لست من المتشائمين ولا من المعارضين المتشددين ولاممن يُبخسون الناس أشياءهم، ولكنني ممن يقولون ما يعتقدون، ولا يضيرهم أن يجدوا من يختلف معهم فهذا أمر صحي وإيجابي، وأنا مستعد دائما ً لتقبل الصح إن كنت على خطأ واقتنعت بذلك ، فالحكمة ضالة المؤمن التقطها حيث وجدها، وما قيمة العقل إن لم نكن قادرين على تغييره إذا أردنا ذلك..
أقول هذا وأنا أحاول أن أفهم معنى المبالغة الشديدة التي استقبل الكثيرون بها القرار الأخير للجمعية العمومية الذي اعترف بدولة فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة. وأتساءل ما جدوى هذا القرار وما الذي أضافه الى إنجازات العمل النضالي الفلسطيني من أجل الحرية والأستقلال.
وسأحاول النظر إلى الموضوع من عدة جوانب إنصافا ًللحقيقة والتاريخ الذي لا يرحم.
بداية، هناك قرار سابق للجمعية العمومية بتقسيم فلسطين إلى دولة فلسطسنية وأخرى يهودية مع بقاء شريط يضم القدس وبيت لحم تحت إشراف دولي، وهذا هو قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 الذي يشكل المرجعية الدولية الوحيدة لأقامة دولة إسرائيل، وقد أشار إليه الرئيس محمود عباس في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة. ولا بد هنا من الأشارة إلى أن القرار المذكور خصص للدولة الفلسطينية 48% من أرض فلسطين في حين أن القرار الجديد لعام 2012 لا يضمن لهذه الدولة 22% في الحد الأقصى من مساحة فلسطين التاريخية إذا ما تم تنفيذه بأمانة وحُسن نية..!!
وهنا لا بد من طرح التساؤل المشروع: ما جدوى الذهاب مجددا للأمم المتحدة وإضفاء صفة الشرعية الدولية على ما احتلته إسرائيل عام 1948 خارج الحدود التي كانت مخصصة للدولة اليهودية بموجب قرار التقسيم؟! علما ً بأننا في حينه لم نقبل قرار التقسيم واعتبرناه مجحفا ً فكيف نأتي اليوم لنضيف عليه أجزاء جديدة ونصفق ونفرح ونرقص لذلك؟ ولماذا لم نتمسك بقرار التقسيم 181 ونطالب بتنفيذه إذا ما كنا نقبل مبدأ المشاركة وحل الدولتين الذي تأسس عليه ذلك القرار.
وثمة تساؤل آخر: هل هناك أية ضمانة بأن التنازل الفلسطيني وفي إطار شرعية الأمم المتحدة عن أكثر من نصف أراضي الدولة الفلسطينية بموجب قرار التقسيم 181 والأكتفاء بأقل من 22% سيؤدي إلى إنقاذ ما تبقى من أرضي تلك الدولة؟
وفي رأيي المتواضع جدا ً أننا لم نكن بحاجة لأستصدار قرار جديد من الأمم المتحدة بتقديم تنازلات من طرف واحد لفاء ثمن لا نجد في الطرف الآخر من هو على استعداد لتقديمه..
وقد يرد عليّ من يقول بأننا انتزعنا شرعية واعترافا ً دوليا ً بدولة فلسطين وأن هذا سيفتح أمامنا أبواب العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية التي نستطيع من خلالها مواصلة المعركة الدبلوماسية الدولية لعزل إسرائيل ومحاصرتها. وأقول أن هذا ممكن نظريا ً ولكنه ليس الطريق الوحيد لعُزلة إسرائيل وأن هناك من الوسائل الأخرى ما هو أكثر نجاعة وأقل ضررا ً وخسارة في معايير تراب الوطن ووحدة شعبه وأرضه. وأكثر من ذلك، منذ متى كانت اسرائيل ملتزمة بالشرعية الدولية وقراراتها طالما ظلت تُحظى بالغطاء الأمريكي الذي لا يدخر جهدا في إبداء دعمه المطلق لأسرائيل ووقوفه إلى جانبها بانحياز غير أخلاقي مُطلق؟
الحق يؤخذ ولا يُعطى ولقد كان الطريق الأمثل هو اللجوء لأسلوب المقاومة السعبية السلمية التي أشار إليها الرئيس عباس في خطابه أمام الجمعية العمومية ولكن دون القيام مسبقا بتقديم التنازلات.
ما حققناه هو تقديم تنازل جديد لقاء توقعات هي أشبه بالعصافير على الشجرة..! ودون أن يكون ذلك في إطار عملية حقيقية للسلام العادل.
وعلى هذه الخلفية أشعر بالقلق وأنا أرى مظاهر الفرحة التي تُذكرني بمساء التاسع والعشرين من اكتوبر 1991 ليلة انعقاد مؤتمر مدريد حين كنت أجوب شوارع رام الله مع الصديق الدكتور سري نسيبة وشاهدت الجموع الحاشدة الحتفلة بـ "السلام" تُسارع إلى إفساح الطريق أمام سيارات وحرس الحدود الأسرائيلي وسط الهتافات ومظاهر البهجة والفرح بقدوم السلام.
