كانت مصر، في الليلة الماضية، تستعرض خصويتها الدالة على تنوعها، وعلى ضرورة أن يتوافق المصريون على الدستور، وأن تكون الدولة حَكَماً نزيهاً بين الناس..!