"ان احدى الاستراتيجيات الأكثر رواجا تكمن في محاولة تفسير الحاضر عبر الاشارة الى الماضي، ليس لأننا قد نكون على خلاف مع الماضي، ومع ما حدث، ولكن لأننا نتساءل ان كان الماضي قد مضى ومات ودفن أو أنه مستمر ربما بشكل آخر: هذه من خصوصيات الحوارات المتعددة بشأن الأسباب والأحكام والاتهامات بشأن الحاضر والمستقبل".. هذا ما قاله المفكر الفلسطيني الراحل ادوار سعيد، وهو تساؤل ينطبق بشكل خاص على قضية فلسطين، وفي هذا السياق يمكننا أن نشير الى مثال بسيط حول العلاقة بين الماضي والحاضر، حيث ما يحدث اليوم من تهديدات اسرائيلية كما ورد في "هآرتس" يوم 14 نوفمبر الحالي، يشبه تماما ما ورد في "هآرتس" قبل ثمانين عاما وذلك بناء على ما نشر في جريدة "فلسطين" اليافية في عام 1931.
في مقال "هآرتس" الحالي ذكر: "إن وزارة الخارجية الإسرائيلية أصدرت تعليمات لجميع سفرائها في العالم بتسليم رسالة إلى وزراء الخارجية ورؤساء الحكومات والرؤساء في الدول التي يعملون فيها مفادها أن إسرائيل ستدرس إلغاء اتفاقيات أوسلو بشكل كامل أو جزئي في حال موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على الطلب الفلسطيني بالحصول على مكانة دولة غير كاملة العضوية." وذلك من "أجل كبح الخطوة الفلسطينية بسبب عواقبها بعيدة الأمد "كما تضمن الموقف الاسرائيلي" تهديدات إسرائيلية للفلسطينيين وبينها وقف تحويل أموال الضرائب إلى السلطة الفلسطينية وإلغاء اتفاقيات أوسلو وإلغاء تصاريح عمل آلاف العمال الفلسطينيين في إسرائيل".
أما في 22 كانون الثاني من عام 1931 فقد نشرت جريدة "فلسطين" مقالا حول "البروباغندا" الصهيونية جاء فيه: "ما كادت الهند تبدأ بإظهار عطفها على العرب الفلسطينيين حتى شرعت "هآرتس" وهي أحد ألسنة اللجنة التنفيذية الصهيونية تنصح ان لا تختصر "البروباغندا" اليهودية على الغرب وعلى أمريكا وترى لزاما أن تمتد هذه "البروباغندا" الى الشرق الأدنى والى الهند بنوع خاص، وكانت حجتها في ذلك ان الذين يعطفون على العرب من الاقوام الشرقية، لن يعودوا الى هذا العطف، بل هم سيحولوه الى الصهيونية اذا ما فهموا حقيقتها"..! كما اضافت الجريدة ان الدكتور حاييم وايزمان بعث بنداء ليهود الهند يطلب اليهم فيه ان يبثوا "البروباغندا" الصهيونية بين الاقوام التي يعيشون بينها حتى لا يكون ثمة عطف منهم في المستقبل على غير الأماني الصهيونية".. "كما أن الدكتور ستيفن وايز والمستر روبرت زولد، من يهود أمريكا، قد اشتركا في وضع نداء الى يهود العالم يطلبان فيه ان يقوموا بإفهام من حولهم حقيقة الأماني اليهودية "العادلة"..! ويقولان ان الوطن القومي في محنة وان على اليهود ان ينقذوه منها عبر الاكثار ببث الدعوة بين غير اليهود في انحاء العالم".
وفي الثاني من كانون الثاني من نفس العام نشرت جريدة "فلسطين" مقال بعنوان "محاكمة بريطانيا" جاء فيه "يعرف اليهود مثلما نعرف نحن تماما ان "الصهيونية السياسية" قد ماتت، وان الدولة اليهودية التي كانت ترمي اليها هذه الصهيونية لن تقوم لها قائمة، وليس ينقص فلسطين لكي يتمتع اهلها بالراحة والهدوء إلا أن يعترف يهود الدنيا بموت الصهيونية، أي بالأمر الذي وقع ورأى الناس كلهم وقوعه".
"واذا كان وايزمن نفسه قد اعترف بهذا الأمر عندما أعلن ان الهدف الذي اصبحت الصهيونية ترمي إليه هو الحصول على "دولة مشتركة" في فلسطين، فإن باقي اليهود لم يقروه على رأيه، وهم سيسقطونه دون شك اذا رشح نفسه لرئاسة المؤتمر الصهيوني القادم، وهذا واضح لنا منذ الآن مما نقرأه في الصحف اليهودية حتى التي يصدر منها في الهند والصين وسيزداد وضوحا يوم الاثنين القادم عندما تعلن نتيجة الانتخابات للمجلس الملي اليهودي في فلسطين وهو الذي رشح اليهود لرئاسته بين من رشحوهم جابوتنسكي نفسه".
