بهذه التغريدة (العنوان) التي سجلتها في حسابي على تويتر، في الصباح الباكر ليوم 30 نوفمبر 2012، أردت أن أعبّر عن سعادتي العارمة بولادة الدولة الفلسطينية، وأقول للفلسطينيين كلهم، نساءً ورجالا، أطفالا وشيوخا وشبابا، في الضفة الغربية بقدسها وقطاع غزة، أكانوا من "فتح" أو من "حماس" أو من غيرهما: "نحن معكم، بأقلامنا وأسرنا وأصدقاءنا وبكل ما نستطيع إليه سبيلا، على طريق الحق والقانون في مسيرة مستميتة وحتمية نحو العدل والسلام".
ياله من حدث تاريخي بليغ في مراميه وأهدافه ذاك الذي أظهر في إرادة كونية أنّ الأغلبية الساحقة من أعضاء "الأمم المتحدة" ترحب بفلسطين كدولة رقم 194 لها مكانها في هذه الهيئة الدولية..! إنه اعترافُ كل الأسرة العالمية تقريبا – ما عدا الدولة المحتلة وحليفتها أمريكا ومن دار في فلكهما الإمبريالي وهم قلة قليلة – بأنّ المجتمع الدولي لا يمكنه بعد اليوم التعامل بسهولة أو تسامح مع الاحتلال الإسرائيلي وانتهاكاته لحقوق الفلسطينيين والجرائم المتكررة المرتكبة ضدهم. أجل، كان الوقت قد حان بالفعل، ولم يعد ممكنا تسويف أو تأجيل أو تأخير التصويت لصالح شعب محتل في أرضه منذ أكثر من ستين سنة، ويعاني من كلّ أشكال القمع والظلم، وحرمانه من حقوقه الإنسانية الأولية كحق الحرية وحق تقرير مصيره بنفسه.
بطبيعة الحال، جاء موقف الإدارة الأمريكية معارضا ومنددا بنتيجة التصويت لصالح فلسطين كدولة (عضو غير دائم ومراقب فقط) في هيئة الأمم. ورفعت سوزان رايس، سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية في منظمة الأمم المتحدة، صوتها أمام الملأ، مبرّرة موقف السلطات الأمريكية ومستنكرة: "لقد صوتنا ضد هذا القرار المؤسف لأنه لن ينتج شيئا إيجابيا وسيضع المزيد من العراقيل في طريق السلام".. ثمّ أضافت: "إن هذا القرار لن يجعل من فلسطين دولة"، مباشرة بعد تصريح السفير الإسرائيلي الذي قال: "لا يمثل تصويت اليوم حقّا يمكن بموجبه أن تصبح فلسطين عضوا في هيئة الأمم المتحدة".
نفهم رفضَ إسرائيل كقوة احتلال الاعتراف بحقوق الفلسطينيين عموما، وحقهم خصوصا في أن تكون لهم دولة ذات سيادة في تسيير شؤونها بنفسها، فتفكيرها منسجم مع ممارساتها اللاشرعية واللاقانونية اتجاه شعب مستعمَر. لكن أن تتكلم أمريكا عن "النتيجة العكسية أو السلبية" لقرار التصويت لصالح فلسطين كدولة فهذا يتنافى بالمطلق مع النتائج السيئة لمواقفها السياسية المؤيدة لإسرائيل. أليست هي التي، بفساد الرؤية السياسية لإداراتها المتتالية وفشل خططها المنحازة لقوة الاحتلال والمركزة على فكرة "أمن" إسرائيل قبل كل شيء، شجعت على استمرار الاحتلال وتوسيع المستعمرات وارتفاع عددها، والتسامح مع جرائم القوات الاسرائيلية المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني؟
لقد بيّن المسؤولون الأمريكيون بانتهاج سياسة متهورة في تعاملهم مع القضايا الساخنة في العالم العربي والإسلامي أنهم خبراء من الدرجة الأولى في تعقيد عملية الأمن والسلام وإنتاج ردود أفعال مضادة، راديكالية وعنيفة في أغلب الأحوال.
هاهم، مع الزعيم الإسرائيلي الحكيم نتنياهو وأفراد حكومته الرشيدة، يدّعون أنّ الاعتراف بالدولة الفلسطينية كعضو غير دائم ومراقب فقط ليست له أهمية تُذكر ولا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يغيّر شيئا على أرض الواقع. وهاهو المتكلم بلسان الحكومة الإسرائيلية، الذي كان يتهكم بالفلسطينيين الذين قضوا ليلة التصويت يحتفلون بميلاد دولتهم، يصرّح في سخرية متغطرسة: "لكنهم سيكتشفون في صباح الغد أنّ الواقع ما زال هو هو".
