بعض من الزملاء القانونيين الفلسطينيين يبدون تخوفا وقلقا من أن تشكيل المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية – إن شكلت - سيكون تشكيلا سياسيا وليس قانونيا، ومهمة المحكمة ستكون البت في المنازعات الدستورية على أسس سياسية وكأن مهمتها مهمة سياسية وليس قانونية. ويزداد هذا الشك بمقولة رددها أحدهم سابقا حين دعا إلى استمزاج الفصائل باسماء المرشحين لعضوية المحكمة الدستورية العليا بل دعاهم إلى ترشيح أعضائها.
يعتبر إقحام الإعتبارات السياسية في تشكيل المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية تفريغا لها من مضمونها وتقزيما لوظيفتها الأساسية بل نفيا لها، لأن هذه المحكمة ما كانت لتقوم لولا الإعتبارات القانونية وليس الإعتبارات السياسية. ولو قامت تلك المحكمة بوظيفة سياسية وليس قانونية، فهذا الأمر أولى أن تقوم به الهيئات والأحزاب السياسية وجماعات الضغط السياسية وليس محكمة. ولما أثار وجودها عاصفة من التفكير والنقاش الحاد على كل الصعد القانونية الدولية والوطنية.
لقد أثارت المحكمة الدستورية منذ قرنين ومن بداية عهد الدساتير المكتوبة وفي كل أنحاء العالم – غربية وشرقية - جدلا ساخنا سواء من حيث تشكيلها أو من حيث وظيقتها. وانقسم العالم بين مؤيد ومعارض لهذه المحكمة ولوظيفتها. وحاولت دول كثيرة غير ديموقراطية تطويق اختصاصها ومحاصرته وتضييقه تبعا لنظامها السياسي ومدى حريته وحقوق الإنسان لديه. لكن الحقيقة الراسخة تبقى أن لا وجود لقضاء مستقل، ولا مكان حقيقي للفصل بين السلطات، ولا حقوق وحريات للأفراد، ولا تدرج للقواعد القانونية، ولا سمو شكلي أو موضوعي للقواعد الدستورية، ولا وجود لمبدأ المشروعية، ولا سيادة للقانون إلا بوجود محكمة دستورية قانونية وليس سياسية.
وبالقطع امتد هذا الجدل الساخن في التأييد والمعارضة إلى البلاد العربية ومنها فلسطين. ومن هنا تضمن القانون الأساس الفلسطيني لعام 2003 نصا صريحا قاطعا (م 103) يوجب إنشاء محكمة دستورية عليا فلسطينية ويحيل كيفية تشكيلها واجراءاتها على قانون يسنه المجلس التشريعي. ومن هنا صدر قانون المحكمة الدستورية العليا الفلسطيني رقم 3 لسنة 2006 الذي لم ينفذ بعد. وقد خبا بريقه إلى درجة أن ساد الإعتقاد لدى أغلبية القانونيين بأنه سيبقى قانونا معلقا أو موقوفا. ولولا بعض الإعتبارات الخارجية لبقي الوضع على حاله، ولكن شاء القدر ضخ دم جديد في هذا القانون وبعثه للحياة. وجاء التعديل الأخير لهذا القانون قبل شهر من الآن عملا بموجب المادة 43 من القانون الأساس اعتقادا منه أنه ضرورة لا تحتمل التأخير.
ويبدو أن فهما مغلوطا يسود بعض الفكر القانوني في دور المحكمة الدستورية سواء عندنا أو في الخارج. فالقضاء الدستوري قضاء عيني يتعلق بالنص القانوني من حيث تطابقه أو عدم تطابقه مع الدستور، وهو قضاء مشروعية وليس قضاء ملائمة. وتحكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية النص غير الدستوري سواء لمخالفة الشكل الذي قرره الدستور أو لمخالفة الموضوع الذي قرره الدستور رغم أن للمشرع سلطة تقديرية واسعة. وهو ليس بالقطع موازنة بين اعتبارات سياسية وترجيح أحدها، فهذا العمل يقوم به السياسي وليس القانوني بل هو لب عمله.