وتضيف الجريدة انه في حال نجح "جابوتنسكي وحزبه في انتخابات المؤتمر الصهيوني القادم، فإن يوم الظفر هذا هو آخر يوم تنعم فيه حق الصهيونية الروحية نفسها بنعمة الوجود، لأن بريطانيا التي احتملت وايزمن وسياسته عشرة اعوام لن تحتمل جابوتنسكي يوما واحدا، ولأن العرب اذا كانوا قد خدعوا يوما بمناورات وايزمن وحزبه لن يخدعوا دقيقة واحدة بالصهيونيين الاصلاحيين الذين يعلنون غاياتهم الشريرة على رؤوس الاشهاد ويصرون على الوصول الى هذه الغايات بالعنف والقوة..!"
كما جاء في المقال "وقد زاد الكتاب الابيض من شراسة هؤلاء الصهيونيين الاصلاحيين" حيث اعلن بطلهم (جابوتنسكي)انه سيحاكم بريطانيا العظمى على قلة شرفها ويقول للبريطانيين بصريح العبارة "انكم اصدرتم لنا وعدا ولكنكم لم توفوا به فاسألوا ضمائركم إن كنتم قد وعدتمونا بغيتو صغير في دولة عربية، ونكرتم وعدكم بأن تحرروا لنا وطنا تحريرا تاما، فتحول هذا الوعد الى مهزلة، وعليكم ان تقدموا الموظفين المسؤولين على ذلك الى المحاكمة ولو ان هؤلاء الموظفين من الانكليز". ويضيف المقال "فعندما ينجح هؤلاء الصهيونيين الاصلاحيين الذين يريدون رغم انف الكون كله ان "يحرروا" فلسطين من اهلها فانا عند ذا النجاح سنكون وجها لوجه مع "اعداء ألداء" لا مع "خصوم" كأولئك الخصوم الأولين، الذين مع محاربتهم لنا في الخفاء وبالطرق الناعمة الهينة ظلوا طوال الاعوام الماضية يدعون بأنهم اصدقاء الشعب الفلسطيني من فلاحين وعمال وانهم انصار هذا الشعب.."
وحتى قبل هذا التاريخ بخمسة أعوام أوضحت جريدة "فلسطين" أهداف وأساليب الصهيونية في مقال نشر في 26 تشرين الاول من عام 1926 جاء فيه: "إن اختلفت طرق الاحزاب الصهيونية وتنوعت خططتها فإن غايتها واحدة وهدفها واحد: وهو انشاء وطن قومي يهودي في هذا الوطن العربي".
وأشارت الجريدة الى ان اسرائيل زانغويل (أحد القادة الصهاينة) طالب "بوجوب اقفال أبواب المستشفيات اليهودية في وجوه عرب فلسطين وعدم تقديم الشوربة الى فقرائهم حتى لا تطول أعمارهم ويزداد نسلهم ومضايقتهم حتى يرحلوا الى جزيرة العرب وطنهم الاصلي".
كما أشار المقال "ان الضجة التي حدثت جراء هذه التصريحات في الأندية العربية وثورتا القدس ويافا اللتان عاقبتهما وتصدي هذه الجريدة للنقيب في كل ما ينشر في جميع اللغات عن مرامي الصهيونية وأغراضها وتنبيه الرأي العام العربي لهذا الخطر، كل ذلك حمل الدكتور وايزمان الزعيم الصهيوني الحالي واعضاء اللجنة التنفيذية الصهيونية على انتهاج خطة أقرب في ظاهرها الى الاعتدال ويأخذوا يتكتمون في أعمالهم ويتخبطون في اقوالهم ويتظاهرون بمسألة أمن فلسطين والميل إلى التعاون معهم والعمل المشترك لنجاح البلاد".
ولكن جابوتنسكي أحد أعضاء اللجنة التنفيذية "لم ترضه هذه الخطة فخرج على اللجنة وعلى رئيسها بحجة ان مخادعة العرب خداع لليهود ايضا لأن اليهودي الذي يستهوي به حب رجوع الملك الى اسرائيل لا يقصد في رجوع ذلك الملك اذا لم يكن اليهود منفردين فيه ولا يشاركهم في البلاد أحد".. وأضافت الجريدة "إن آراء جابوتنسكي المتطرفة قد أعجبت معظم اليهود لازدياد عدد اتباعه وتهافت الألوف لسماع خطبه وفي ذلك دليل على ما يكنه الصهيونيون عموما نحو اهل هذه البلاد".