صحيح أن واقع الفلسطينيين لن يتغير وأنه على الارجح مرشح للتدهور أكثر فأكثر، والدلائل على ذلك جاءت مباشرة بعد نتيجة التصويت في شكل عقاب إسرائيلي للدولة الفلسطينية الجديدة (مشروع بناء 3000 وحدة سكنية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ومنع وصول أموال الضرائب إلى الدولة الفلسطينية). لكن، إذا كان الزعماء الإسرائيليون والأمريكيون، بعد التصويت لصالح فلسطين، يزعمون أنّ هذا التصويت لا ينبغي إعطاؤه الكثير من الأهمية لأنه شيء نظري وشكلي وأنّ قيمته لا تتجاوز بُعْدَه الرمزي، فلماذا إذن أقاموا الدنيا وأقعدوها، قبل موعد التصويت بأسابيع بل وبأيام، في تحرك دبلوماسي مكثف غير مسبوق حاولوا من خلاله الاتصال بالعديد من الدول العربية والغربية، وممارسة الضغوط والتهديدات خصوصا على السلطة الفلسطينية، لإقناعها بالتراجع عن طلب هذا التصويت في هيئة الأمم؟ لماذا كذلك، حسب نوم تشومسكي في مقال له بعنوان "غزة أكبر سجن في العالم"، حذّرت القيادة السياسية الإسرائيلية في الايام القليلة الماضية من أنها "ستتصرف بجنون" في حال "نالت حقوقُ الفلسطينيين اعترافاً، ولو كان محدوداً، من الأمم المتحدة"؟
في الحقيقة، يفرض علينا ميلادُ فلسطين كعضو مراقب فقط في هيئة الأمم المتحدة، وكل الافتراضات بشأن تصرف إسرائيل وأمريكا الرافض الغاضب، سؤالا بسيطا له علاقة بحياة المواطن الفلسطيني في المستقبل القريب والبعيد: ماذا تعني هذه العضوية "الناقصة" بالنسبة لحقوقه الإنسانية؟ ماذا سيتغير، وبأية طريقة سيمكنه الحصول الفعلي على استقلاله وحريته؟ هل بالاعتماد على المجتمع الدولي واللجوء دوما إلى القوانين الدولية؟ هل باستئناف المفاوضات في ظل استمرار المستوطنات؟ هل بمتابعة الاحتلال ومقاضاة جرائمه المتعددة في محكمة العدل الدولية؟ هل بالمقاومة وبكل أشكالها أي بما في ذلك الدفاع المسلح عن الأرض والوطن والدولة؟ هل يمكن تصور انتفاضة وانفجار في وجه الاحتلال داخل الضفة الغربية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة لابد من التفريق بين شيئين: السياسي والقانوني.
على المستوى السياسي، يمكن القول بكل واقعية ومرارة – والشعب الفلسطيني يعرف هذا جيدا – أن لا شيء سيتغير: فالانقسام – ونرجو أن نخطىء - سيتواصل بين "حماس" و"فتح"، والاحتلال سيستمر وسيتعنّت في سياسته القمعية الاعتباطية المتجبرة وسيتابع فرضَ رقابته على حرية الفلسطينيين وسينقض جميع التزاماته بالهروب إلى الأمام. وهذا يعني مثلا أنّ عدد المستوطنات سيرتفع في القدس المحتلة وفي كل مكان آخر مُسَجّل في خريطة المصالح الاستراتيجية للدولة الإسرائيلية كما صرح بذلك نتنياهو يوم الأحد 2 ديسمبر 2012 (أنظر جريدة ليبيراسيون).
أما فيما يخص المستوى القانوني، فإن الاعتراف بفلسطين كدولة يمكن اعتباره خطوة أولى تترجم انتصار القانون الدولي على دولة إسرائيل التي تحاول شرعنة الاستعمار وفرضه ليس على الفلسطينيين وحدهم، وإنما على المؤسسات والمعاهدات الدولية التي تمنعه وتعاقب عليه. الاعتراف بفلسطين كعضو مراقب هو – على الرغم من حدوده – انتصار للقانون والأبعاد الرمزية التي ترافقه، ومنها أنّ الحل الحقيقي للقضايا العادلة مثل القضية الفلسطينية لا يوجد في "القوة" العسكرية والضغوط المالية والاقتصادية المنتَهَجة في قمع المستعمَرين ودفعهم بقبول الأمر الواقع.
من جهة أخرى، لن يستعمل العالمُ بعد الاعتراف بفلسطين كدولة عباراتٍ من نوع "الأراضي الفلسطينية المحتلة" و"السلطة الفلسطينية" بل ستحل محلهما عبارتي "الدولة الفلسطينية المحتلة" و"رئيس الدولة الفلسطينية". وهو تحول ليس في اللغة والمصطلحات السياسية والقانونية فحسب، وإنما بالمحتويات والتصورات وما ينشأ عنها من التزامات ومواثيق وعقود وعلاقات على المستوى الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي..
وهذا ما يؤرّق السلطاتِ الإسرائيلية التي ما زالت متشبثة، عند كلامها عن الفلسطينيين، باستعمال نفس كلمات وأوصاف المعجم الاستعماري الذي بدأ - منذ الاعتراف الأممي بميلاد فلسطين كدولة – يضمحل في تحاليل الصحافيين ويتراجع أمام خطابات المستقبل ويدخل شيئا فشيئا في حيز الماضي والأساليب البالية المشرفة على الاندحار والأفول..