لعل أطرف الملاحظات التي واكبت زيارة خالد مشعل الى غزه، ومعه بعض أعضاء المكتب السياسي في الخارج؛ هي تلك التي لا تصلح عنواناً لخبر عبر الأثير، وإن كانت تأخذ حيّزاً معتبراً من الحديث الجانبي والنميمة. وهي ملاحظة في صيغة استنتاج، تُجيب عن سؤال: أين الزهار؟! فالرجل لم يظهر على المنصة، أمام حشد كبير، يتجاوز في حضوره الهادر، مساوىء حكم "حماس" في غزة، بشفاعة آمال الناس في خطى جديدة، يظللها وئام وطني مرتجى، وهي خطى، في الاتجاه المعاكس لخط التوتر والخصومة المريرة، التي ما زال قليل من الحمساويين في غزة، يراوحون في مربعها..!
وكان ما يساعد على التعليل والإجابة الافتراضية، ما قاله مشعل بذكاء، في توصيف اسماعيل هنية، على مسمع من الجميع: رئيس الحكومة في غزة، ورئيس "حماس" فيها. وتلك، رسالة متعددة الاتجاهات، تنعقد بمضمونها ـ ابتداءً ـ الزعامة المناطقية لهنيّة ويتحدد سقفها، وتضع حداً لاجتهادات حول الأدوار ومراكز التأثير والتكتلات، وتؤطر الوضع الرسمي للرجل، بعنوان وسط، هو فيه ليس رئيساً لحكومة "مُقالة" ولا رئيساً لحكومة فلسطينية شرعية منتخبة. فالمصالحة تنحو الى إنهاء وضعية الإقالة التي لم تكن نافذة في غزة، مثلما تؤكد على حكومة "حماس" في غزة ليست ذات شرعية نافذة في الضفة. والحكومات أصلاً لا تُنتخب، وإنما يكلفها منتخبون ويصادقون عليها في المجلس التشريعي. وهذا على أية حال، ليس هو جوهر الموضوع.
في سياق المشهد، بدا مشعل مستريحاً في قمة التراتبية الحمساوية، واتضح جلياً أنه غادر تماماً وضعية الإحباطات الداخلية التي اضطرته للحديث عن نيته عدم الترشح لرئاسة المكتب السياسي، وإن كان المشهد في مجمله، يخصم منه ـ على ما تبدّى في الأحاديث المسموعة ـ عنصر السمع والطاعة، الذي يحكم لغة الحديث عن قائد الحلقة الفلسطينية من "الإخوان" الذي يُفترض أنه قرين المُرشد، اللقب الذي اختاره حسن البنا مؤسس "الجماعة" لنفسه وتوارثه من بعده "المرشدون" لما له من دالّة على الروح والعقل، وبمقتضاه تتوجب الطاعة، وتنتفي العلاقة النديّة مع أي أحد. وهذا أيضاً، ليس هو جوهر الموضوع..!
في صميم الموضوع، إن "حماس" باتت معنية بصياغة الموقف الملائم، حيال وقائع الإقليم والمهام الوطنية في فلسطين، والتطورات في أقطار الجوار. فلم يعد يلائمها الموقف الباهت، من ذبح الشعب السوري، ولا التنصل من تعيين الخلل، على صعيد الدور الإيراني في صراع سوريا. وثمة دور منتظر لجماعة "الإخوان" في سوريا تحديداً، يجترحه أصدقاؤها بترحاب مثلما يجترحه خصومها مضطرين، لأن ما يجري حالياً على الأرض السورية، يعزز مكانة السلفية الجهادية، التي تنمو أعدادها سريعاً. فقبل نحو ستة أشهر لم يصل عدد أفراد الجهادية السلفية في مشهد القتال الى 3% من مجموع عناصر القوة المجاورة لكتائب الجيش السوري الحر (هي شبه منضوية في إطارها العام الفضفاض). لكن هؤلاء، اليوم، يزيدون عن 10% الأمر الذي جعل معلقي اليمين في الإعلام الأمريكي، يتحدثون عن "تعاظم مثير للقلق" لتشكيلاتهم العسكرية المسماة "جبهة النُصرة". فقد بدأت هذه التشكيلات، تتمدد خارج منطقة تمركزها الأولى في منطقة "الباب" من محيط حلب، وباتت حاضرة في درعا، وريف دمشق، ودير الزور، وإدلب. وما يقلق الأمريكيين أكثر، أن هؤلاء هم الأكثر دراية ومراساً في القتال، ويتمتع أفرادها بفطنة ميدانية كبيرة. بل إن الأنكى، بالنسبة للأمريكيين وغيرهم، أن شهادات الأطباء المسعفين والصحفيين ومصالح الاستخبارات من كل جنس؛ تؤكد على أن الجهاديين السلفيين، هم الأقل تعدياً بكثير، على المواطنين، والأحرص على التقرب منهم، ويتمتعون بانضباط مشهود، وتنال عملياتهم إعجاب الناس فيلتحق بهم شُبان جدد. إن هذا واقع، أصبح في تعاظمه، مصدراً لقلق يستدعي الاستعانة فوراً بإسلاميين وسطيين. وكيف سيحظى الإسلاميون الوسطيون بشعبية في مشهد الصراع، إن كان بعض المحسوبين على "الجماعة" في أي مكان، يكيلون المديح لإيران ويظهرون جفاءً حيال الثورة السورية؟!
أخونا الزهار، أسمع الكثيرين صوتاً في الاتجاه الخاطىء. ويقيني إنه لم يفعل ذلك عن تفكير أو عن قناعات، بقدر ما كان الأمر يتعلق بسجال داخلي يتركز حول دور يريده لنفسه، ويراه طبيعياً كإخواني مخضرم وأب لشهيدين. لكن المعاندة في المسائل الخطيرة، لا تؤخذ وفق أية حسبة شخصية أو اعتبارية ولا تمر مرور الكرام. فعندما أظهر مشعل، تفهماً للحاجة الاستراتيجية للمصالحة، ظل الزهار، من خارج هذه الرؤية، يصرّح بكل ما هو مستفز، ويتعمد الإثارة والشتيمة، لكي يُستثار الطرف الآخر من المعادلة، ويضعف منطق المصالحة ومن يتحدثون به على الطرف "الحمساوي"..!
كان طبيعياً في هذه اللُجة، أن ينـزوي الزهار عن مشهد المنصة أو أن يُزوى، وأن يتعزز دور هنية في غزة، وأن تتكرس زعامة مشعل، وأن تغلب حسابات الإقليم والأمر الواقع، وأن لا يُرى لمحمد نزال، الهادر النافخ في نار الخصومة، وجه على أية شاشة، وأن لا يُسمع له صوت..!