حين يسقط حبل الوُدّ البشري، في لجة الموت واللاانسانية الرعناء، الملطخة بدماء العدمية العمياء بين حقدين. يطيحُ الوفاء من سُمُوِّهِ العالي مجندلاً بسيف العواطف والأحلام الطائشة الحمقاء، والمحبة السَّمْحَة راعفة على شفاه اليتامى المتيبسة في دنيا اليباب وعصر الغياب، وقلوب الصغار من ذوي التمائمِ راعشة على حبل مزلاجٍ جليدي وخيط عصفورٍ فَرِّ الى الأفقِ بِريشِهِ المفروط عبرَ المدى، وقلبه المقطوع مرتعشاً على دكَّة الغَسْل يبغي نجوةً من لعنة الحرب والحياة على أنغام نايٍ حزينْ وخيط قييثارة طاولتها غربان السماء، فتهطل في أرضناً على رؤوس الشجر فؤوساً ومناشير تقطر منا الدَّمَ والتعب ومُرّ الحصاد، وفَوْتٌ وموتٌ يقض أركان الحياة منا وليل العاجزين الساقطين في وشل الدنيا ووحل قيعان الحضيض ، وتُفَرْفِرُ أحلام الطفولة المتعبة من غفوتها، مذعورة في حجور الأمهات الثكلى وعلى أكُفِّ وأكتاف الفقراء العابرين في جُلْجُلَة آلام الوصولِ الهارب أبداً على مذبح الحرية المحفوفة بالأعداء والأعدقاء وكل صنوف السلاح والعمائم والخُوَذ وتجار الموت والسياسة من كل فَجٍّ وصوب. في زمن الزيفِ والحيف وانكسار السيفْ، وكِراء العدو باسم الضيفْ، فلا من يَقي برد الشتاء ولا حَرّ صيفْ، وحرب يشيبُ لها الوليدْ، على الطريق الزاحف للعهد الجديدْ، فَتَعْكُمُ البراءة ومشاعر الناس السَّخيَّة، شرور أحقاد الجهالة والأنا الحَصريَّهْ، لينتصر الدم على السيفْ قرباناً لربٍ جديد ودخول عصر الجاهليّهْ.
في المسرحية الكوميدية" ضيعة تشرين"، استطاع الفنان السوري الراحل حسني البورزان، الذي كان يلعب دور مختار الضيعة إقناع الناس بأن هزيمتهم انتصار، حيث خسروا المعركة التي قادها المختار بنفسه واستولى الحرامي(اسرائيل) على ما تبقى من الكرم (فلسطين) وشرد أهل الضيعة من ديارهم، قائلاً : مين اللي بيقول انا انهزمنا ؟! احنا ما انهزمنا، بدليل انو الحرامي كان هدفه يأخد المَخْتَرَة مني، وهاي أنا ما زلت المختار، وبما إنوا فشل في تحقيق هدفه، لذلك احنا المنتصرين وهو المهزوم.
وفي أعقاب حرب العراق على الكويت، وبعد كل الذي جرى وصار من دمار وحصار وخراب ديار، قيل أن الرئيس الراحل صدام حسين في اجتماع خاص للقيادة، تحدث منتقداً ذاته أمام زملائه بالقول: هناك اثنان في القيادة من حقهم أن يعتبوا عليّ، طه ياسين رمضان لأنه طلب مني الانسحاب سريعاً من الكويت لتفويت الفرصة على الخصم وقبل تفاقم الأمور أكثر، باعتبار أننا قد حققنا الغرض المطلوب، ولم آخذ برأيه، والثاني عزت ابراهيم لأنه كان يرى أنه بما أننا صرنا داخلين الكويت وداخلين، دعنا نكمل بتوسيع الحرب واحتلال السعودية، ولم آخذ برأيه أيضاً. فكل حرب لها بداية ونهاية، وكل انتصار له اشتراطاته وانجازاته، لكن يبقى الأهم مآلات ونواتج هذه المعارك والانتصارات وخواتمها الى أين. فاستشهد الرئيس صدام حسين بعد تصفيق شعبي ورسمي عارم لدور الملحمة والبطولة والتحدي، وانتهى الأمر بأن عصف الدمار والخراب بالعراق كياناً وحضارةً وثروات، وذهبت المنطقة برمتها نحو المجهولْ وتحت ناب الغولْ، وما تزال لا تدري أين تحط رحالها وتجولْ.
