خمسة وعشرون عاما على الانتفاضة الفلسطينية الاولى، وما تزال مناخات ومشاهد هذه الانتفاضة الاسطورية تتحرك وتحضر في الذاكرة الوطنية الفلسطينية-العربية، بل ان هذه الانتفاضة باتت انموذجا ومثلا لشعوب العالم، فهي التي علمت الشعوب معنى ودلالات وقوة الارادة والحجر معا، وهي التي شرحت معنى ودلالات "اذا الشعب يوما اراد الحياة..."، وهي التي اعطت الدروس والعبر التي باتت في هذه المرحلة الفلسطينية مطلبا متجددا لدى الشعب الفلسطيني، غير ان من ابرز ما يستحضر من هذه الانتفاضة، اضافة الى مشاهد طفل الانتفاضة في مواجهة الدبابة الاسرائيلية، تلك التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، وتلك المجازر التي اقترفتها قوات الاحتلال، حيث اقترفت تلك القوات ضد أبناء الشعب العربي الفلسطيني على مدى سنوات الانتفاضة الأولى الممتدة من 1987-1993، جرائم حرب يومية، ألحقت الضرر والأذى بكافة الأسر والبيوت الفلسطينية، وألحقت الخراب والدمار في الممتلكات والأراضي والمزروعات الفلسطينية، فقد "وصل عدد الضحايا الفلسطينيين برصاص جنود الاحتلال خلال الانتفاضة الأولى إلى نحو ألفي شهيد، و 120 ألف جريح واكثر من 120 ألف معتقل وخسائر مادية تقدر بالمليارات" وجاء في تقرير فلسطيني: "أن 455 شهيداً ونحو 76455 جريحاً هم من أبناء قطاع غزة.
وأشار تقرير صادر عن مركز غزة للحقوق والقانون إلى "أن نحو 70 ألف فلسطيني كانوا ضحايا الرصاص المطاطي الإسرائيلي فقط".. اما المعطى الرهيب من بين كل هذه الأرقام، فهو المتعلق بالأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص جنود الاحتلال: فسقط 277 طفلا شهيدا، وقتل معظمهم برصاص الجيش، فيما قتل 23 منهم برصاص المستوطنين اليهود، وأجملت مؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان أعداد الضحايا الفلسطينيين جراء عنف الاحتلال وجرائمه.
أما السجل الدامي لعمليات الاغتيالات والتصفيات الميدانية التي نفذتها الوحدات الخاصة المستعربة – فرق الموت والإعدام الميداني كما عرفت بهذا الاسم لاحقاً، خلال الانتفاضة الأولى فطافح بآلاف الممارسات الإجرامية وعمليات الاغتيالات والتصفية الدموية الميدانية بدم بارد، وان كانت المصادر الفلسطينية وغيرها قد رصدت ووثقت مئات عمليات الاغتيال ضد نشطاء الانتفاضة، فإنها لم تغط بالتأكيد كافة جرائم تلك الوحدات، فوثق الدكتور صالح عبد الجواد الضحايا الفلسطينيين جراء عمليات القوات الخاصة الإسرائيلية مشيراً إلى أن حوالي 160 فلسطينياً قتلوا على أيدي الوحدات الخاصة المستعربة منذ نيسان /1988 وحتى منتصف أيار / 1993، 40% منهم من المطلوبين، وحوالي 18% من كتبة الشعارات على الجدران، والباقي من نشطاء الانتفاضة وخصوصاً الملثمين"، في حين أشار تقرير لمؤسسة الحق الفلسطينية إلى أقدام الوحدات الخاصة المستعربة على اغتيال وتصفية (250) فلسطينياً خلال الانتفاضة الأولى.
وعن معسكرات الاعتقال الاحتلالية خلال الانتفاضة فحدث..! فمنذ البدايات الأولى للاحتلال أعلن موشيه ديان وزير الحرب آنذاك، معقباً على انتهاج سياسة الاعتقالات والمحاكمات بالجملة: "سوف تخرج السجون الإسرائيلية معاقين وعجزة يشكلون عبئاً على الشعب الفلسطيني"، وهي السياسة التي انتهجتها تلك الدولة بصورة مكثفة واسعة النطاق خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الكبرى الأولى 1987-1993، لدرجة أن الاعتقالات الجماعية طالت حسب المصادرالفلسطينية على حد سواء ما بين 750 – 850 ألف فلسطيني على مدى سنوات 1967-1997 وطالت حسب إحصائيات الصليب الأحمر الدولي نحو ثلث الشعب الفلسطيني.
وكان جنرالهم اسحق رابين وزير قمع الانتفاضة قد عبر عن جوهر الاعتقالات الجماعية الصراع قائلا بمنتهى الوضوح "أن الانتفاضة هي مواجهة بين كيانين، ودليل ذلك هو العدد الكبير جداً من المعتقلين الفلسطينيين"، مشيراً إلى "أن حل مثل هذا الصراع لن يكون إلا بواسطة سياسة عسكرية مشتركة"، مؤكداً على" أنه طالما هناك انتفاضة سيبقى كتسيعوت"، مشيراً بذلك إلى معسكرات الاعتقالات الجماعية للفلسطينيين، والتي كان من ابرزها معسكر "كتسيعوت" في صحراء النقب.
الأمر الذي كشفت النقاب عن ابعاده مصادر إسرائيلية عديدة أشارت قائلة: " بدون مبالغة يمكن القول بأن الفئات الهامة من بين الطبقات الفاعلة في الانتفاضة الفلسطينية، أو على الأقل الجزء الأكبر منها، قد مرت عبر معسكر" أنصار – 3 " في النقب الذي تحول إلى فرن صهر وطني فلسطيني يصهر ويبلور الكوادر الحية للانتفاضة".
وتبقى الاسئلة الكبيرة المزمنة دائما:
من يحاسب دولة الاحتلال على جرائمها الحربية البشعة ضد ابناء الشعب الفلسطيني..؟
ومن يحاكم جنرالات الاحتلال على جرائمهم المتصلة على مدى سنوات النكبة مرورا بالانتفاضة الاولى، وانتفاضة الاقصى..؟
دروس وعبر واستحقاقات مفتوحة ما تزال ماثلة في الفضاء الفلسطيني..!