المشكلة الكبرى هي أن تشتط السلطة التشريعية - كائنة من كانت - في صلاحياتها وبخاصة أن لديها الأغبية في البرلمان، وتعتقد واهمة أنها ما دامت تمثل الشعب تستطيع أن تسن ما تراه من القواعد التشريعية وتتناسى عن عمد أو جهل القواعد الدستورية التي هي الأسمى شكلا وموضوعا وأن السلطة التقديرية الواسعة لا تعني إهدار الحقوق. كيف يمكن إيقاف تشريعات كهذه خارقة للدستور، وكيف يمكن وقف برلمان كهذا خارق للدستور، وما هي الآلية لذلك وبخاصة أنه يدعي تمثيل الشعب صباح مساء؟! لا حل سوى المحكمة الدستورية، وغيرها لا بقدم حلا البتة. فقد جربت دول رائدة في علم القانون مثل فرنسا، الرقابة السياسية الوقائية على التشريعات قبل تنفيذها، وقد كان مصيرها الفشل المحتوم، لأن الجهة التي تسن القانون هي ذاتها التي ستراقبه فأضحى الخصم حكما وتوحد الشخصان وبذا انعدمت الرقابة الحقيقة الفعالة ووجدت الرقابة الشكلية العقيمة.
أساس التصدي للرقابة الدستورية لعمل البرلمانات ومنها المجلس التشريعي الفلسطيني أو من يقوم مقامه يكمن في الرقابة القضائية القانونية. فالمسائل والمنازعات الدستورية لا يمكن حسمها إلا بتطبيق القانون وبتأهيل قانوني، وليس السياسة أو بقكر سياسي. فعضو المحكمة الدستورية يجب أن يكون متمكنا قانونيا عبر درجة قانونية ما، متمتعا بفهم عميق لفلسفة القانون، وأن يكون غير حزبي، متمتعا بالأفق القانوني الواسع باعتدال دون تفريط أو إسراف يقدر حرية الرأي والتعددية.
إذا كانت المحكمة الدستورية العليا ستقوم بوظيفة سياسية أو تمثل طرفا سياسيا، فكيف لها وهي محكمة قانون وترى التزاع الدستوري تدقيقا، وأنى لها أن تصدر حكما دستوريا يعتبر حجة مطلقة على الكافة ولا يقتصر على أطراف الدعوى، وليس ذو حجية نسبية، ويجب نشره في الجريدة الرسمية، وملزما لجميع السلطات العامة في الدولة بما فيها السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية. هذا الأمر لا يتمتع به سوى القانون الملزم، وكأن حكم المحكمة الدستورية العليا غدا بمثابة قانون واجب التنفيذ رغم وجود المجلس التشريعي.
إن أنشئت محكمة دستورية في بلادي فستتعرض حتما لمسائل دقيقة جدا في القانون، وذات آثار بعيدة المدى تؤدي إلى تأثر المراكز القانونية وتغيرها إلى مدى بعيد. فعلى سبيل المثال ما هو مصير القوانين التي سنتها منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت وهل هي دستورية أم لا؟ ما هو مصير القوانين التي تخالف مواثيق حقوق الإنسان الدولية وإعلاناته؟ هل القانون الأساس دستور أم لا؟ هل يشمل القانون الدستوري العرف الدستوري أم لا؟ هل الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع أمر توجيهي أم ملزم؟ ولهذا قلنا أن عضويتها ليست تشريفا بل تكليف وعلم واسع وليس سياسة رحبة فسيحة.
كانت المحاكم على اختلاف أنواعها وستبقى الملجأ الوحيد للفصل في المنازعات على اختلاف اشكالها على أسس قانونية قررها الدستور أولا ثم التشريع ثانيا. ولا يمكن للمحاكم وبخاصة المحكمة الدستورية العليا أن تعتمد السياسة بدل الدستور كآلية للفصل في المنازعات لأنها تغدو هيئة من هيئات السلطة التنفيذية وحكمت على نفسها بالذيلية والتبعية وعدم الإستقلال ونفي العدالة، لأن نصف العلم أخطر من الجهل، والعلم القليل شيء خطر!!