وتماماً مثلما فعل حزب الله بالأمس، سطرت حركة حماس في غزة ذات الملحمة والبطولة والفداء، وصفقت لها الأنظمة والشعوب، واحتفل القادة على الجانبين، وتبادلوا الشكر والثناء على الانجاز، ولاذ ذوو الشهداء والجرحى بأحزانهم ولملمة أشلائهم وبيوتهم وأطفالهم والعض على جراحهم الغائرة. صحيح أن الناس تألم لبعض لكن الجرح والجوع لا يؤلم إلاَّ صاحبه. فهل كان من الحكمة والعدل أن يحصل كل هذا الدمار وتزهق كل هذه الأرواح لنصل الى اتفاق خال من الاتفاق سوى وقف نار متبادل بمنطق " سيب وانا اسيب" اللامتكافئة؟! اليس هو ذات النصر والسيناريو المأساة التي وقع على أثرها حزب الله على اتفاق إبعاده أربعين كيلومتراً عن الحدود ودخول قوات الأمم المتحدة والمراقبة على طول الحدود، وبالتالي أدرك شهريار الصباح فسكت عن الكلام المباح، يعني "خالتي وخالتك وتفرقوا الخالات"؟!!
وها هو الدم الفلسطيني قد سال مدراراً على أرض غزة، ليعلن وقف اطلاق النار باتفاق أمني مصري اسرائيلي هو الأول من نوعه في العهد الجديد وسياق بيت القصيد. وإذا كان انتصار حزب الله قد انتهى بتوقيع اتفاق وتعهدات وتفاهمات أدخلت قوات اليونيفيل للجنوب ووضعت حداً للمقاومة ومراقبين على طول الحدود، فإلى أين سيقود انتصار حماس؟! وهل سيحمل ما تبقى من غزة الى شاطئ الأمان، والحب ذي العصف والريحان؟! ولعل من أبرز وأخطر نتائج هذا الاتفاق هو تحميل مصر المسؤولية من حيث التزام غزة بوقف اطلاق النار، وجمع السلاح الثقيل، وضبط السلاح الموجود في سيناء، وفتح المعابر يظل مرهوناً بحسن السلوك والالتزام من جانب حماس. يعني نقل كل هذه الأعباء الأمنية وغير الأمنية من كاهل اسرائيل على كاهل مصر، الأمر الذي يصب مباشرةً في مشروع حماس الذاهب نحو ولاية وسلطة خاصة بها في حدود غزة، ولكن ستكون تحت إبط مصر الضامنة والكافلة والمسؤولة، أي في مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة الذي سبق وأن طرحته اسرائيل ورفضته السلطة ومنظمة التحرير، باعتباره الخنجر المسموم الذي يراد من خلاله تقويض المشروع الوطني في الدولة الفلسطينية ذات السيادة والسلطة الكاملتين. ولعل في موسم الحجيج العربي الرسمي اللافت والمبالغ فيه وغير المسبوق، الذي تخلل وتلى وسبق هذا النزال والنصر العظيم ما يعزز سالف قولي واعتقادي الذي لا يُجدِ فيه وبِمِلَّتي نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنُّمُ شادي.
لكن بعيداً عن العواطف والأماني وفراغ الدعاء، فإن هذا المشروع الدولي المدلل المسمى بإسرائيل، في ظل الموازين ومعادلة المصالح التي أوجدتها في المنطقة، لا يمكن أن يعطي فلسطين ولا حتى الصين فرصة هزيمتها بهذه البساطة، اللهم إلاَّ اذا زالت أو تغيرت معايير أسباب وركائز قوتها، وبالتالي ستبقى أية اشتراطات أو اتفاقات أو تفاهمات محمولة لصالحها وعلى كفوف الراحة، ومرسومة بمعايير حسابات وقوة مصالح المجتمع الدولي المتنفذ وليس اسرائيل وحدها. يعني اسرائيل مش مقطوعة من شجرة حتى نجعل من هذه الحرب هزيمتها واستسلامها كما يخيل للبعض. تماماً وكأني بالعبد الفقير يعتقد بقدرته على انتزاع استسلام أو تثبيت أكتاف من المصارع هالك هوغان وِلاَّ بيغ دادي!! لكن تفاعلات هذه الحرب وتداعياتها ستضع بلا شك أسُساً جديدة ومقولاتٍ جديدة للمرحلة المقبلة، ولن يكون الوضع ما بعد الحرب كسابِقهِ ولا بحالٍ من الأحوال. لكن لصالح مين وفي أي اتجاه هذا المهم.