أشعر بالقلق من إيفوريا لا تدوم طويلا ً وعودة إلى واقع مؤلم قد يزداد إيلاما.
أما على الصعيد السياسي الداخلي فيقينا ً أن ما تم في الأمم المتحدة يوم الخميس الماضي قد جاء لمد جسر ٍ لكل ٍ من "حماس" و"فتح" للخروج كل ٌ من أزمتها الداخلية بشكل إحتفالي يتغاضى عن أبعاد ما يحدث ويحاول كل منهما تجيير الأحداث لحسابه.
لقد خرجت "حماس" من جولة قتالية في قطاع غزة خلقت حالة من شبه توازن الرعب مع إسرائيل من خلال ما أظهرته المقاومة من قدرة على الحاق الوجع بالأسرائيليين رغم القدرة الأسرائيلية على الحاق "الدمار الشامل" بغزة، ولكن دون القدرة على حسم المعركة لصالح إسرائيل. ومع ذلك فقد انتهت الحرب بوقف لأطلاق النار مقيد برقابة وضمانات مصرية وإسرائيلية ستجعل استمراره لفترة طويلة أمرا شبه مؤكد مما سيؤدي إلى إحراج حركة "حماس" أمام شعبها وأمام المقاومة إذا لم تكن هناك خطوات تتبع وقف إطلاق النار وتبرر استمرار الالتزام بوقف إطلاق النار واحترامه وإلزام الفصائل الأخرى بذلك. وهذا ما يُفسر المرونة التي نشهدها في موقف حماس والحديث الودي عن المصالحة .
أما حركة "فتح" فقد وجدت نفسها في مأزق "الأنتصارات" التي حققتها المقاومة في القطاع وكان لا بد لها من أن تُسجل لنفسها نصيبا ً من تلك الأنتصارات سواء من خلال القول بأن الحرب على غزة كانت تستهدف إجهاض الأختراق الدولي الذي ادعت أن قرار الأمم المتحدة قد حققه، أو تقديم ذلك القرار كإنجاز وانتصار تاريخي للشعب الفلسطيني، أو من خلال إرسال الوفود إلى غزة وتسليط النور على القول بأن الأنتصار لم يكن حمساويا ً وإنما إنتصارا ً للمقاومة بكل فصائلها بما في ذلك "فتح" وهذه حقيقة لا نشكك بها.
كلا الطرفين معني اليوم أكثر من أي يوم مضى في الهاء الداخل الفلسطيني ودغدغة عواطفه من خلال الحديث عن الانتصارات السياسية والعسكرية ومن خلال التوجه نحو تحقيق مصالحة وطنية نأمل أن تكون مصالحة حقيقية لا مرحلية مصلحجية (من مصلحة).
ويبقى السؤال: ما الذي حققناه في الأمم المتحدة وما الذي حققته الحرب على غزة وهل نحن أمام إنتصار "أكتوبر" جديد يفتح الباب أمام كامب "ديفيد جديد" وهل سيمهد "كامب ديفيد" الجديد إلى تأسيس سلام واستقرار حقيقي في المنطقة أم أنه محطة جديدة على دروب التيه السياسي؟!
لن يكون هناك استقرار وسلام حقيقي إذا كان هناك شعور بالظلم لدى أي طرف من أطراف أية تسوية بشكل عام، أما في الحالة التي أمامنا فهوالطرف الفلسطيني الذي يشعر اليوم حقاً بالظلم..
هذا هو صراع شائك ومعقد يعتقد فيه كل طرف أنه على حق، وبدون تسوية حقيقية بين الشعوب على أساس خلق شعور بالعدل بين الطرفين فلن يكون هناك سلام ولا استقرار لأجيال طويلة قادمة.
وللأسف الشديد فإن التطورات التي تتم على الجانب الأسرائيلي لا توحي بأن الاسرائيليين ناضجين للتسوية بل بالعكس فهي تعكس صورة مقلقة من تنامي روح الفاشية والتطرف القومي والديني ومثل هذه المؤشرات تؤكد بأن الصراع ليس سياسيا ً بل يتجه نحو الصراع الديني الأيديولوجي المتطرف، ومن المؤكد أن أحدا ً لا يملك حق التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني أيا ً كانت ادعاءاته التمثيلية لا سيما إذا كانت هذه التنازلات للا-مقابل وكانت تُقابل بمزيد من قرارات وخطوات الأستيطان وتعزيز قبضة الأحتلال وقتل أي أمل بالحل السياسي، ولا بد من البحث عن وسيلة أخرى أكثر نجاعة لمواجهة هذا التطرف تتمثل بحشد طاقات الشعب وتوحيدها وتفعيلها في إطار برنامج مقاومة وطنية في إطار الشرعية الدولية..