وأشار المقال انه "قد حضر خطبة جابوتنسكي في القدس حوالي ستة آلاف مستمع وقد هاجم فيه الصهيونية الاصلاحية قائلا: "لكي تفهم الصهيونية الاصلاحية جيدا لابد من ايضاح امر واحد وهو ان الشعب اليهودي لم يقدم على إحياء فلسطين إلا ليكون له وطن فيها يختلف عما له من تلك الاوطان في بلاد شتاته وذلك لان اليهود في كل بلد هم اقلية صغيرة فإذا حكم عليهم ان يكونوا اقلية في فلسطين ايضا فلا تبقى عليها ميزة على غيرها من بلاد الشتات ولا تستحق مثل هذا العناء ولا تحتاج الحكومة المنتدبة الى اغضاب جيراننا الساميين لمجرد الرغبة بإنشاء فردوس آخر فوق السبعة والسبعين فردوسا التي لليهود في أنحاء العالم".. وأضاف: "وأن يكون اليهود في فلسطين أكثرية فهذا ليس رأي المتطرفين فحسب بل رأي كل صهيوني على الاطلاق ورأي كل الذين يتظاهرون بإنكار ذلك"..
نعم ان البعض يرون من حسن السياسة ان لا يجهروا بهذه الحقيقة وأعترف ان الافضل كان ان نتكتم في غاياتنا وان نعمل ساكتين. ولكن ذلك مستحيل لسوء الحظ وقد اضطررنا الحزب المعارض إلى الكلام. فحينما نسأل لماذا قمتم؟ فإذ نحن قلنا اننا لا نريد الاكثرية في البلاد اتخذت الحكومة ذلك حجة وانكرت علينا فتح باب المهاجرة على مصراعيه ولم يبقى للإدارة ما يشغلها وللعرب ما يزعجهم ونكون بهذه السياسة قد اضعنا ما نؤمله فيما لو قلنا الحقيقة وهي اننا نحارب من اجل المهاجرة الواسعة واكتساب الاكثرية".. مضيفا "ومسألة الاكثرية هذه تحتاج الى وقت. والوقت ثمين جدا لان الجواد العربي الذي نتسابق معه تقدمنا شوطا بعيدا ويوجد اليوم في فلسطين العربية 700000 شخص غير يهودي فهؤلاء، تحت الادارة البريطانية، سيصبح عددهم فوق المليون بعد خمسة وعشرين سنة ولذلك كان لا بد لنا لنلحق بهم من مهاجرة ضخمة واستعمار واسع. وهذه السياسة لم يملها علينا التطرف بل الحساب هو الذي املاها."
واليوم نرى أن نتنياهو يهدد "بالغاء أوسلو" وكأن اتفاقيات أوسلو كانت تعبر عن نية صهيونية حقيقية بالتعايش السلمي مع الفلسطينيين..! وكأن "أوسلو" كانت تمثل يوما ما مصلحة فلسطينية وليس فقط مجرد محاولة اخرى لكسب الوقت ولخداع العالم حول حسن النيات الاسرائيلية..!
فنتنياهو وحليفه الجديد ليبرمان لا يجيدون الخداع ويريدون فرض خطتهم بالقوة والعنف الوحشي، كما يمارسوه اليوم في غزة، على عكس صناع "أوسلو" الحمائم الذين ادعوا انهم محبين للسلام..! ويريدون استرجاع هدية "المحبة" الوهمية التي قدمها رابين وبيريز للقيادة الفلسطينية على شكل اتفاقيات أوسلو لاستبدالها بالهدايا الحقيقية والواقعية التي يقدمها الصهاينة للشعب الفلسطيني منذ اربعة وستون عاما أي مزيد من الغارات والاغتيالات والمجازر.
فنتنياهو ليس إلا التلميذ الوفي لجابوتنسكي حيث كان والده من مؤسسي الحركة الصهيونية الاصلاحية ومن مؤيدي مشروع "الترانسفير" بينما أن بيريز ورابين هم من اتباع وايزمان الذي كان يدعي "حب" العرب. وقد علقت جريدة "فلسطين" بهذا الصدد "وإذا كان اليهود قد زادوا شيئاعلى هذه النغمات – وهي النغمات الرئيسية في "البروباغندا" الصهيونية – فهذا الشيء هو انهم يحبون العرب ايضا، والعالم لم يعرف ولن يعرف "الحب" أبدا على هذه الطريقة الصهيونية وهي الطريقة التي يقوم فيها المحب بالقضاء على حبيبه بكل ما يملك من وسائل، وبأسرع ما يستطيع..!"