هذا العدوان، وضع حركة حماس عملياً أمام اختبارين، أحدهما في الميدان، والثاني مابعد الميدان ونهاية العدوان. حيث نجحت في الاختبار الأول حين تمكنت من نزع زمام المبادرة لأول مرة من يد الخصم في الميدان علماً أن وقف النار أعاده ثانية ليد اسرائيل، أما الاختبار الثاني وهو الأهم والأخطر الذي نشاهد نتائجه اليوم ونحن نرى الاتجاهات الخطيرة في توظيف واستثمار مخرجات هذه الحرب من قبل "حماس"، وبالتالي لو أنها جعلت منها مكسباً وطنياً في خدمة المشروع الوطني لربح الشعب الفلسطيني وربحت "حماس" من خلاله على ومن حساب المعتدي، لكن توظيفها لتشكل مكسباً فصائلياً خاصاً بها وحدها، سيخسرها وطنياً ويكسبها حمساوياً لصالح مشروعها الذي يجهض المشروع الوطني ويشكل مروراً وممراً آمناً لمشروع شارون، الداعي لدولة في غزة ذات حدود مؤقته، الذي قبلته حماس قبولاً معلناً وتعمل من أجله منذ أمدٍ بعيد. يعني العبوا يا اولاد واللعب على امكو.
الإعلان عن تهدئة متبادلة يعني أن الطرف الاسرائيلي لا جناح عليه في خرقٍ ولا إلزام، لا بأمن خاص أو شامل ولا عام. آخذين بالاعتبار أن حماس قد حققت سابقة في الميدان عند أقرب نقطة من حدود الانتصار، لكن اسرائيل من جانبها حصلت على انتصار منقوص في الميدان والتقاط انفاس كانت بحاجة ماسة اليه، ناهيك انها دخلت في أول اتفاق سياسي وأمني رسمي مع مصر الإخوان ومرسيها، وهذا يعتبر انجازا مهما بالمنظور السياسي الإسرائيلي. وفي كل الأحوال تقاربت مسافات البعد ما بين الفلسطينيين في التوحد والالتئام وإن تحت العصا الإسرائيلية.
نحن اليوم أمام اتفاق خال من الاتفاق، وليس أكثر من إعلان وقف اطلاق نار متبادل سجل خروجاً ناجحاً لحماس في امتحان الميدان. ودخولاً رسمياً لمصر الإخوان ورئيسها في الامتحان باعتباره الراعي الكافل والضامن والمخرج المنفذ للسيناريو المقبل أمام تل أبيب، لا بل إنه كفيل الدفا والوفا ان جاز لنا التعبير في هذا المقام. وإذا كان اتفاق أوسلو الذي وقع بضمانات دولية وأميركية مكتوبة وشهد عليها العالم كله جرى التنصل منه وتدميره منهجياً وديس بجنازير دبابات الاحتلال تحت سمع وبصر العالم، فما الذي سيلزم نتنياهو من غير شَرّ باتفاق، هو أقرب الى عقد زواج عرفي شفهي منه الى الملزم الورقي.
فسبحان الذي نصر صدام ليذهب ريح العراق والمنطقة بأسرها. وسبحان الذي نصر السادات ليدخل كامب ديفيد وتخرس الجولان. وسبحان الذي نصرنا في بيروت لندخل فلسطين وأوسلو. وسبحان الذي نصر حزب الله لتدخل اليونيفيل وتصمت المقاومة، والحبل ما زال على الغارب والجرار. فالرحمة اللهم للشهداء، والحرية للأسرى المظلومين، ولنا ولشعبنا وجرحانا نسأله الشفاء والعَفْوَ والعافِيَة مما نحن فيه.