مع بدء ظهور وانتشار الصحافة والإعلام في العالم، كانت فلسطين من الدول الأولى التي كان لها باع وصيت كبير في هذا المجال، حيث كانت الصحافة في فلسطين في العهد العثماني مهنة محفوفة ومحاطة بالمخاطر والصعوبات، كون العثمانيين سعوا إلى تتريك البلاد وطمس وتهميش وتدمير كل ما هو وطني وقومي فيها، ولا زالت الصحافة الفلسطينية تتعرض لنفس تلك الأساليب وأكثر من قبل الاحتلال الإسرائيلي.
إن الحديث عن الإعلام الفلسطيني وتغطيته لمعركة الأمعاء الخاوية، معركة الكرامة في مواجهة الطبيب والسجان والزنزانة وضابط التحقيق وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، يتطلب دقة متناهية في التشخيص والقراءة والاستماع والمشاهدة والتحليل، لأجل الوصول إلى استنتاجات صحيحة ودقيقة، كوننا نتحدث عن إعلام مثير للجدل، إعلام شائك ومعقد ومتنوع وممول ومحاصر بأوامر وإجراءات منها الداخلية ومنها الخارجية يخلط ويمزج بين العام والخاص والمهني والسياسي والوطني والإنساني والمهم والأهم، إننا نتحدث عن صحافة وإعلام يضمد جراحه ويواصل المسيرة بكل ما أوتي من عزم وحرية رأي وإرادة.
لقد فجرت معركة الأمعاء الخاوية التي خاضها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال إلا من الماء والملح والإرادة والإيمان المطلق والعميق بان صاحب الحق سينتصر في النهاية، وان التاريخ سينقش اسمه على جداريته بحروف من المجد والعز والفخار واللازورد، حيث فجرت هذه المعركة ثورة إعلامية فلسطينية كسرت كل المقاييس والخطوط، فبين الالتزام بالقضايا الوطنية والتحدي والجرأة والصمود والكشف والفضح والإعلام والإيصال والتوثيق والمقاومة اجتمع الإعلام الفلسطيني لمواكبة الأسرى الفلسطينيين في معركتهم ضد السجان لأجل انتزاع مجموعة من الحقوق التي كفلها لهم القانون الدولي والإنساني، ومعاملتهم معاملة كريمة كونهم اسروا لأجل قضية عادلة واضحة كالشمس، وقامت بعمل نشرات خاصة وتغطيات نوعية ناقلة لخبر المعركة الذي تصدر غالبية نشراتها وكثفت من برامجها في هذا الشأن.
تعدد العمل الإعلامي في فلسطين وتنوع، ونقل وحمل الرسالة والشوق والحنين والأمل والألم والحلم والعودة والخيمة والمفتاح، ولان الشعب الفلسطيني بارع في الاختراع والابتكار لكل إشكال وأساليب النضال من قلم وريشة وبندقية وتصميمم بوستر ومواجهة سجان ، انضم إلى هذا العمل الإعلامي أيضا جنود مدججين بالفكر والوعي بقضيتهم وبدؤوا بشق طريقهم من خلال الشبكة العنكبوتية فراحوا يكتبون ويصلون صوت الحركة الأسيرة الفلسطينية وشعبها وأرضها وقضيتها إلى كل المحافل والقارات بكل اللغات، ومن مواقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك وتويتر واليوتيوب) خرج علينا مئات آلاف من النسوة والطلبة والمواطنين والفلاحين والشباب والمتضامنين والمتعاطفين، ليدب اللون البني في أصقاع العالم كالنار في الهشيم (اللون البني هو لون لباس الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي) وبدا العالم بكل لغاته وألوانه ولهجاته وأجناسه وأعراقه يتساءل عن السبب في انتشار ذلك التصميم؟ وهنا كلمة حق تقال أن هذه الخطوة كان لها أثر واضح وكبير في فضح السياسة الاحتلالية الإسرائيلية بعد ملايين الأموال التي أنفقتها دولة الاحتلال لتلميع صورتها وصوتها في العالم، حيث أردى هؤلاء الثوار الجدد دولة الاحتلال بمزيدا من الكشف عن سياستها العنصرية ومعاملتها اللاانسانية واللااخلاقية وعدم تطبيقها لأحكام القانون الدولي والإنساني لمعاملة الأسرى الفلسطينيين كأسرى حرب، وكتبت وتحدثت العديد من وسائل الإعلام الأجنبية والعالمية عن هذا التصميم واللون.
