هنالك إشكالية تكاد أن تكون مزمنة، تعاني منها القيادة الفلسطينية منذ فترة ليست قريبة، هذه الإشكالية يمكن تشخيصها من خلال العودة إلى نموذج ثالوث الدولة المحتلة، ودولة الاحتلال والمقاومة الذي تمثله فرنسا زمن الاحتلال النازي لها خير تمثيل، عندما ترأس ديجول حكومة فرنسا الحرة في يناير 1940، ثم اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني عام 1943، التي أصبحت في يونيو 1944 تعرف بالحكومة المؤقتة للجمهورية الفرنسية. وكان ديجول يقود المقاومة الفرنسية من لندن، ثم كان في مقدمة القوات الأمريكية - البريطانية البحرية عند الإنزال الكبير لقوات الحلفاء على شواطئ نورماندي في 6 يونيو 1944، وهي تلك المعركة الكبرى التي كانت البداية الحقيقية لنهاية الرايخ الثالث، والتي صوّرها فيلم "أطول يوم في التاريخ " The longest day الذي قام بتمثيله أبرز نجوم هوليوود في ذلك الوقت (1962)، وفي مقدمتهم جون وين. هذه الصيغة (النموذج) باختصار تلخصت في كلمتين: قيادة واحدة، ومقاومة موحدة.
في الحالة الفلسطينية كان يفترض من حكومة عموم فلسطين، التي شُكّلت في مصر بعد النكبة برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني -يرحمه الله- أن تقوم بهذا الدور، لكن الشعب الفلسطيني كان -ما يزال- تحت صدمة النكبة بكل مآسيها وفظائعها، وهو قد استغرق قرابة 7 سنوات كي ينهض مجددًا، حيث يعتبر العام 1955 البداية الحقيقية لانطلاق العمليات الفدائية من غزة، التي لم تلبث وأن قامت مصر بتنظيمها، والإشراف عليها من قِبل البطل الشهيد مصطفى حافظ عبر ما كان يُعرف -حينذاك- بالكتيبة 141 فدائيين، التي شكلت بعد مذبحة خانيونس في 28 فبراير 1955، تلك المذبحة التي راح ضحيتها 39 شهيدًا، و33 مصابًا استهدفت بشكل خاص جنودًا مصريين عندما كان القطاع تحت إدارة الحكم العسكري المصري.
بيد أنه لأسباب لم يتم سبر أغوارها حتى الآن، أسقطت تلك الحكومة، وضُمّت الضفة الغربية إلى الأردن، ثم جاء ما يُعرف بفك الارتباط عام 1988؛ ليعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل الضم.. (لكن ليس بشكل كامل)، وخلال ذلك جرّبت القيادة الفلسطينية كافة التجارب المتاحة لكيفية استرجاع الحقوق المغتصبة لشعب كان أكثر من نصفه قد توزع على العالم، بمحاكاة حرب فيتنام تارة، وتارة أخرى بمحاكاة التجربة الجزائرية، ثم بأسلوب الجيش النظامي (جيش م.ت.ف) الذي ابتدعه أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية (أحمد الشقيري)، ثم بالعمليات الفدائية تارة من خلال اختطاف الطائرات، وتارة أخرى من خلال تفجير الحافلات الإسرائيلية، ثم ممارسة العمليات الفدائية على طريقة (الكاميكاز) اليابانية، من خلال الأحزمة الناسفة، ثم المقاومة السلمية، فيما يشبه التخبّط. واللافت أن تلك المحاولات لم تكتمل أي منها إلى نهايتها، باستثناء تجربة الحكم الذاتي التي تعتبر الابنة الشرعية لأوسلو، التي ظلت سارية المفعول حتى بعد أن انتهت صلاحية الفورمالين الذي حفظت فيه منذ العام 2004. وخلال تلك الفترة من التجارب العديدة كان هنالك دائمًا قيادات فلسطينية في الداخل، وأخرى في الخارج، وكانت الجدلية تدور دائمًا حول مَن يمثّل مَن؟ ومَن أحق مِن مَن في القيادة، وبريستيجها؟!
هذا الكلام يأتي بمناسبة زيارة رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" خالد مشعل للقطاع أمس الأول، والاستقبال الشعبي الكبير الذي قوبل به هو والوفد المرافق.. المشهد أعاد إلى ذاكرتي كلمات هيلاري كلينتون وهي تتحفظ على المجلس الوطني السوري؛ لأنه يضم قيادات الكثير منها بعيد كل البُعد عن أولئك الذين يقاتلون نظام الأسد في الداخل، ويسقطون قتلى.. ويبقى السؤال حائرًا: أما آن للقيادة الفلسطينية أن تتوحّد، وأن ترسي مراسيها؟!