تتميز ثقافتنا الفلسطينية باحترام و تقدير كبير للمرأة بغض النظر عن توجهها الفكري أو السياسي. نفتخر إن أمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا تتحمل ما لا يستطيع تحمله رجالنا..! فأم الشهيد تعمل على أمل أن لا يضيع استشهاد إبنها سدى، وزوجته تواصل المسيرة مع أبنائه وبناته. فلم بكن من الممكن الحفاظ على حيوية المقاومة، بل القضية برمتها، من غير التضحيات الهائلة للمرأة الفلسطينية،. فهي (أم محمد) التي تربي الثوار، و"أم سعد" التي "نحنُّ الى خبزها و قهوتها". هي "فاطمة" التي ينام في حضنها "حنظلة": هي صفد التي سنرجع "يوما الى أحيائها!"
لذلك كله لا نستطيع أن نفهم على الإطلاق التعدي عليها والزج بها في صراعات ثنائية بغيضة، دخيلة على الشعب الفلسطيني. فعوضاً عن احترامها و تقديرها، تقوم أجهزتنا الشرطية بالإعتداء عليها بالهراوات الغليظة. حصل ذلك في رام الله قبل شهرين، وتمت إدانته من قبل حكومة غزة..! وهاهو يحصل في غزة وتتم إدانته من قبل رام الله..!
إن من أبجديات القضية الفلسطينية أن تعرٍّف على أنها قضية حقوق إنسان، إنسان تم التعدي عليه، سلبه أرضه، طرده من وطنه، ملاحقته أينما توجه، وممارسة التفرقة العنصريه ضده. و بالتالي فإن المقاومة التي يمارسها شعبنا يجب أن تكون نقيضاً لكل ما ينفي حقه الإنساني. و تلعب المرأة دوراً رئيسياً في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان و ربطها بالديمقراطية الحقة التي تكفل حقوق الجميع، و ليس من منظور أيديولوجي ضيق. و كما قيل، فإن مدى تقدم أي مجتمع يقاس بمقدار الحقوق التي تتمع بها المراة في ذلك المجتمع.
إذاُ، الربط بين المرأة والديمقراطية الحقة شيء لا يمكن التغاضي عنه. وبالتالي فإنه من حقنا أن نستهجن، كفلسطينيين، الطريقة البشعة التي عوملت بها المسيرة النسائية في غزة. المثير للحزن الشديد هو أن قمع هذه المسيرة تم أمام مبنى المجلس التشريعي..! بل الأدهى من ذلك أن يتم التعدي على عضوة منتخبة في هذا المجلس..! والسؤال الذي يجب أن يُطرح هو عن المطالب التي طالبت بها هذه المسيرة النسوية؟ إنهاء الإنقسام..! وهل هذا يتعارض مع ما يطالب به الجميع؟! وهل هذه جريمة؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم قبول أي حراك خارج العباءة الفصائلية الحاكمة؟! ألا يتعارض ذلك مبدئياً مع العملية الديمقراطية التي من خلالها فاز الفصيل الحاكم بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي؟
من الواضح الآن، وبعد 16 عاماً من قيام السلطة الفلسطينية، و6 أعوام من الانتخابات التشريعية الثانية تحت حراب الإحتلال، أننا لم نحصل لا على استقلال، ولا حتى ديمقراطية نتفاخر بها..! يل أن التعدي على الحريات أصبح هو السائد في كل مما يُسمى بـ(شطري الوطن!) ولجان التحقيق المعلّبة دائماً جاهزة على الرف لامتصاص الغضب الشعبي لفترة مؤقتة، ثم يتم تناسي الموضوع برمته. فهذه ليست أول مرة يقوم أفراد من الشرطة بالإعتداء على مظاهرة سلمية أو حتى فعالية ثقافية. فقد تم تفريق مسيرات نسائية سابقاُ. وتم التعدي على احتفالية فلسطين للأدب المقامة لأول مرة في قطاع غزة في شهر أبريل وتم التحقيق مع المتطوعين الذين سهلوا فعالياتها. وتم الإعتذار شفوياُ حينها والوعد بأن تتم محاسبة من اعتدى على الضيوف الذين جاءوا لكسر الحصار وتأييداّ لحملة المقاطعة الثقافية والأكاديمية. ولم يتم أصدار توضيح، حتى اليوم، بما حصل، ولم تُشكل لجنة تحقيق على الرغم من كون الوفد الضيف يضم أسماءً لامعة في الأدب والفنون والصحافة.
ما هي المشكلة؟
ولماذا الإصرار العجيب على رفض ما لا يأتي من تحت عباءة الفصيل الحاكم، حتى لو كان يصب في صالح القضية، ولكن من وجهة نظر مختلفة؟ ولماذا لم تقم الدنيا ولم تقعد عند أستضافة الموسيقار الإسرائيلي دانيل بارنباوم في العام الماضي في غزة وتوفير الحراسة له في فعل لا يمكن اعتباره إلا تطبيعاً، وإن كان بدون وعي..! لم نسمع عن تشكيل لجنة تحقيق حينها لمعرفة كيف تمت الموافقة للموسيقار الإسرائيلي مدير المؤسسة الموسيقية التطبيعية (الديوان الشرقي-الغربي!) التي تهدف لجمع موسيقييين فلسطينيين مع نظرائهم الإسرائيليين، وتعمل على خلق ما يسميه (تفاهم متبادل وتعايش من خلال الحوار والموسيقى!) ولم يتم الهجوم على القاعة التي أقيمت فيها حفلته..! إلا إذا كان السبب هو أن الحفلة كانت مرخَّصة..!
لا يمكن لأي فلسطيني يحترم فلسطينيته إلا أن يشعر بما شعرت به عند سماعي خبر الإعتداء على النساء المشاركات في المسيرة المذكورة. فكل امرأة ضُريت إمّا هي أم أو زوجة أو أخت. شعرت بحرج شديدٍ شبيه بما خالجني من شعورٍعندما ضُرب الفنان المصري حازم شاهين، مؤسس فرقة اسكندريللا التي جاءت مع احتفالية فلسطين للأدب في أحدى أهم محاولات كسر الحصار الثقافي.
إن الهوس الأمني الذي يميز العمل السياسي الفلسطيني في المرحلة الأخيرة، مصحوباُ بإصرار عجيب على تجريم كل من يختلف مع الفصيل الحاكم، يحتم علينا، كشعب محتل ومضطهَد، أن ننظر في المرآة ملياً لرؤية ما تجنبناه لفترةٍ طويلة..!
ألا يستدعي الاعتداء على النساء يوم أمس الأول نظرة نقدية صريحة؟ صفعة ترجعنا الى الواقع الذي نتجنب التعامل معه؟ فنحن تحت احتلال استيطاني عنصري يتحكم في كل مناحي الحياة..! لا سلطة الا سلطة الإحتلال الذي يفرض حصاراً ،نسي البعض منا وجوده، ويمارس التفرقة العنصرية ضد أهلنا في 48، ويمنع 6 مليون لاجئ من العودة الى قراهم ومدنهم..! من منا يستطيع أن يتخطى حاجز بيت حانون؟ أو ثلاثة أميال في البحر؟ من منا يستطيع الصلاة في القدس؟ ونحن لا نستطيع إلا إبراز ذكوريتنا في وجه نسائنا الطاهرات..!
عيب..!