وعن الإعلام العربي الغارق في تأجيج فريق أو طائفة أو لون على آخر حضرت أمعاء الأسرى الفلسطينيين على موائد نشرات وتقارير خجولة ومجحفة بحقهم، فبعض الوسائل ذكرتهم في نهاية نشراتها أو كتبت عنهم خبر عابرا وكأن قضية الأسرى الفلسطينيين قضية جماعة أو قبيلة أو فئة محددة من الناس، فلم يكن بالنسبة إليهم ضروريا أو خبرا عاجلا ليكون هو الأهم والضروري أن يطرح، أو استضافة أصحاب الرأي والمشورة لتدويل إعلام هذه القضية وغياب حملات الضغط والمناصرة للأسرى، حيث اكتفى هذا الإعلام بجلب أخوة عرب لتفريقهم وتتريكهم من خلال برامج خاصة يتم إنفاق أطنان من الدولارات عليها، وهنا أيضا لا نعفي الوسائل الإعلامية العربية الناطقة بلغات غير اللغة العربية حيث لم يشهد أو يسجل لها أي دور ريادي في مواكبة إضراب الأسرى وإيصال رسالتهم ورسالة شعبهم إلى العالم الغربي.
ولأن الإعلام العربي مشغول بالفئوية والتتريك والتقسيم، ومشغول كذلك بإدخال موسوعة جينس بأن أغلى بعير موجود في السعودية وان أطول شماغ موجود بعمان وان أثمن حجر كريم موجود في قطر، ولا يكترث الأسيرين البطلين سامر العيساوي وأيمن الشراونة وإخوتهم ورفاقهم المضربين عن الطعام أي مقابل من هذا الإعلام فهم يدخلون موسوعة جينس على طريقتهم الفلسطينية الفذة، المعروفة بحتمية إصرارها على الانتصار.
في اليوم التالي للانتصار البطولي الذي سطر فيه الأسرى الفلسطينيين نصرا مبينا وهزموا الجلاد وسياطه وسكاكينه وخراطيم مياهه وغازه، داهمت الذكرى الرابعة والستين لنكبة الشعب العربي الفلسطيني أجندات السياسيين والفضائيات والمحطات الإخبارية فتعاملت معه أيضا على انه قضية موسمية أو مناسبة للمزيد من الدعاية الانتخابية أو التقاط الصور التذكارية، وكأن فلسطين ليست قضية عربية قومية تهم الكل العربي، إلا أن هذا الإجحاف بحق الأسرى وشعبهم لم يمنع أطفال مخيم اليرموك ناصر وأمين وعبد الناصر ووسيم وحازم وطارق وعصام وليلى وسارة ومريم (أطفال فلسطينيين من مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين اضربوا عن الطعام تضامنا مع الأسرى) من الخروج حاملين أوراق الطابو وصور وإعلام وأحلام ويقين ومفاتيح بيوتهم في صفورية ويافا وعسقلان وبيسان في حملة أطلقوا عليها اسم (أنا راجع)، حيث انتشرت هذه الحملة في العديد من المخيمات الفلسطينية في دول الشتات معلنين أنهم لم ولن ينسوا حقهم في العودة إلى قراهم ومدنهم وبلداتهم التي هجروا منها.
انتصر الأسرى وتوالت قصص البطولات والتضحيات التي حصلت أثناء المعركة مع أسرى مفعمين بالحياة ومع سجان مدجج بكل أنواع القتل والبطش والإرهاب، فهنا أسير خبأ الملح في أذنيه وآخر وضعه في حذائه لاخفاءه عن السجان، حيث تعمد إدارة مصلحة السجون في الإضراب على القيام برش زنازين الأسرى بالمياه لتذويب الملح، وهناك أسير يسقي رفيقه الماء بواسطة يديه لأنه لم يعد يقوى على الوقوف، وآخر يشحذ من همهم ويمازحهم ويقول لهم (بعد ساعة سنخرج إلى ممارسة الرياضة)، وهنا قائد يرفض أن يفك إضرابه مقابل إخراجه من العزل، هنا أسير خر راكعا ساجد في الصلاة فصلى مرتين، مرة لأنه يريد أن يسقط ما عليه من فرض، والصلاة الأخرى كانت شكرا لله لأنه منذ ما يزيد على الثلاثة عشر عاما من وجوده في الأسر لم يصلي جماعة، وهناك في كل مرابيع الشبح والعزل الانفرادي، سأل أسير آخر عن شعوره بعد كل هذا التعب والجهد والوقوف بين الحياة والموت فرد عليه انه سعيد جدا لان الأسير الفلاني سوف يسكن معه في نفس الزنزانة.
ليس هذا ربيعا فلسطينيا، بل انه مواسم للزرع والحصاد تنبت من ماء ورد الشهداء وهامات الأسرى وعذابات الثكالى والجرحى، وان غيبه الإعلام العربي من أجنداته وغرف تحريره، فإنها مواسم غير قابلة للبيع أو المتاجرة أو التقليد لأنهم باختصار لم يضربوا عن الطعام لأجل سلطة أو جاه أو تنحي رئيس أو صرف راتب متأخر، اضربوا لأجل الكرامة المشنوقة على ارض مهبط الرسالات السماوية ومسرى النبي محمد (ص) ومسقط رأس المسيح عيسى ابن مريم رسول الحرية والمحبة والسلام (عليه السلام)، فالمطلوب أولا ودائما تبني إستراتيجية موحدة حتى إحقاق الحق وإعادة الحقوق إلى أصحابها الأصليين.