غياب التوافق داخل الاتحاد الأوروبي على موقف موحد من مشروع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في نيويورك الخميس سيكشف المواقف الحقيقية للعواصم الأوروبية حيال مكانة النزاع الفلسطيني ـ الاسرائيلي في استراتيجياتها الشاملة بعد تولي "الاسلام السياسي" قيادة عدد من الأنظمة العربية. ولعل كشف باريس أمس لورقتها بعد تردد ونقاش حام بمثابة مؤشر.
قد يكون اليومان المقبلان هما الأطول لدى أوروبا، لأنهما سيشهدان مناورات ومشاورات حثيثة للخروج من المأزق الحالي في مواجهة الاستحقاق الفلسطيني في الأمم المتحدة. وعليه فهما يومان حاسمان سيضعان الكيان الأوروبي أمام مسؤولياته لتأكيد صدقية الشعارات التي يرفعها منذ عقود في مقاربته للقضية الفلسطينية بعدما تلاشى إعلان البندقية وكذلك إعلان برلين.
فموعد يوم الخميس سيكون محل متابعة حثيثة لما يجري خلال التصويت على مشروع قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الخميس حول الاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو في هذا المحفل الدولي. والسؤال المطروح بإلحاح هو هل تُغلِّب "القارة القديمة" تحالفاتها التاريخية والاستراتيجية مع إسرائيل من جهة، وتحالفاتها الجيوـ سياسية المستجدة، وبعضها قيد التشكل، مع "أنظمة الاسلام السياسي" من جهة أخرى، فتلتحق بركب الخطة التي وضعها وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمن للإطاحة بـ"نظام أبو مازن" لاسيما بعد "تثبيت" شرعية "حماس" في غزة على أثر الحرب الأخيرة التي جرت بينها وبين الجيش الاسرائيلي.
ولقد تحرك العديد من العواصم الأوروبية لثني رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس عن الاقدام على هذه الخطوة الديبلوماسية الجديدة، التي جاءت بالأساس كـ "حل" دون المرتجى الذي لطالما سوقت له هذه العواصم بغية الالتفاف على تلويح الادارة الأميركية باستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن ضد أي مشروع يتقدم به عباس في هذا الاتجاه.
وبلغت بعض هذه العواصم حد "تعيير" السلطة الفلسطينية على عدم الاستفادة من ظروف العام الماضي لطرح هذا المشروع، في حين كانت هي بالذات من تدعو إلى التمهل وانتظار الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة من جهة، والاستفادة من الوقت من جهة أخرى للتوصل إلى حد أدنى من الاتفاق مع حكومة نتانياهو لاستئناف المفاوضات.
والمفارقة هي أن هذه العواصم الأوروبية بالذات، هي من تسوق الآن لإنتظار تشكيل الرئيس الأميركي باراك أوباما فريق عمله الجديد، وكذلك النتائج التي تسفر عنها الانتخابات الاسرائيلية، من دون أن تلتفت إلى التحالف اليميني الراديكالي الذي تشكل بين نتانياهو وليبرمن واستمرار الاستيطان بوتيرة مرتفعة. ولقد لجأت غالبية هذه العواصم إلى العمل على خطين لثني عباس: التلويح تارة بوقف المساعدات المالية للسلطة ومؤسساتها، على غرار ما اعلنته الإدارة الأميركية، وطوراً بالضغط لتأجيل موعد إيداع المشروع المشار إليه مرة ثانية حتى منتصف العام المقبل. فيما حضت قلة من الدول الأوروبية على ترجمة الأقوال بالأفعال أثناء استحقاق الخميس المقبل في نيويورك.
أما الهدف الأوروبي غير المعلن فهو أولاً، ربط أي خطوة أوروبية بـ "المومنتوم" المأمول على المسرح الإقليمي بدءاً بسوريا ولبنان وإيران(وربما أيضاً في الحراك الجاري في الأردن)، وثانياً التحقق أكثر فأكثر من الاستراتيجيات الفعلية "لأنظمة الاسلام السياسي" وفي مقدمها نظام الرئيس محمد مرسي حيال موضوع أمن إسرائيل على الحدود مع غزة، سواء بالنسبة لنصب أجهزة أميركية وغيرها تمنع تهريب الأسلحة أو من خلال الضغط لمنع إطلاق القذائف الصاروخية على جنوب إسرائيل، وبالتالي ضبط الجناح العسكري لـ"حماس" مقدمة لتدجينه على يد القاهرة.
ويبدو من خلال جملة من المؤشرات المتطابقة ان ضغط الأوروبيين انحصر بشكل رئيسي حول الفقرة الثالثة من مشروع القرار الذي يتضمن سبع فقرات تحدد المرجعيات.
ولقد تشاور وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسيل قبل أيام حول موقف محمود عباس الرافض رسمياً لأي تأجيل جديد لموعد إيداع مشروع القرار وطرحه التصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما أبلغه إلى عدد من الوزراء الذين زاروه مؤخراً او اتصلوا به عبر الهاتف. ووجد هؤلاء أنفسهم أمام مأزق حقيقي وذلك في ظل عدم وجود إجماع في ما بينهم على موقف موحد، حيث كان الامتناع عن التصويت على القرار مثابة المخرج المتفق عليه لحفظ ماء وجه جميع الأوروبيين، وبالتالي إرضاء رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو الذي يخوض انتخابات تشريعية مبكرة في بداية العام المقبل.
وتلاحظ أوساط متابعة كيف أن بعض العواصم الأوروبية الفاعلة "كانت سباقة في دعم تطلعات الشعوب العربية إلى الحرية"، حتى أنها لعبت دور القاطرة الديبلوماسية كباريس ولندن وغيرهما في الحرب ضد نظام العقيد الليبي معمر القذافي، وهي تواصل ذلك حيال نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وتتخذ مبادرات ديبلوماسية في هذا الصدد، بينما تكبح اليوم تطلعات السلطة الفلسطينية للفوز بمكانة دولة مراقبة ليس إلا في الأمم المتحدة. ألا أن النقاشات الحامية الوطيس التي جرت داخل مركز القرار في باريس في الأيام القليلة الماضية رجح كفة مؤيدي مشروع القرار الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس.
لكن في ظل إنفراط عقد الاوروبيين حيال التوافق على الامتناع، الذي كان يعمل على تسويقه العديد من العواصم، عن التصويت على المشروع المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للاعتراف بفلسطين كدولة غير عضو، فان الدول الأوروبية اضطرت إلى مراجعة موقفها وكشف ورقتها المستورة. وبات من المرجح أن يتكرر السيناريو الأوروبي في الاونيسكو هذه المرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهذا ما ظهر علناً أمس في الجمعية الوطنية الفرنسية حين أعلن وزير الخارجية لوران فابيوس رداً على سؤال أن باريس ستؤيد هذا المشروع على غرار ما قامت به في الأونيسكو العام الماضي، وذلك حسماً للنقاش الدائر.
وفي كل الأحوال، سيكون يوم الخميس حاسماً لمعرفة ما إذا كانت غالبية الدول الأوروبية ستواصل رسمياً دعم الرئيس عباس لإقامة دولة مستقلة في الأمد القريب،من خلال التصويت لصالح مشروع القرار، أم أنها ستراهن، بطريقة غير مباشرة ومن خلال امتناع غالبية الدول الأوروبية، على تغيير المعادلة الجارية التي قد تمهد لإعادة إضفاء الشرعية على "حماس" ولدور متنام "للإخوان المسلمين" في الإقليم.