لا أحد في العالم كله يستهين بقدرة اسرائيل العسكرية، وهي قدرة ديناميكية متنامية متطورة وصلت الى ان تصنعها وتبيعها مثل الطائرة بدون طيار التي نجحت مقاومة غزة على صغرها ومحدوديتها وحداثة سنها ومحاصرتها من اسقاط احداها مؤخرا، ونجحت مقاومة حزب الله في اختراقها بطائرة مماثلة قبل عدة ايام. قوة اسرائيل العسكرية لا تقتصر على السلاح التقليدي، بل ان لديها ترسانة نووية متركزة في الجنوب بدأت في تدشينها بعد ثلاثة اعوام فقط من تأسسها، واليوم بدأت تخشى حقيقة من ان تنجح ايران وقبلها سوريا وقبلهما العراق في امتلاك مثل هذه الاسلحة الفتاكة.
لكن هذه القدرات الهائلة بدت في اليومين الاولين من العدوان على غزة أشبه وكأنها مستضعفة او منقبضة او كما قال خبير امريكي انها كالعملاق الاعمى والاطرش، يتهادى ويتخبط حتى يهوي، وحين يهوي يصعب عليه القيام مجددا.
لقد نجحت اسرائيل من خلال عمليتها "عمود الغيم" في تصفية القائد القسامي البارز احمد الجعبري، وكأن لحظة اغتياله كانت بمثابة ساعة صفر العملية، فتشن بعدها عشرات الغارات على عشرات المواقع التي تقول انها مخازن الصواريخ وراجماتها، وهو الهدف الثاني من سلسلة رزمة اهدافها السبعة التي عندما وضعت امام باراك اوباما صادق عليها وقال لنتنياهو "على بركة الله".
كان من الواضح ان البدء بإغتيال الجعبري له بدوره هدفان، اولهما انه ورقة انتخابية ناجحة لدى الجماهير المتعطشة للدم، للدرجة ان يقوم المعارضون لنتنياهو مثل اولمرت وموفاز بتهنئته بهذا الانجاز الجبار، والثاني هو ارباك المقاومة في غزة بمثل هذه الضربة القاصمة فيجعلها مثلا تستسلم او ترتبك او تسارع الى طلب الهدنة، ولكن شيئا من هذا القبيل لم يحدث، فقد اعلن عن توحيد كافة اطر وفصائل المقاومة، وهو ما لم يكن موجودا، واستطاعت هذه المقاومة ان تبدو اكبر واعظم بكثير من حجمها الحقيقي وبدأت بدك مدن اسرائيل بمئات الصواريخ التي ذهب باراك للتبشير انه دمرها في مخادعها، وخاصة طويلة المدى منها، وسرعان ما سمعنا صداها في تل ابيب، وهي المرة الاولى في تاريخهما، الدولة والمدينة، لكن الاغرب ان تقوم غزة بدك تل ابيب، وهي نفسها الصورة التي يمكن مطابقتها بين الدولة العسكريتارية الجبارة وبين المقاومة المحاصرة، فيبدأ الفارون من مدن الجنوب كعسقلان واسدود وبئر السبع يتساءلون ان كانت تل ابيب قادرة على حمايتهم، كما كانت مدنهم قد قدمت الحماية لسكان الشمال، عكا وحيفا وكريات شمونه عندما فروا من صواريخ حزب الله قبل بضعة سنوات. الحديث هنا لا يدور عن عشرات او مئات، بل لربما مليون وأكثر.
هل هناك اشياء اخرى كشف نقابها هذا العملاق الاعمى والاطرش؟ نعم، ان صواريخ قبابه الحديدية والتي يكلف كل واحد منها نحو مليون دولار او اقل او اكثر، لم تستطع اعتراض كافة هذه الصواريخ و لا حتى نصفها، وانه خلال يومين كانت كلفة هذا العمود – الغيم- قد تجاوزت ثلاثة مليارات شيكل.