منذ عدة سنوات كنت أتجول مع زوجتي في سوق التحف القديمة، هواية تعودنا عليها، وأثناء التجوال وقع نظري على كرة أرضية قديمة، وعندما تمعنت فيها وجدتها أنها صنعت قبل عام 1948. وذهب ناظري بسرعة إلى منطقتنا فوجدت الأسم: فلسطين، فإشتريتها وما زلت أحتفظ بها وأعرضها على زواري من الأمريكيين. وكلما وقع ناظري عليها تذكرت أن فلسطين، التي ولدتُ وترعرعتُ في ربوعها كانت جزءا من دول العالم إلى أن تغير إسمها بعد نكبة 1948.
وفي أكثر من مرة، راودتني أفكار تحمل الكثير من الأسئلة، وأهمها: هل يمكن إعادة إسم فلسطين على خارطة العالم؟ وكنت مقتنعا بيني وبين نفسي أن الأسم سيعود، بغض النظر إذا كانت دولة كاملة أو ناقصة، كبيرة كانت أم صغيرة، أثناء حياتي أو بعد مماتي. وها نحن اليوم نشاهد إسم فلسطين يدرج على قائمة أسماء دول العالم.
قالوا لنا دائما أن فلسطين لن تعود لإنها تشكل جزأ من ما يسمى "أرض إسرائيل التي منحها الرب لليهود". وكنا وما زلنا نقول أن: "لا تجعلوا من الله سمسار أراضي". ولكن ما العمل والمسيحية الصهيونية مؤمنة كل الإيمان بكل حرف جاء في العهد القديم من التوراة، وتبشر به صباح مساء؟!
وساعد في بث هذه الفكرة، الفكر الصهيوني الذي دمج بين السياسة والدين واصبح العلمانيون الذي أقاموا دولة إسرائيل يستغلون الدين لتحقيق مآرب سياسية، وفي أكثر من مقال قلنا أن "العلمانيين اليهود أقاموا دولة دينية". ولا يصح إلا الصحيح، وها نحن نشاهد اليوم إسرائيل دولة يهودية يحكمها متطرفون متدينون، ويقومون بسرقة الأراضي الفلسطينية وبناء المستعمرات اليهودية عليها ليثبتوا نظرية دينية: الأرض تابعة لنا نحن اليهود.
ولكن ما حدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29/11/2012 سيكون له أبعاد كثيرة، ليس فقط على مستقبل الشعب الفلسطيني (لقد كتب الكثير عن تداعيات المستقبل للشعب الفلسطيني ولا حاجة للتكرار)، بل على الطوائف اليهودية في العالم، وعلى اليهود في إسرائيل، وعلى أسس الفكر الصهيوني.
فقد بنى العلمانيون اليهود فلسفة إستعمار فلسطين، على أنه حق إلهي، وعندما إعترف العالم بقيام هذه الدولة، إستُغل هذا الإعتراف على أنه إعتراف بالحق "التاريخي الديني" لليهود على تلك الأرض، لدرجة إطلاق مصطلحات تدعم هذا النوع من التفكير: مثلا حرب 1948، سميت "حرب التحرير". وعندما احتلت الضفة الغربية وقطاع غزة، قالوا "لقد حررنا الأرض". ومن ثم بدأت إسرائيل بتغيير أسماء المدن والقرى والمناطق إلى أسماء توراتية، فأصبحت على سبيل المثال، الضفة الغربية "اليهودية والسامرة" ونابلس "شخيم" والخليل "حبرون" وغيرها من الأسماء..!!
فالتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضرب عصفورين بحجر واحد: إعتراف بحق الشعب الفلسطيني ولو على جزء من أرضه االتاريخة، ونزع من الصهيونية إحدى أسسها وهو أن "أرض إسرائيل" ليست تابعة لشعب واحد وهو الشعب اليهودي. 138 دولة قالت أن للفلسطينيين حق تاريخي على تلك أو على جزء منها. وتسع دول بينها أربع جزر يكاد لا يسمع عنها أو يلاحظها الناظر إلى خريطة العالم، قالت أنها ترفض تغيير الوضع القائم. و41 دولة امتنعت عن التصويت، وهذا يدل على أنها تحررت من الإبتزاز الصهيوني والضغط الأمريكي.
كان من المعروف أن إسرائيل ترفض الوصول إلى أي إتفاق مع الفلسطينيين، يعطيهم حق على الأرض. وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية الذي منع إسرائيل من التقدم بأي مشروع سلام، إذ لم يكن في الإمكان التقدم بمشروع كهذا لا يحتوي على تنازل عن أراض. وكان كل من يحاول التقدم بأي مشروع يعتبر خائنا في نظر الكثيرين من الإسرائيليين، وإذا كان ذلك الشخص متواجد في منصب عال يفعلون كل شيء للإطاحة به، ووضعه في سلة المهملات.
وظهرت شخصية غير عادية، علمانية في ثقافتها، تحمل خلفية البطل الذي ساعد على قيام الدولة، ووصل إلى منصب رئيس الوزراء، وتمكن من تقديم تعهدات، قال عنها المقربون منه، أنها ستؤدي إلى سلام. ومن بين هذه التعهدات التنازل عن بعض الأراضي، يستطيع الفلسطينيون إقامة دولة عليها. وصافح الرئيس ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض وعلى مرأى ومسمع الملايين في العالم. إنه إسحاق رابين.
فماذا كانت النتيجة، بعد فشل إسقاطه أو إبعاده عن مركز القوى، إغتاله شاب يهودي متدين، وقيل في حينه أنه دفع ثمن إصراره على التنازل عن جزء من "أرض إسرائيل"، للأغيار أي "لغير اليهود ــ غوييم بالعبرية" فحُلل دمه. وجاء بعده شمعون بيرس الذي تراجع كليا عن الطريق التي اتبعها رئيسه رابين.
هل حقق الفلسطينيون مبتغاهم بهذا الإعتراف؟ لا. فكل شيء يعتمد الآن على الخطوات التي سيتخذها قادة فلسطين، فإذا عرفوا كيف يتخذون الخطوات والقرارات الحكيمة والتحرك عالميا على أساس دولة، ويقيمون الإتفاقيات الثنائية ومواثيق دولية مع دول العالم، وفي المقدمة القيام بترتيب البيت الفلسطيني وإنهاء الإنقسام وتفعيل النظام السياسي الديمقراطي وغيرها من الخطوات المهمة فإن ذلك سيضع فلسطين على القائمة الإيجابية لدول العالم، الشيء الذي سيساعدها على التغلب على التحديات الكثيرة التي تقف الآن في طريقها وعلى تحقيق بقية أهدافها.