الاعتراف الدولي بفلسطين "دولة مراقب" شيء، وما يجري على الارض الفلسطينية هناك شيء آخر، وما بعد الاعتراف مهمات كبيرة واستراتيجية تحتاج من الفلسطينيين والعرب، ان قرروا ان يتحملوا المسؤوليات التاريخية والعروبية، الى القرار والاستنفار وتحشيد كل الطاقات والاوراق والاسلحة المتاحة، فلا يكفي الاكتفاء بالاعتراف الاممي، فهو يبقى اعتراف على الورق، برغم ابعاده وتداعياته السياسية والقانونية والاخلاقية، فنتنياهو يرد على هذا الاعتراف فورا، بخطة استيطان محمومة تشمل بناء 3000 وحدة استيطانية في المنطقة المسماة "أ"، التي من شأنها ان تقطع التواصل الجغرافي والسكاني الفلسطينية على نحو اشد واعمق مما هو قائم اليوم، ويرد ايضا بمنتهى الوضوح بـ"ان الدولة لفلسطينية لن تقوم، الا اذا بعد ان يعترف الفلسطينيون باسرائيل دولة الشعب اليهودي"، ما يمنح الاحتلال عمليا شرعية شطب حق العودة لللاجئين الفلسطينيين، وشرعية التصرف مع من تبقى من الفلسطينيين كرعايا، ومن ضمن ذلك شرعية طردهم من الوطن والارض والتاريخ.
فما بعد الاعتراف اذا اكبر واصعب، ذلك ان الذي يجري على الارض هناك من شأنه ان يدمر تدميرا شاملا كل مقومات البقاء والوجود والاستقلال، فحينما يمتد الاستيطان سرطانيا في كل الجسم الفلسطيني هناك، لا يبقى عمليا سوى الاستئصال، وللاستئصال حكاية اخرى، لا تنفع معها المفاوضات والمفاوضات بلا نهاية، فهم يعلنونها على رؤوس الاشهاد بانها-أي فلسطين 48 والقدس والضفة-لهم، ومن حقهم مواصلة الاستيطان في كل مكان.
لذلك نقول ان هذا الذي نتابعه على امتداد مساحة القدس والضفة الغربية من حملات وهجمات تدميرية، ومن حملات حرق وقطع وابادة لشجرة الزيتون الفلسطينية.. ومن حملات اعتقالات ومحاكمات جماعية لاطفال فلسطين والقدس وسلوان على وجه الحصر.. وهذا الهجوم الاستراتيجي الذي تشنه حكومة نتنياهو على الفلسطينيين والعرب لابتزاز اعترافهم بـ"يهودية اسرائيل".. وهذا الذي نتابعه ونشاهده من كم هائل من الاحداث والتطورات، انما يأتي في اطار مخطط استراتيجي صهيوني يستهدف الاجهاز على القضية والحقوق والامل في المستقبل لدى اصحاب القضية والحقوق..!!
نستحضر هنا وفي هذا التوقيت، توقيت ما بعد الاعتراف، للتذكير- وقد نشرنا ذلك مرارا-: ان ما يجري على ارض القدس والضفة الغربية هو سطو صهيوني مسلح في وضح النهار على الارض والتاريخ والتراث..!
وما يجري هو انتهاك صارخ متواصل لكافة المواثيق والقرارات الدولية..!
وما يجري هو استخفاف بالعرب واحتقار سافر لهم ولمبادرتهم العربية..!
وما يجري تغطيه دولة الاحتلال بالقوة الغاشمة..!
ويمكن ان نقول ان تلك الدولة ترتقي الى مستوى اكبر مافيا لسرقة الاوطان والاراضي والممتلكات على وجه الكرة الارضية..!
وكل ذلك يجري في وضح النهار على مرأى من المجتمع الدولي..!
فماذا نحن فاعلون فلسطينيا وعربيا في ضوء كل ذلك..؟!
سؤال كبير عاجل ملح على الاجندات الفلسطينية العربية..!
عالميا- وبينما يجمع العالم كله تقريبا اليوم، ناهيكم عن الاجماع العربي والاسلامي على رفض الاستيطان الصهيوني، الا ان اسرائيل تستحضر دائما، وتعمل وفقا لتلك المعادلة في العلاقات الدولية التي كان وضعها بن غوريون وقال فيها: "ليس المهم ما يقوله الغوييم-اي الآغيار- وانما المهم ما يفعله اليهود"....!
وما يفعله اليهود الصهاينة في هذه الايام انهم يشنون حروبا مفتوحة على الوطن والشعب العربي الفلسطيني، ويشنون حربا من نوع خاص بهم على الارض الفلسطينية تستهدف الاستيلاء الكامل عليها من بحرها الى نهرها على انقاض شعبها وحقوقه التاريخية فيها..!
وليس ذلك فحسب، فهم يغطون عمليا السلب والنهب والسطو المسلح والجرائم بالايديولوجيا والاساطير الدينية، فالحاخام ياكوف سافير يعبر عن ذلك قائلا: "ان الانتقادات الدولية للاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية "سخيفة لان الله هو الذي وعد اليهود بهذه الأرض وعلى العرب ان يرحلوا الى مكان آخر". ويضيف: "ان هذه الأرض هي ارض يهودية-انها ديارنا"؟، وفي السياق وجّه ما يسمى بـ"حاخامات أرض إسرائيل" رسالة تحمل في طياتها تهديداً صريحاً وواضحاً لرئيس الحكومة نتنياهو (الذي لا يحتاج قطعا الى تهديد) ينصحونه بألا يقوم بخطوات متسرعة من قبيل ترك -ما أسموه- بأرض إسرائيل لأعدائها لأنها ستجلب كارثة على الإسرائيليين وعلى نتنياهو بشكل شخصي حسب تعبيرهم.
وهنا يذكرنا المحلل الاسرائيلي ألوف بن في صحيفة "هآرتس" بالجوهر الحربي للاستيطان قائلا: "ان المستوطنين لا يختبئون خلف شعارات نتنياهو في الزيادة الطبعيية والتطورالطبيعي التي تهدف إلى التخفيف من الضغط الأمريكي، فهم لا يخجلون في حربهم مع الفلسطينيين أساسا في إقامة وقائع على الأرض من أجل استمرار السيطرة الإسرائيلية".
إذن، هي حروب شاملة، حروب على الارض والشعب الفلسطيني تتقدمها حروب الاستيطان والضم والتهويد، وهي سطو مسلح حقيقي يتسابق مع عملية المفاوضات والسلام العقيمة المماطلة، وتهدف إلى تطويب الضفة الغربية جزءا من "ارض اسرائيل الى الابد"..!